يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 10868
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

كيف يكتسب الأطفال اللغة

في 2010-08-23, 00:54

كيف يكتسب الأطفال اللغة ؟
كيف تكون حياة الإنسان بغير لغة ؟ سؤال غير مطروح ! ليس لأن السؤال لا جواب له , إنما ببساطة شديدة لأنه يصعب تصور حياة الإنسان بغير اللغة إن لم يكن ذلك مستحيلا تماما . ففضلا عن أن اللغة هي وسيلة التواصل بين ولد آدم , فإنها أداة العقل في التفكير . أي أن اللغة هي الأصل في كل ما أبدع عقل الإنسان وما ابتكر خياله وما صنعت يداه !
هذا الدور الرئيسي الذي تلعبه اللغة في حياة الإنسان دفع كثيرا من الدارسين في حقول علم اللغة وعلم السلوك وعلم النفس وطب الأطفال وعلم الفسيولوجيا (وظائف الأعضاء) إلى النظر إلى كيفية اكتساب اللغة عند الأطفال , والعوامل المسؤولة عن ذلك , والعلاقة المتبادلة بين اكتساب اللغة ونمو الأطفال , العقلي .
نظرا لما في هذا الموضوع من طرافة علمية فإننا ننظر في السطور التالية إلى ما جناه الباحثون في محاولة فهم ظاهرة اكتساب اللغة
مهارة معقدة
القدرة على الكلام واحدة من أكثر مهارات الإنسان تعقيدا . ويلزم لاكتساب المهارة مخ سليم, وحاسة سمع سليمة , وسلامة أجهزة إصدار الصوت , ووسط اجتماعي يلتقط منه الصغير اللغة .
عند الميلاد , يكون الجهاز العصبي للطفل تام النمو , بمعنى أن عدد الخلايا التي يتكون منها الجهاز العصبي - بما في ذلك المخ - تكون كاملة . والمقصود بكلمة ((نمو)) بعد ميلاد الطفل فيما يتعلق بالجهاز العصبي هو نشأة ارتباطات واتصالات بين الخلايا العصبية في المناطق المختلفة من المخ والجهاز العصبي , لذا فقد تكون كلمة ((تطور)) أدق في الدلالة من كلمة نمو .
وعلى ذلك فإن المخ الذي يكون تام النمو عند الميلاد يأخذ في التطور مع التقدم في عمر الوليد . فتطور المخ ضرورة لازمة لتمكين الصغير من اكتساب اللغة إذ تنشأ في المخ بمرور الوقت ارتباطات متزايدة بين منطقة الكلام ومنطقة السمع ومنطقة الإبصار . فضلا عن وجود ارتباطات بين منطقة الكلام ومنطقة العاطفة ومراكز التفكير ومنطقة الحركة , والمنطقة التي يعتقد أنها مركز الذاكرة .
وليس من قبيل المصادفة أن تكون منطقة الكلام في المخ مجاورة لمنطقة السمع . فالسمع يأتي في المقام الثاني بعد المخ من حيث تمكين الصغير من اكتساب اللغة وعلى النقيض تماما من الظن الشائع بأن الوليد لا يسمع فإن حاسة السمع عن الوليد تكون في درجة من النمو والتطور بحيث يستطيع المولود تمييز الأصوات – وليث سماعها فحسب ! ومن النتائج التي كشف الباحثون عنها أن التحليل البطيء لحركة جسم الوليد أظهر أن حركة الجسم متناغمة مع كلام الأم ! بتعبير اخر ، فإن حاسة السمع عند الوليد تستطيع تمييز نغمات صوت الأم ، إلى الحد الذي يجعل حركة أعضاء جسمه متوافقة مع أصوات أمه !
أما جهاز إصدار الصوت فيتكون من الأحبال الصوتية واللسان والشفتين ومجموعة عضلات الحلق والوجه التي تتحكم فيه حركة هذه الأجزاء . ومنطقة المخ التي تتحكم في الكلام (أي منطقة الكلام ) هي التي تمكن الإنسان من صناعة الأصوات المختلفة التي تتكون منها الحروف والكلمات . ومن خلال شبكة اتصالات معقدة بين منطقة الكلام ومناطق الحركة والعاطفة في المخ , يستطيع إنسان استخدام جهاز اصدار الصوت للكلام ! وجدير بالذكر هنا أن هواء الزفير الذي يخرج من الرئتين يستفاد منه في تحريك الأحبال الصوتية وهذا الأمر يستلزم أن يتناغم التنفس مع حركة الجهاز الصوتي لإصدار الكلام . ويقوم المخ بدور((المايسترو)) الذي يجمع كل هذه الأجزاء في عمل واحد !
وعند توافر المقومات الفيزيائية المختلفة سلفة الذكر يتعين وجود وسط اجتماعي يكتسب الصغير منه اللغة فإذا اجتمعت كل تلك المقومات , يكون الطريق ممهدة لاكتساب اللغة
الأصوات الأولى:
في الشهور الأولى من العمر يمتزج بكاد الوليد وقرقرته بأصوات يتعقد بوادر لحروف . مثال ذلك (واء) و (آآ) (أوه) ! وبحلول الشهر الخامس من العمر يستطيع الوليد إخراج أصوات تصنع حروفا مثل (م) و(ب) و(ن) و(ا) .
وبحلول الشهر السادس من العمر يكون الطفل قادرا على تكون كلمات بسيطة من تلك الحروف لكن العجيب حقا أن أول كلمة ينطق بها الإنسان هي (ماما) ! يعتقد الباحثون أن هذا لا يرجع إلى كون كلمة (ماما) هي الكلمة المستخدمة في كل لغات البشر دلالة على (الأم) , بقدر ما يرجع إلى العلاقة الحميمة بين الطفل وأمه . ولعل في نطق صغير بكلمة (ماما) في أول كلامه إقرارا فطريا بمكانة الأم في نفسه ! وبعد (ماما) تأتي الكلمة الدالة على الأب وهي تختلف اخلافا طفيفا من لغة إلى أخرى ولكنا تتكون حروف بسيطة يسهل إخراجها , ويستدل الباحثون من طق الصغير لكلمة الأب على اخلافها من لغة ؟إلى أخرى على أن اكتساب اللغة ينبني على التواصل الاجتماعي مع الصغير ومما دل على صحة ذلك الاستنتاج أن الأطفال الذين يعانون من حرمان اجتماعي في الشهور الستة الأولى من العمر , تتعسر لغتهم ولا تتطور بالمستوى المتوقع من الأطفال في مثل عمرهم !
وعندما يبلغ الصغير الشهر الثامن أو التاسع من العمر يبدأ في إدراك (ديمومة) الأشياء والأشخاص فقبل ذلك العمر, لا يدرك الصغير أن الشخص أو الشيء الذي يختفي عن ناظريه قد يكون موجودا في مكان آخر إذ لا يتجاوز إدراك الصغير للعالم من حوله قبل شهره الثامن , من العمر , حيز المكان الذي يوجد هو فيه لذلك تجد أن طفل الشهر التاسع ينادي أمه أو أباه بصوت مرتفع , إدراكا منهما موجودان في مكان آخر . وفي هذا العمر كذلك أي حول الشهرين الثامن والتاسع, يكتسب الصغير مهارة التعرف على الأشياء والموقف والشخصيات المألوفة , وربط ذلك بالأصوات والكلمات فقد يرتبط الطعام – مثلا – بكلمة (أم) أو (هم) وقد يرتبط صوت انصفاق باب البيت بموعد رجوع الأب من العمل فيصيح الطفل مناديا أباه عندما يسمع ذلك الصوت , وغير ذلك من الارتباطات .
وببلوغ نهاية العام الأول من العمر يكون الطفل قادرا على نطق بعض الكلمات بنفس الكيفية التي ينطق بها الكبار . إلا أن استخدام الصغير لهذه الكلمات يختلف عن استخدام الكبار لنفس الكلمات من ناحيتين:
فمن ناحية قد يستخدم الصغير كلمة دالة على شيء أو شخص بعينه , للدلالة كذلك على جنس الشيء أو الشخص , مثال ذلك يستخدم مثال (بابا) للدلالة على كل رجل أي على جنس الأب كله ومن ناحية أخرى يرتبط استخدام الصغير للكلمات بالسياق أو الظروف التي اكتسب فيها تلك الكلمات . مثال ذلك اطلاق اسم (قطة) أو (دمية) على قطته أو دميته هو لكن ليس على أي قطة أو دمية أخرى !
ويأتي العام الثاني بطفرة جديدة من اكتساب اللغة , تعتمد أكثر ما تعتمد على التقليد لذلك يحاكي الصغير في عامه الثاني من العمر الأصوات والكلمات التي يسمعها وإن لم يفهم معناها وحتى بدون أن يمون لها أي مدلول نعين عنده , ونظرا لسيادة عملة التقليد في هذه المرحلة من مراحل اكتساب اللغة , فإن العام الثاني من العمر هو وقت اكتساب اللهجة كذلك. وتنشأ اللهجة من نمط النغمات الصوتية التي تعطي للحروف والكلمات أسناء نطقها.
وقد لاحظ الباحثون أن الأطفال في هذه المرحلة أي من العام الثاني من العمر , ينفقون ساعات طويلة كل يوم في الكلام إلى أنفسهم ومن غير المعروف على وجه الدقة ما هو السبب وراء هذا السلوك عند الأطفال على أن بعض الباحثين يعتقد أنه تدريب على الكلام أو تطوير لملكة اللغة !
مهارات اجتماعية :
إلى هنا واضح أن اكتساب اللغة يستلزم – إلى جانب سلامة أجزاء الجسم التي سبق بيانها- تواصلا اجتماعيا مستمرا . فمن دون وجود أشخاص حول الطفل يتكلمون لغة معينة فإن الصغير لن يكتسب لغة ولن يكون قادرا على الكلام وهذا ما حدا كثيرا من الباحثين على وصف القدرة على الكلام بأنها (مهارة اجتماعية) !
ويتضح دور البيئة أو الدور الاجتماعي في عملية اكتساب اللغة من عدة نواحي . ففضلا عن أن كلام الطفل إلى عامه الثاني من العمر يكون تقليدا ومحاكاة لكلام آخر ين حوله , فإنه في حاجة إلى استمرار في التواصل مع الآخرين وإلا فقد ما تعلمه من محاكاة .
دليل ذلك أنه إلى حوالي الشهر الثامن عشر من العمر تظهر كلمات وتختفي أخرى في كلام الصغير بمعنى أن ذاكرته لم تختزن بعد كل الكلمات التي تعلمها بالمحاكاة فإذا حدث وعزل الصغير في ذاك السن فمن الممكن تماما أن يتوقف اكتساب اللغة عند هذا الحد من ناحية كما يمكن أن ينسى الصغير ما تعلم بالمحاكاة , فيفقد القدرة على الكلام من ناحية أخرى .
ودليل آخر على اكتساب اللغة في هذه السن الباكرة من العمر , أن الصغير الذي يعيش في وسط اجتماعي يتكلم لغة معينة ثم ينقل إلى وسط اجتماعي يتكلم لغة مختلفة تماما , فإنه سرعان ما يتحول إلى اكتساب اللغة الجديدة وينسى تماما كل ما تعلمه من قبل عن اللغة الأولى !
وقبل نهاية العام الثاني بقليل يبدأ الطفل في اكتساب المعاني الرمزية للكلمات , إضافة إلى قدرة أكبر على إطلاق الاسم على مسمياته الصحيحة . وفي هذه الفترة من العمر يتضح كذلك ما إذا كانت لغة الطفل تتطور تطورا طبيعيا أم أنها متعسرة ومختلفة في لغة أقرانه .
على أن الأثر الاجتماعي في اكتساب اللغة يبرز بوضوح وجلاء في العام الثالث من العمر . فمن بداية هذا العام تزداد قدرة الصغير على اكتساب كلمات جديدة زيادة ملحوظة . كما أن قدرته على تكوين جمل متفاوتة الطول تتطور مع مرور شهور العام الثالث من العمر , وتكون لغة الطفل في هذا العمر ترجمة مباشرة لبيئته الاجتماعية , فيها تنعكس المعير الأخلاقية والدينية لتلك البيئة , والمستوى الثقافي السائد فيها , وكذا مكانها على السلم الاجتماعي !
وقد لوحظ أن البنات في العام الثلث من العمر يتفوقن على البنين في نفس العمر , من حيث السرعة في النمو وتطور المهارة اللغوية . كما يتعثر التوائم قليلا في تلك السن على أقرانهم ! إلا أن هذه الفروق كانت طفيفة بحيث قد لا يلحظها غير الباحث المتخصص .
ومن الأخطاء الشائعة بن الناس أن تعليم الصغير أكثر من لغة في سنوات عمره الأولى يودي إلى ارباكه , وإلى تأخير اكتسابه القدرة على الكلام . وقد درس الباحثون فيما درسوا هذا الأمر , فوجود أن تعليم الصغير أكثر من لغة , في وقت واحد لا يؤدي إلى ضرر من أي نوع , بل قد يكون مستحبا . ذلك أن قدرة الطفل على محاكاة النغمات الصوتية اللازمة لإخراج كلمات أي لغة تكون في أوجها في العام الثاني من العمر .
وحول نهاية العام الثالث من العمر , يتمكن الصغير من قواعد اللغة , فيعرف الفرق بين صيغتي الجمع والمفرد , وكذا الفرق بين صيغتي المؤنث والمذكر (في اللغات التي تفرق بينها- كما في العربية والفرنسية وليس في الانجليزية ) . كما يميز الصغير بين صيغة المخاطب والغائب , والصيغ الزمنية المختلفة ! وعجيب حقا أن تستوعب مدارك الصغير ببساطة شديدة ذلك الحشد في القواعد الذي يعيي الكبار بدرسه وحفظه ! وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن صعوبة الملصقة بقواعد اللغة هي صعوبة وهمية لا أساس لها من الواقع !
النمو العقلي
الثابت من البحث أن اكتساب اللغة مرتبط بتطور المخ وبنو المدارك العقلية . ذلك أن الطفل المتخلف عقليا – نتيجة عيب خلقي أو مرض أو حادثة أو غير ذلك – لا يتمكن من اكتساب اللغة على قدم المساواة مع الطفل غير المتخلف عقليا .
والجديد الذي أمكن إضافته , هو أن النمو العقلي مرتبط كذلك باكتساب اللغة ! وقد اتضح ذلك في دراسات عدة حالات لم يمكن اكساب اللغة فيها بسب ضعف أو فقدان حاسة السمع , أو بسبب العزلة الاجتماعية .
فقد قورنت المدارك العقلية لطفلة في الثالث من عمرها مصابة بالصمم مع أقران لها في نفس العمر , فاتضح من المقارنة أن (العمر الذهني ) .. للطفلة لا يتجاوز ستة شهور !
ويجب الإشارة هنا إلى أن الطفل الأصم يعتمد على حيل عقلية للتواصل مع الآخرين ولفهم ما يجري في البيئة من حوله , مما قد يعوضه من حاسة السمع من ناحية ومما يجعل اكتشاف صممه في وقت مبكر أمرا صعبا من ناحية أخرى . من تلك الحيل قراءة حركة الشفتين , وتكوين ارتباطات بصرية بين لغة الشفاه ومدلولاتها في البيئة . بتعبير آخر فإن الصغير يمكن أن يفهم ما يقال له مثل : تناول كوب الحليب , من حركة الشفاه مقرونة بالصورة العامة للموقف . وقد يعتقد الوالدان أن صغيرهما متأخر في العمر ليس إلا, دون أن يذهب تفكيرهما إلى أنه لا يمع الأصوات أصلا , ومع تجاوز العام الثاني من العمر , وظهور تخلف ملكات الصغير العقلية على أقرانه , تثور الشكوك على الوالدين فتدفعهما إلى كلب مشورة طبية . ووقتها يكتشف أن الصغير أصم !
وعلى الرغم من أن العلاج قد يسعف في هذه الحالة وينقذ الصغير من بلاهة محققة , إلا أن الأفضل محاولة اكتشاف أي خلل وظيفي في الجهاز السمعي للطفل منذ الأيام الأولى بعد ميلاده .
وسبب التخلف العقلي عن الطفل الأصم أن الملكات العقلية مبنية على اللغة . فإذا غابة اللغة لم يقم البناء وإذا لم يعالج الصمم في وقت مبكر من لعمر – حيثما كان علاجه ممكنا – فإن الطفل الأصم سيكبر ليصبح أبكم كذلك حتى وإن كان جهازه الصوتي سليما تماما ذلك أن الأصوات تصدرها حنجرة الصغير بما في ذلك الأصوات التي تكون الحروف والكلمات , ليست إلا محاكاة لما يسمع . فإذا كان لا يسمع فليس هناك ما يحاكيه !
وتنمو اللغة وتتطور مع نمو تطور المدارك العقلية كلما كبر الطفل . ومع التقدم في السن , يصبح النطق أكثر وضوحا . أما سلامة المعنى وجمال التعبير وحسن الأداء فهي مهارات إضافية يكتسيها الإنسان بالعلم والتدريب . وعلى ذلك فإن اكتساب اللغة مهارات اجتماعية , تقوم على جهاز جسماني سليم , ويصقلها العلم ويرتقي بها المران .
مجلة العربي العلمي – العدد 616 , مارس 2010 , الكويت , عبد الرحمن عبد اللطيف النمر .

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى