يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 9599
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

سيميائية العنوان عند الطاهر وطار ... نعيمة فرطاس

في 2010-10-23, 20:16


رواية " الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" أنموذجا

ملخص:

تناول هذا المقال بالدراسة سيميائية العنونة عند الطاهر وطار، و ذلك بالتركيز على روايته "الولي الطاهر..." التي أبدى فيها تجديدا كبيرا، وكأنه يحاول المساهمة في تأسيس أرضية لنمط جديد من الروايات، وهذا ما سيستدعي – حتما – الاستعانة بمناهج حديثة لمقاربة هذا النص، وبخاصة بعد تراجع المناهج السياقية، ولهذا سنستخدم المنهج السيميائي، الذي كثيرا ما نعت بأنه منهج نصي، وفي ضوئه سنحاول استنطاق عناوين الرواية؛ على اعتبار أن علم السيمياء اهتم بالعنوان، لمساهمته هو الآخر في كشف مفاتيح النص الأدبي.

وعلى هذا الأساس، فقد تناولت الدراسة النقاط الآتية:- تمهيدا نظريا، درسنا فيه مصطلح (عنوان) لغة واصطلاحا، - مقاربة تطبيقية للعنوان الخارجي (الرئيس)، - إحصاء لعدد اللوحات المعنونة مع البحث في الأبعاد الدلالية والجمالية لتلك العناوين الفرعية.

1- تمهيد نظري

حظيت العناوين بأهمية كبيرة في المقاربات السيميولوجية، باعتبارها أحد المفاتيح الأولية والأساسية التي على الباحث أن يحسن قراءتها وتأويلها، والتعامل معها، فهو بمثابة عتبة (Seuil) على الدارس أن يطأها قبل إصدار أي حكم. فعنوان الرواية لا يوضع هكذا عبثا أو اعتباطا على الغلاف "إنه المفتاح الإجرائي الذي يمدنا بمجموعة من المعاني التي تساعدنا في فك رموز النص، وتسهيل مأمورية الدخول في أغواره و تشعباته الوعرة"(1) وإن كانت النصوص القديمة، وبخاصة الشعرية كما حفظها لنا التاريخ مغفلة الاهتمام بالعناوين فإن الدراسات الحديثة أعطت للجنسين أو الصناعتين (الشعر والنثر) على حد تعبير أبي هلال العسكري حقهما في الانتماء والتميز، وما ذلك – حسب رأيي – سوى أحد مظاهر التطور الذي عرفته النصوص الأدبية.

ولنتصور على سبيل المثال إنتاجا أدبيا بعيدا عن منتجه، ولا يحمل عنوانا خاصا به، إننا بالتأكيد سوف نقع في اللبس، وقد ننسبه إلى غير صاحبه، إلا أنه كما يدل العنوان الشخصي (l'adresse) على محل الشخص وإقامته الدائمة يدل العنوان (le titre) كذلك على شخصية الإنتاج، كما أن العلاقة بين الاثنين (النص، العنوان) بالأساس "علاقة جدلية، إذ بدون النص يكون العنوان وحده عاجزا عن تكوين محيطه الدلالي، وبدون العنوان يكون النص باستمرار عرضة للذوبان في نصوص أخرى"(2)، لتصبح بذلك عملية العنونة أكثر من هامة.

وعليه، فالعنوان أشبه ما يكون ببطاقة هوية (carte d'identité)، وفي كثير من الأحيان يكون كاللوحات الإشهارية الخاطفة، وبخاصة حينما يكون براقا مغريا، إذ يصنع دعاية كبيرة لذلك الإنتاج.

وقبل أن نستنطق عنوان الرواية، نرى ضرورة العودة إلى مصطلح "عنوان"، ودرسه لغويا واصطلاحيــا:

ورد في "لسان العرب" ما يلي: "قال ابن سيده: العُنوانُ والعِنوان سمة الكتاب. وعَنْوَنَةٌ عَنْوَنَةً وعِنْوَنًا وعَنَّاه، كلاهما: وَسَمَهُ بالعُنْوَانِ. وقال أيضا: والعُنْيَانُ سمةُ الكتاب، وقد عنَّاهُ وأعناه، وعَنْوَنْتُ الكِتَابَ وعَلْوَنْتُهُ. قال يعقوب: وسَمِعْتُ من يقول أَطِنْ وأَعِنْ أي عَنْوِنْهُ واخْتِمِهُ، قال ابن سيده: وفي جبهته عُنْوانِ من كثرة السجود أي أثر"(3).

أما اصطلاحا فهو "مقطع لغوي أقل من الجملة يمثل نصا أو عملا فنيا، ويمكن النظر إلى العنوان من زاويتين: أ- في سياق، ب- خارج السياق. والعنوان السياقي يكون وحدة مع العمل على المستوى السيميائي، ويملك وظيفة مرادفة للتأويل عامة"(4). ومع أن التعريف يركز على أن العنوان يكون أقل من الجملة إلا أن هناك عناوين قد تتجاوز الجملة.

بناء على هذا، قد يكون بالإمكان تتبع عمل العنوان في النص بما "أنه حاضر في البدء وخلال السرد الذي يدشنه، ويعمل كأداة وصل وتعديل للقراءة"(5). فلنتجه رأسا إلى مربط الفرس ونحاول وصفـــه:

2- سيميائية العنوان الخارجي:

أول ما يلفت انتباهنا أنه عنوان طويل، مقارنة مع عناوين رواياته السابقة، حيث لا يضاهيه في الطول سوى "العشق والموت في الزمن الحراشي". فبعد سلسلة العناوين المفردة (رمانة، اللاز، الزلزال)، ثم المكونة من كلمتين أي جمل بسيطة مثل: الحوات والقصر، عرس بغل، الشمـعة والدهاليز،... أتت مرحلة النفس الطويل والجمل المركبة مع "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"، يضاف إلى ذلك أن هذا العنوان مقرون بمكان، وذلك في كل رواياته تقريبا، حيث يذكر الاسم ويقرنه بالمكان، وليس أي مكان، فأحيانا تكون أمكنة رفيعة سامية (القصر، المقام،...)، وأحيانا أخرى وضيعة دنيئة، إن لم نقل مقززة (دهليز).

كما أعطى للعنوان موقعا استراتيجيا هاما، إذ إن "له الصدارة ويبرز متميزا بشكله وحجمه. وهو أول لقاء بين القارئ والنص. وكأنه نقطة الافتراق حيث صار هو آخر أعمال الكاتب وأول أعمال القارئ"(6). معنى ذلك أنه بذل جهدا كبيرا لاقتناء هذا العنوان الساحر، ووضعه في الموقع اللائق به، الذي أعطى بعدا جماليا معينا.

ولن نستطيع المرور هكذا دون أن نمسك بشبه خيط رفيع يمتد من "الحوات والقصر" ليتشظى هنا، والمتمثل في أن الاسمين الأولين (الحوات، الولي) يدلان بأن صاحبيهما ينتميان إلى طبقة شعبية، كما أن المكانين ليسا مجرد أمكنة عادية بسيطة، بل لهما قيمة عظمى، إذ لا يخفى علينا ما للقصر من هالة، وما للمقام من قدسية.

بهذا نقول، إن العنوان يتكون من مجموعة علامات ركبت وفق نسق معين، لتعطي معنى محددا بموجبه يتمكن هذا الأخير من أداء دوره المنوط به على أكمل وجه. فرغم عدد كلماته القليلة مقارنة مع النص الروائي، إلا أنه ينتشر على مساحة هائلة، وكأنه نص صغير انبثق من آخر أكبر منه، ويكمله في ذات الوقت، ويدور في فلكه ومداره.

وحتى تتضح الرؤية يمكن لنا أن نشبه وظيفته بوظيفة الرأس للجسد، فكما أن الرأس هو الذي يحتوي على مراكز الإحساس والإدراك والأوامر، ورغم ضآلة حجمه مقارنة مع باقي الجسد، إلا أنه المسيطر على توازنه.

بعد هذا نرى أنه من الضروري أن نستخلص العنوان على حده، ونفكك مفرداته الواحدة تلوى الأخرى باعتبارها علامات لغوية تحمل دلالات معينة:

إن كلمة "الولي" هكذا مجردة توحي بالسلطة والزعامة، فقد جاء في لسان العرب: "ولي: من أسماء الله تعالى: الولي هو الناصر. وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها، ومن أسمائه عز وجل: الوالي. وهو مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها"(7)، كما قد تطلق أيضا على الإنسان لقوله عز وجل: ﴿وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (Cool.

كما أخذت "الولاية في القرآن معنى: النصرة، والتولية. وقد أطلقها تعالى على ذاته اسما بالإطلاق" (9).

والولي عند المسلمين بصفة عامة هو "من تطهرت روحه عن دنس الدنيا، فاستقامت سيرته، وخلصت سريرته. وكان عند الناس وجيها، وعند الله مكرما لتقاه وصدق طاعته" (10).

ولها أيضا دلالة شعبية، إذ كثيرا ما يتردد على ألسنة العوام، وهم بصدد قضاء حاجة معينة إقامة النذور للولي الفلاني، وكأن استرضاءه واستمالته يجلبان الحظ، وجريان الأمور كما تشتهي الأنفس. وبالمقابل سخطه وغضبه يسببان التعاسة، وفشل المتضرع في مسعاه. بمعنى آخر، فالولاة بمثابة وسائط روحية بين العباد والله سبحانه عز وجل، وهو – تقريبا – نفس المعنى المتواجد لدى المتصوفة.

وإن كنا نرى في كلمة "ولي" كل هذه المعاني والدلالات، فإن "الطاهر وطار" نفى عنها أي معان جانبية، وقصرها على دلالة وحيدة حافة، إذ أكد بأنه "لا يقصد به [أي الولي] الولاية الصوفية، وإنما ولاية أدبية ليس فيها تطاول على الأولياء الصالحين ومقاماتهم" (11).

ولكننا إذا احتكمنا إلى النص الروائي (محل الشاهد)، نستطيع أن نفترض أن كلمة "ولي" قد تحمل بعدا صوفيا، بما أن الشخصية الرئيسية فيها صوفية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لإيماني بأن المؤلف يصبح غريبا عن مؤلفه بمجرد أن يخرجه إلى معترك الساحة الأدبية، فحتى لو جزم الروائي بذلك، فلن نستسلم لرأيه. وكأن الروائي بتصريحه هذا يحاول أن يمارس علينا شيئا من التمويه، حتى لا نفكك رموزه بسهولة، وليضفي كذلك بعدا غرائبيا على مضامين بعض كلماته، إذ كيف يدعي أن الولاية هنا ولاية أدبية محضة، والنص مشحون بمصطلحات صوفية تفند هذا الزعم؟

أما "الطاهر" فقد تكون اسم علم، إذ جرت العادة في اللهجة الجزائرية والمغاربية بصفة عامة أن يضاف "الـ" إلى بعض أسماء الأعلام، أمثال: سعيد، بشير، ربيع، طاهر،... إلخ. فيقال حين مناداتها: السعيد، البشير، الربيع، الطاهر،... وما إلى ذلك.

وقد تكون أيضا نعتا يمعن في الدلالة على النقاء، التقوى، العفة، النزاهة، الاستقامة، الشرف، البراءة،... وبالفعل هو كذلك، إذ إنه لا يستسلم للإغراءات والوعود اللذيذة الحالمة، كما أن فيه صفات مضمرة مخفية مغيبة (النجس، الخبث، الدناءة،...).

أما القسم الثاني من جملة العنوان "يعود إلى مقامه الزكي"، فإنها تتكون هي الأخرى من علامات لغوية أولها (يعود)، وهو فعل جاء بصيغة المضارع، يتضمن امتدادا زمنيا واستمرارية وتطلعا نحو المستقبل.

وفي سياق صيغة هذا الفعل نجد المصدر (العودة). وللعودة دلالات متعددة عند مجتمعات وديانات مختلفة. فهناك عودة "المهدي المنتظر"، وهو "رجل مصلح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يكون ظهوره من أمارات الساعة الكبرى، يملأ الدنيا قسطا وعدلا بعد أن ملئت جورا وظلما، ويجتمع بعيسى عليه السلام بعد نزوله ويصلي عيسى خلفه"(12)، يكون قدومه لهداية الناس آخر هداية. وقد عدت هذه الفكرة من أهم مبادئ المؤمنين بالفكر الشيعي، وإن [اختلف معهم بقية المسلمين] حول الشخص الموكل بذلك.

كما تحضرنا في الأدب اليوناني عودة أوديس (عوليس)، في ملحمة "الأوديسة L'odyssée"، للشاعر "هوميروس" وما لاقاه أوديس من مصائب وأهوال بعد عودته من طروادة، وانتصارهم عند أسوارها، ثم معاقبة الآلهة له ولرفقائه، وقد كان من أشد المتضررين من هذا العقاب، إذ تاه وتفرقت به السبل، وكاد يفقد حياته ولولا عناية الإلهة أثينا(*).

وقد تكون عودة دينية أشبه ما تكون بعودة أهل الكهف، حين استفاقوا من نومهم، وذهب أحدهم بورقة نقدية إلى المدينة؛ ليشتري لهم ما يأكلون، فوجد كل شيء قد تغير، ومن هنا أحس باللاجدوى، فطلب من الله العودة إلى عالم الروح (عالم الكهف: الموت)، فبعد أن ذهبوا عن زمنهم عادوا، ليجدوا أنفسهم أيضا غربـــاء!

وهذا معناه أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، وحتمية التاريخ لا تنقطع عن الواقع، وإن الأحداث لا تقاس بعمرها، وإنما بفائدتها، وهذا ما رأيناه عنده أيضا في "الشمعة والدهاليز"، وتلك هي إشكاليته، ولذلك فلا عجب أن نجد أن الشمس قد توقفت، وأن اتجاه القبلة قد غاب، والظل لا يتحرك، فإذا به يقف مبهوتا ليقرأ سورتي الفاتحة والأعلى، حينذاك علم أنه قد غاب غيبته الكبرى، ولا يدري مدتها، تماما مثلما حدث مع فتيان الكهف.

فالغيبة إذن تاريخية والعودة تاريخية، ولذلك نجد "وطار" يتنفس بالتاريخ المقدس، والتاريخ الأسطوري في الرواية، ليتعانق مع الواقع المعيشي، ثلاثية تبنى عليها جميع الحالات.

كما تحمل مفردة (العودة) بعدا شعبيا، إذ كثيرا ما يحفل الموروث الشعبي، أو الذاكرة الشعبية الجزائرية بالكثير من الأمثال، التي استحضرها سياق الموقف، إذ يقال: "اللِّي يْعَاوَدْ يَعْطيهْ المْعَاوَدْ" هو بمثابة دعاء بالشر على صاحبه، أو الإصابة به لمن يعيد فعل شيء غير مستحب مرة أخرى.

كما يوجه "هذا المثل إلى الراشدين المسؤولين عن أعمالهم الذين إذا أخطأوا ذهبوا يحلفون أنهم لن يعودوا أبدا إلى ما فعلوه"(13).

ومن مرادفات العودة في اللهجة الجزائرية (ولى)، فيقال: "اللِّي رَاحْ وَلَّى وَاشْ مَنْ بَنَّةَ خَلَّى". يضرب هذا المثل للشخص الذي يغادر المكان، ثم يعود إليه مرة أخرى بغرض الإقامة، فيكون بذلك كمن نزع البقية الباقية من تقدير الناس له بسبب الرجوع المتكرر.

ويقال أيضا: "اللِّي وَلَّى عَلَى الجَرَّة تْعَبْ"، ومعناه لا فائدة من الندم ومراجعة النفس.

هذا كله من الناحية السلبية المتوالدة عن فعل (يعود)، كما يمكن أن تكون له دلالة تأويلية إيجابية مخالفة تماما لما سبق، إذ قيل: "عُدْنَا والعَوْدُ أَحْمَدُ". وهو مثل مرتبط بالسلامة والارتياح والنجاة والعودة الميمونة.

بهذا نستطيع القول بأن الروائي متأصل في ثقافته وروح زمانه، إذ إنه استحضر الروح الشعبية بكل بساطتها وعفويتها، وبطريقة إيحائية؛ لينهل بذلك من كل الثقافات مهما كانت ويبرهن على مدى التصاقه بالطبقة الشعبية التي تمثل قاعدة الهرم، إذ إنه بالأساس واحد من أبناء هذا الشعب تجذرت فيه العقلية الشعبية، فاستفاد بذلك من بعض مضامين أمثالها التي تجري أحيانا مجرى الحكمة.

إذن، فالعودة ليست بالمفهوم العادي البسيط، بل هي عودة دينية، تاريخية، أسطورية، وإذا شئنا التدقيق أكثر، قلنا: لقد تعانقت كل هذه الروافد لتنصهر في بوتقة واحدة، لتشكل عودة الولي العجائبية السحرية، إذ إنه كلما عاد من غيبة أو رحلة إلا واصطدم اصطداما مأساويا بحقيقة جديدة كانت غائبة عنه.

نواصل الآن مع باقي مكونات جملة العنوان، قلنا سابقا بأن جل عناوين روايات "الطاهر وطار" تقريبا مكانية، وقد كان محل الإقامة هنا (المقام) الذي يحمل بعدا صوفيا دينيا، فهو موضع مكاني و "حقيقة معنوية يوجدها المقيم، فالتوبة مثلا لا وجود لها بمعزل عن التائب، بل التائب هو الذي يخلقها بإقامته فيها"(14).

معنى ذلك أن المقام لا يحمل معنى ماديا ملموسا فقط، بل له معنى روحي، إذ المقامات بالأساس مراتب ودرجات يرتقي إليها المريدون والمريدات، وتختلف أعدادها باختلاف الطرق الصوفيــة، وكأن المقامات مراحـل أو محطات يرتقيها السالكون في سفرهم الصوفي إلى طريـق الله – عز وجل – و "باختصار شديد فإن المقام في التصوف مرتبة معينة معلومة صفاتية، يصل إليها المريد أثناء مسيرته في طريق الله. من أجل الوصول إلى رحاب الحضرة الأقدسية"(15).

وإذا ربطنا بين المقام والعودة، ووفق المفهوم السابق للمقام، نستنتج أن "الولي الطاهر" كان في سفر روحي محاولا استعادة (مقامه/ مرتبته)، التي يكون من الأرجح قد فقدها.

ودليلنا على ذلك سلسلة الإغماءات أو الغيبيات التي كان يتعرض لها بعد كل عملية أو شعيرة صوفية (المبالغة في الذكر مثلا)، غير أنه في بعض الأحيان يلتبس مفهوم المقام مع المكان إذا حللنا استنادا إلى المتن الروائي، إذ نجده يفصله ويذكر مكوناته، وهي مكونات مادية ملموسة.

وقد يكون هو حياة "الولي الطاهر" نفسها، إذ يقول: "حياتنا مقام، والأحداث فيها أبواب، تفضي بنا إليها دون غيرها"(16).

وبهذا يصبح المقام "هو المكان الرمز، والذي يحيل إلى إحالات واقعية ورمزية، ومنه ينطلق الكاتب باحثا في وجد صوفي عن كنه ليس للأشياء، بل يبحث عن اليقينيات داخل زمن افتقدت فيه أو تكاد"(17).

وإذا مضينا في تفسير، وتأويل هذا المؤشر الروائي، فإننا سنقع على بدائل اختيارية، يمكن أن تنتخب منها عنوانا آخر. فعلى سبيل المثال نستطيع أن نستخرج من "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" ثلاثة عناوين مستقلة، كل منها يصلح لأن يوضع على غلاف الرواية، ويؤدي دوره المنوط به على أكمل وجه، وهي:

الولي الطاهر، العودة، المقام الزكي،... إلا أن "الطاهر وطار" اختار عن قصد أن يكون عنوان روايته على ما هو عليه، لذا "فاختيار عنوان دون غيره له دلالاته ورهاناته، لذا يكون شبيها برحلة تتحمل من دون تراجع أهوال ما تصادفه، ويكون لها فيه ذلك المتاه السري، والرائع في نفس الوقـــت"(18).

فإلى أي مدى كان "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" كعنوان وفيا للنص الروائي؟ وهل تصدق عليه مقولة: "الظاهر عنوان الباطن"؟

3 - سيميائية العناوين الداخلية (الفرعية):

تتكون الرواية من 156 صفحة من القطع المتوسط، تتوزع على ثماني لوحات أو مشاهد وكل لوحة تحمل عنوانا معينا، على النحو الآتي:

من ملاحظة الجدول نجد أن كل لوحة لها طول وإيقاع خاص بها، كما أن بعضها قسم إلى وحدات تحمل أرقاما واضحة، ويكاد الإيقاع الزمني يكون على النحو التالي:

ق – ط - ط جدا - ق جدا – ق – ق - ق جدا.

نلاحظ أن الإيقاع القصير يكاد يكون هو المسيطر (5 قصير مقابل 2 طويل)، ويعود ذلك إلى أنه الإيقاع المناسب للتعبير عن خلجات النفس وما يعتلجها في أقصر مدة. وإن هذا التوزيع المتنوع له "دلالته على الأولويات التي تمنحها الرواية لنوعية القضايا التي تطرحها" (19).



تحمل إحدى اللوحات عنوان "تحليق حر" ، وهو العنوان الفرعي الأول المفتتح للنص الروائي، ليس مجرد تركيب مكون من مسند ومسند إليه، بل يحمل دلالة عميقة على الانعتاق والتحرر من قيود لا تريد الشخصية المحورية أن تقع فيها، فهي – أي الشخصية – لا تخضع لأي قيد أو شرط، فرحلة الولي كانت – تقريبا – بدون وجهة معينة، إنما تمت في فيف مترامي الأطراف غير محدد المعالم، ما عدا بعض المعالم القليلة جدا التي حاول الاهتداء بها.

تروي هذه اللوحة رحلة البحث عن المقام الزكي، وما صاحبها من ذكريات استحضرها "الولي الطاهر"، فبدت كصور وأخيلة لا تود مفارقة خياله. بالإضافة إلى حديثه عن مقامه بطوابقه السبعة، والمقيمين به (الطلبة، الطالبات، المريدون، الشيوخ،...)، والوظيفة التي يضطلع بها كل فرد من أفراد المقــام.

أما اللوحة الثانية، فتحمل عنوان "العلو فوق السحاب"، يوحي ببداية الانتقال من مرحلة إلى أخرى تبدو أكثر ضبابية وهشاشة من سابقتها، بما أنها تمت في السحاب، فبعد أن كان التحليق يتم في الفضاء الرحب، انتقل البطل إلى طبقة أخرى أكثر ارتفاعا؛ ليغوص في قلب التاريخ الإسلامي محاولا استجلاء الأوضاع السابقة، واستحضارها لما فيها من تشابه. ويبدو أنه قد عثر على وجهة معينة، أو أمسك برأس الخيط ما دام قد حدد مكان التحليق (السحاب)، بكل ما يحمله من غموض وإبهام، وعدم وضوح الرؤية.

وهنا تتكرر المشاهد، ولكن بشكل مزعج، إذ تتحول أحلام الولي إلى كوابيس مرعبة، يخوض خلالها حروبا ومعارك ساخنة، دون أن يعلم السبب الذي يجبره على القتال، ورغم أنه يستفيق إلا أنه لا يلبث أن يغوص مرة أخرى في قلب التاريخ الإسلامي، ليفاجئنا بحادثة هامة، وقعت في صدر الإسلام الأول وهي خروج "مجاعة بن مرارة" ثائرا لبني عامر، لما فعله بهم "خالد بن الوليد" بعد ردتهم، إذ قتلهم ومثل بهم تماما كما فعلوا بالمسلمين، وأبقى "خالد" على حياة "مجاعة" إكراما له لشرفه في قومه بني حنيفة، لكن بني حنيفة يكرون مرة أخرى، ليهزم المسلمون بعد قتال مرير، ويستخلص "مجاعة" من أسره، بعد أن دخلوا فسطاط "خالد".

هذه الحادثة بالذات، فتحت بابا لتساؤلات كثيرة، من طرف الطلبة والطالبات في المقام الزكي، ملخصها أنها تشكك في صحة بعض الروايات التاريخية، التي أوردتها كتب التاريخ.

أما اللوحة الثالثة، فتحمل عنوان "السبهللة".

إذا بدأنا بمحاولة استجلاء معنى هذه الكلمة، فإن السبهللة كلمة مشتقة من الفعل سبهل، إذ "يقال: جاء فلان سَبَهْلَلأْ، أي: جاء إلى الحرب بلا سلاح ولا عصا"(20). وقد تكون كلمة منحوتة من باب الحمدلة، والحوقلة، والبسملة،...

من خلال المفهوم السابق نستنتج أنها حالة غير عادية، إذ من المفترض في من يدخل الحرب أن يكون مستعدا بعدته وعتاده، وإلا فما جدوى المشاركة في رحى حرب نتيجتها معروفة مسبقا وهي الهزيمة.

قد يكون المؤلف باستعماله هذه الكلمة غير المألوفة، يلمح إلى حالة الشعب الجزائري، الذي أصبح هو الآخر كمن يعيش حالة غيبوبة وتيهان، عقب أحداث 5 أكتوبر 1988 الدامية، أو هو كالمخدر الذي يعيش أحلاما وردية في خياله المريض. لكن الشعب سرعان ما استيقظ ليجد نفسه يعيش وضعا مأزوما، ومفاجئا لم يكن في الحسبان، وقد حاول أن يتكيف مع هذا الوضع. لكن الصدمة كانت عنيفة بما أن كل الشعارات التي نادت بها النخبة القيادية عقب الحصول على الاستقلال قد فقدت شرعيتها، وألغيت مصداقيتها، وأصبحت حبرا على ورق، الشيء الذي جعل الفرد البسيط كمن يعيش حالة في حالتين. لذا حاول الروائي أن يأتي بكلمة جديدة، تناسب هذه المرحلة الحساسة، وكأنه بهذا يريد أن يقول لنا، بأن لكل فترة مفاهيمها ومصطلحاتها الخاصة بها، الشيء الذي جعله يقول على لسان بطله معرفا السبهللة: "تسمية من عندي لحالة صوفية كاذبة، تجعل الدجال يذهل عن نفسه وعن ربه، فلا هو بالنائم ولا هو باليقظ" (21)، وهو نفس واقع الذهول و التيهان ذاته في هذه السداسية الحمراء، وبذلك غرق الماضي في الضباب، كما غرق الحاضر في الضباب، ماضي الدماء في حروب الردة، وحروب الخوارج، وحاضر الدماء أيضا، وإن ثنائية الماضي والحاضر من أهم الثنائيات الضدية عند "الطاهر وطار".

أما اللوحة الرابعة فتحمل عنوان "في البداية كان الإقلاع"، وتعتبر من أطول اللوحات إذ إنها احتلت 43 صفحة كاملة، ولعل ذلك راجع إلى أهمية المواضيع التي تطرحها، والتي من بينها التعرض لحادثة واقعية وجد "الولي الطاهر" نفسه طرفا مشاركا فيها رفقة أشخاص "يمارسون أعمال التقتيل بالكلاشينكوف والفؤوس والذبح والسبي والاغتصاب في حق مواطني حي الرايس الذي شهد مجزرة في صائفة 1997" (22). وحتى الرموز الوطنية كالمجاهدين وأبناء الشهداء لم يستثنوا من هذه المهمة الوحشية، ناهيك عن الرضع والشيوخ والعجزة والنساء الذين أقحموا في هذه المجزرة الرهيبة.

كما عرج أيضا على الحياة النفسية المضطربة لبعض الشباب الجزائري، متخذا في ذلك نموذجا حيا وهو "عيسى لحليح"، أستاذ جامعي "أجبر على هجر مدرج الدراسة بجامعة قسنطينة ترك طلبته وطالباته والقلم والقرطاس" (23)، هاربا بروحه إلى قمم جبال بني عامر وجبال البابور.

أما اللوحات (5، 6، 7) فقد كانت من أقصر اللوحات إذ ما قورنت باللوحات السابقة، كما أنها تحتوي على مقاطع كثيرة مكررة كلف الروائي كلفا شديدا بترديدها حتى إنها كادت تصبح بمثابة لازمات. وقد اعتبرت هذه اللوحات الثلاث بمثابة نهايات، مما يعطي نوعا من الديمومة والاستمرارية للحــدث.

أما "هبوط اضطراري" آخر اللوحات، فهي بمثابة خاتمة احتلت صفحة واحدة فقط، فضل أن ينهيها بحادثة طبيعية، وهي حالة الكسوف التي تعتبر آخر حدث مميز في نهاية القرن العشرين، ليضفي بذلك على أحداث روايته نوعا من الواقعية. ولعله يود بذلك أن يجلب انتباهنا إلى أننا سنطوي قرنا ماضيا، وندخل قرنا جديدا، استقبلناه بحالة كسوف، يأمل من خلالها أن تكون نقطة انعطاف لتغيير مسار ووجهة التاريخ الجزائري، والدولي عموما. بمعنى آخر هي وداع وفراق لتلك الفترة السوداء، التي أغرقت كل شيء في الظلام والضباب والبلبلة... لنستقبل مرحلة جديدة، هي عبارة عن محطة لإقلاع وسفر جديد.

لذلك فلا عجب أن تكون إشكالية "الولي الطاهر"، هي البحث المتواصل بطريقة تذكرنا بأبطال الملاحم اليونانية، ولكنه – للأسف – لم يصل إلى ضالته المنشودة ومبتغاه، بل غرق في متاهات التاريخ العربي الإسلامي، لتلفظه إحداها من المشرق إلى المغرب العربي، فيجد نفسه مضطرا لاحتلال موقع في هذا الفيف المترامي الأطراف، لمعايشة هذا الحاضر الضبابي الذي حاول الهروب منه، ولكنه عاد إليه، وبدون أي حل إيجابي أو سلبي، بل كانت النهاية مفتوحة، وبنفس المقاطع التي ابتدأت بها الرواية، مع إصرار عجيب على ترديد آيات من سورة "الأعلى" على مدار الرواية، حتى أنها كانت آخر ما تلفظ به الولي، وكأنه بذلك يريد أن يحذرنا من تكرار تلك الحوادث الأليمة التي شوهت تاريخنا، وكانت مصدر نقمة علينا وعلى وحدة الأمة العربية، إلا أننا نحس بأن هناك شعاعا من الأمل لا يزال يلوح في الأفق، فقد اختار المؤلف شهر أوت كنهاية للأحداث، والذي له علاقة وطيدة بتاريخ الثورة الجزائرية، إذ إن أغلب الأحداث الهامة والتي كان لها كبير الأثر في زعزعة المستعمر الفرنسي قد تمت في هذا الشهر، وكأنه بذلك يتبرك ويتفاءل بشهر أوت، آملا أن نبدأ صفحة جديدة نتصالح فيها مع ذواتنا ومع الآخرين.

خاتمة:

مما سبق ذكره ، نخلص إلى أن عملية العنونة عند هذا الروائي الجزائري، ليست اعتباطية بل هي قصديه واعية ، تخضع لاستراتجية معينة، قوامها البحث عن التجديد، سواء في الشكل أو المضمون، فرغم أن العناوين – بصفة عامة – تصنف ضمن خارجيات النص أو ما اصطلح عليه بالعتبات (Seuils)، إلا أن "الطاهر وطار" أبدى عناية في اختيار عنوان روايته، إذ شحنه بجملة من المعاني والدلالات والإيحاءات، جعلت منه – بالفعل – مؤشرا خارجيا أوليا ومفتاحا حقيقيا معلنا عن هوية نصه، إضافة إلى ذلك فقد جعله يستفز حاسة الإبصار (نوعية الخط الذي كتب به، حجمه، الألوان المستخدمة).

كما نلاحظ أيضا أن المؤلف، غير المخطط المعماري لروايته، إذ استغنى في هاته الرواية الوطارية (نسبة إلى الطاهر وطار) عن نظام الفصول، وعوضه بنظام اللوحات أو المشاهد، التي يحمل كل منها عنوانا مختلفا عن الآخر، إلا أنها تتكامل فيما بينها، وتعزز العنوان الخارجي في الوقت نفسه.

الهوامش:

(1) د. جميل حمداوي: "السيميوطيقا والعنونة"، عالم الفكر، الكويت، مج25، ع23، يناير/ مارس 97، ص90.

(2) الطاهر رواينيه: "الفضاء الروائي في الجازية والدراويش لعبد الحميد بن هدوقة- دراسة في المبنى والمعنى"، المساءلة، ع1، ربيع 1991، ص15.

(3) ابن منظور: لسان العرب، م15، دار صادر، بيروت، ط1، 1992، ص106.

(4) د. سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء، المغرب، 1984، ص89.

(5) دليلة مرسلي وآخرون: مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص، دار الحداثة، بيروت، 1985، ص44.

(6) د. عبد الله الغذامي : الخطيئة والتكفير، منشورات النادي الثقافي، جدة، السعودية، ط1، 1985، ص263.

(7) ابن منظور: لسان العرب، ص406.

(Cool سورة التوبة/ 71.

(9) د. سعاد الحكيم: المعجم الصوفي (الحكمة في حدود الكلمة)، دندرة، بيروت، ط1، 1981، ص1231.

(10) علي بن هادية وآخرون: القاموس الجديد للطلاب، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط7، 1991، ص1346.

(11) سمير قسيمي: "اتحاد الكتاب يكرم الطاهر وطار"، الأحرار، ع492، 9 أكتوبر 1999.

(12) د. محمد رواس قلعه جي و د. حامد صادق قيبي: معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، ط1، 1985، ص466.

(٭) أثينا: إلهة الذكاء والحكمة عند اليونان.

(13) قادة بوتارن: الأمثال الشعبية الجزائرية، تر: عبد الرحمن حاج صالح، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص44.

(14) د. سعاد الحكيم: المعجم الصوفي، ص932.

(15) د. موسى بن زيد الكيلاني: الحركات الإسلامية دراسة وتقييم، مؤسسة الإسراء، قسنطينة، ص138.

(16) الطاهر وطار: الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، الجاحظية، الجزائر، ، 1999 ، ص90.

(17) ديداني أرزقي: "الواقع والدلالة في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"، اليوم، 6 جوان 2000، ص21.

(18) بختي بن عودة: "قراءة غير بريئة في التبيين: من بلاغة العنوان إلى تواضع التأسيس"، التبيين، ع09، 1995، ص11.

(19) عبد الحميد بورايو: منطق السرد (دراسات في القصة الجزائرية الحديثة)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994، ص142.

(20) الخليل بن أحمد الفراهيدي: العين، ج4، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار الرشيد، العراق، 1982، ص122.

(21) الرواية، ص81.

(22) خليفة قرطبي: "الطاهر وطار يكتب ملحمة، مفارقات الوعي والتاريخ"، الخبر، الأحد 19 مارس 2000، ص21.

(23) الرواية، ص138.

نعيمة فرطاس:

أستاذة في قسم الأدب العربي، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية

جامعة محمد خيضر- بسكرة / الجزائر

http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=2811


***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى