يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
بدون اسم
باحث جديد
باحث جديد
الدولة الدولة : حلب
الهوايات : طالب
المزاج : القراءة
عدد المساهمات : 3
نقاط : 8434
تاريخ التسجيل : 08/02/2010

بحث "النزعة الصوفية في شعر لسان الدين بن الخطيب"

في 2010-02-15, 00:58

النزعة الصوفية في شعر لسان الدين بن الخطيب




بقلم : محمد رستم بن عبد الهادي

18-10-2009



نبذة عن حياة الشاعر وبدايات التصوف عنده :

في مدينة "لوشة" الراقدة على ضفاف نهر "شنيل" ولد أبو عبد الله محمد بن عبد الله السلماني , الملقب : بلسان الدين , سنة 713هـ , وربما كانت أضيق من أن تتسع لطموحه , فقد يمم وجهه شطر غرناطة منذ حداثته , ويمكن اعتبار سنة 749هـ بداية تألق نجمه شاعرا وكاتبا ووزيرا . تولى الوزارة في عهد السلطان أبي الحجاج يوسف , وظل ... في غواية السلطان ونعيمه إلى أن أفاق ذات يوم من عام 760هـ وأبصر نفسه وقد فقد منصبه ونفوذه وملكه , إثر انقلاب الأمير إسماعيل على مولاه الغني بالله , فأبصر نفسه فجأة لاجئا مع سلطانه في المغرب , ولقد كان لهذه النكبة رجع عميق في نفسه جعله يشعر ببطلان متاع الحياة وينزع إلى الزهد في بريق السلطة الخادعة مؤثرا الخلوة إلى نفسه ثم راح يطوف في أرجاء المغرب متطارحا على قبور الأولياء فيها , ثم استقر ببلدة "سلا" للخلوة والتعبد .

ولكن السلطان مالبث أن استعاد ملكه وعاد إلى الأندلس وأجبره على الرجوع معه , وفي الأندلس وجد لسان الدين نفسه غريبا على الرغم من انغماسه في أبهة السلطان , فقد بدأ يلوح عليه شيء من الكآبة , وشيء من النزوع إلى الزهد , ويبدو أنه منذ ذلك الوقت بدأ شعوره الصوف الذي ظهرت معالمه الأولى أثناء مقامه بـ "سلا" يتعاظم تحت وطأة التمزق النفسي بين ما هو مضطر إليه من زيف السلطة وماهو راغب فيه من خلوة الروح (1)

ولكن , هل يعني ذلك أن لسان الدين قد أصبح فيما بعد حقا شاعرا صوفيا ؟

لم يكن ابن الخطيب متصوفا فضلا عن أن يكون متصوفا فلسفيا , كما حاول ابن زمرك أن ينعته بذلك كذبا عليه وافتراء , إنما كان كاتبا موسوعيا , كما تشهد بذلك مصنفاته الكثيرة , وقد كتب كتابه " روضة التعرف " لشيوع الصوف في زمنه بالأندلس , وخاصة بالمغرب , ولو كان متصوفا حقا لهجر الدنيا وعاش في زاوية , أو ضرب في الأرض ناسكا مثل ابن عربي وابن سبعين , والشنتري , ولا نخليه من ميول إلى الزهد والتصوف كما تدل أشعاره . ولكن , هذا شيء والتصوف شيء آخر ..(2)



ويمكننا القول بأن ما قد نجده في شعره من نزوع ديني أو أثر صوفي روحي , قد يكون من قبيل المعادل الموضوعي لحالة الصرع النفسي التي دارت بداخله , ذلك الصراع بين العودة والاعودة . وإن يكن قد أجبر على العودة جسدا , فقد ظل متعلقا بتلك الخلوة والنزوع روحا , وهذا انعكس بالتالي على شعره الذي سندرس نماذجا منه الآن .



الغزل :

وفيه نلمح أصداء الروح تتردد في كل بيت منه , وربما كان ذلك لأن الغزل هو أقرب فنوفن الشعر إلى التصوف إذا سلمنا أن الحب هو القاسم المشترك بين الغزل البشري والحب الإلهي , ولكن النزعة الصوفية في غزله لسيت ارتقاء بذلك الغزل إلى عالم الروح عن طريق الرمز , وليست كذلك غزلا روحيا دائما , إنما هي صورة من صور الميل الديني الذي ماز حياة لسان الدين ومشاعره فلم يتنفك غزله عن إشارة أو معنى ديني . ذلك لأنه ينبجس من وجدانه الصوفي ذاته , ولا ريب أن الخيال النسوي هو إحد تلك الصور وأقربها إلى قلب الإنسان , ونستعرض فيما يلي بعض من غزلياته , كقوله :

بــأبـي بـــدر غــزانـي مستبيحا شرح صدري
فــأنــا الـيــوم شـيــد الحب من غزوة بدر(3)


فقد فتن الشاعر بجمال وجه تلك الحسناء فلم يتبادر إلى ذهنه سوى ذكرى موقعة بدر العظيمة التي نصر فيها الرسول e بفضل الله , وذلك انسجاما مع نزوعه الديني أو الصوفي . ومضى غزله أبعد من ذلك فرأى في وجه أخرى صورة جنة عدن , فقال :

أصبح الخـد منـك جنـة عـدن مجتلى أعين وشمِّ أنفِ
ظللتـهُ مـن الجفـون سـيـوف جنة الخلد تحت ظل السيوف(4)

ويقول في أخرى :


جـاء الغـدار بظل غير ممـدود فمنهى الحسن من غير محدود
ناديـت قلبي إذ لاحـت طلائعـه يا صبر أيوب هذا درع داود(5)


فقد روع الحسن غير المحدود شاعرنا في هذه الأبيات فأراد أن يتذرع فلم يجد سوى صبر أيوب ودرعه ذرعا , ونلحظ في الملمح هذا بعض آثار نزوعه تترد في أوصاف الحسن , فالحسن عنده -فيما مضى- لا نهاية له كما أن الجمال الإلهي لا نهاية له .

ومضى أبعد من ذلك فمزج بين الحب والدين مزجا قد يصل حد المغالاة بعض الأحيان , فإذا أضناه جوى البعد وألم الفراق شعر أن ذلك نوع من الجهاد نادى ربه وتضرع إليه لتقريب ساعة اللقاء , كقوله :

ألا في سبيـل اللَّـه قلـب مقلّـَب على البعد لا يخلو من الوجد باله
عسى الله يُرني ساعة الفـرج التي بها يتسرى عن فؤادي خباله(6)


يا ترى , هل كان لسان الدين عذريا ؟ ولماذا لا نفسر النفحة الينية الكامنة في غزله تفسيرا عذريا ؟

لا ريب أن مما يعضد النزعة الصوفية في غزله خلوه من المادية الشهوانية التي ترى في محاسن الجسد , وكان يتأوه في ليالي سهره الطويل مكحلا جفن الخيال بطيف المحبوبة التي هجرته وحيدا مع أشجانه يناجي النجم ويشكها إليه حتى يتبرم النجم بشكواه , وفجأة يتبين لنا أنه هو الذي هجرها ثم انطوى على نفسه وخلا بطيفها يستلهم فيه سلوى أحزانه :



زارت ونجم الدجى يشكو من الأرق والزهر ساعة في لجَّة الأفق
والليل في روعة الإصباح في دهش قد شاب مفرقه من شدة الفرق
قالت تناسيت عهـدا كبِّ قلـت لها لا والذي خلق الإنسان من علق
ما كان قط تنـاسي العهد من شيمي ولا السُّلُوًّ عن الأحباب من خلقي
كم ليلة بتهـا والطيـف يشهـد لي لم تطعم النوم أجفاني ولم تذق
أشكـو إلى النجـم وهناً ما أكابـده.حتى شكا النجم من وجدي ومن قلقي(7)






اللهو:

لم يكن للسان الدين شعر لهو بالمعنى الذي يفهم من الكلمة بل يبدو أنه افتعل هذا الشعر لمجاورة أقرانه وإظهار تضلعه في شتى الفنون الشعرية , نمضي في عدة قصائد يتحدث ويصف مجالس اللهو دون أن يكون ثمة صلة بينها وبين النمط الذي سار عليه في حياته , فانغماسه في حياة الترف والسلطان لا تقتضي بالضرورة الخوض في مجالس اللهو على نحو ما وصف في قصائده . ومن ذلك قوله :

وديـر أنخنـا في قرارتـه العيسا بحلة رهبان إلهُمُ عيسى
زلقنـا بهـم بعـد الشي فهيمنـوا كأنا ذعرنا غابة فيه أو خيا
فقلنا هواء الشـام غـال نفوسنـا فهل لك في شيء ينفس تنفيسا

فقال أ خمر وهي شـيء محـرم؟ عليكم لبئس المسلمون إذاً بيسا
فقلنـا دع الإنكـار إنَّا عصـابـة يطيعون فيما تشتهي النفس إبليسا(


فهو يصف هنا من خلال الحوار ما جرى معه وصحبه عندما قصدوا ليلا ديرا يريدون الخمر وكيف أن ذلك الراهب قد أنكر عليهم رغبتهم في الخمر المحرمة , وكيف أصابه جوابا ماضيا يؤكد فيه خضوعه لشهواته مما جعل الراهب يسرع في تلبية رغباتهم .

ويمكننا تفسير ما سبق بأنه من قبيل اللهو الشعري وذلك لعدة أسباب منها أن الأندلس كانت في تلك الفترة مشغولة بحروب الاسترداد , فلا وجود لمثل تلك الأديرة في تلك الفترة , وما شاعرنا من أولئك الذين يقصدون الدير ليختلسوا من جرعة محرمة



وننتقل إلى مجلس آخر من مجالس أنسه التي راح يصفها , فقال في لإحداها :

وكعبة روض زارها القطر والتقت بميقاتها جوَّابة الغرب والشرق
حللـت بها والورود هـديٌ مقرب فما كان إلا أن نحرت بها زقي
وسيلتها حمراء مما تطاول عمرها ومما محت أعضـاءها حميـة الدق
حيـيـت
أكواسي
بهـا فكـأنهـا جسوم تشف الروح في بدأة الخلق
تخـال بها إلا بريـق عند سجوده ...إماما يطيل المكث في أحرف الحلق(9)



فهو يصف لنا روضا بهيجا ويدعو إلى تناول الخمر التي تتراءى خلل الكأس كما تتراءى الروح خلل الجسد في بدء الخلق , ثم يأتي بصور نادرة يصور فيها تدفق الخمر في الإبريق ويشبهه بتردد حروف الحلق في جوف الإمام .



وننتقل الآن إلى شعره في الوصف .

الوصف:

وفيه نرى أن الوصف لم يكن غرضا من أغراضه الشعرية وإنما كان مبثوثا في ثنايا قصائده لجزء من أسلوبه الفني . وإذا كانت النزعة الصوفية قد تجلت في شعر الغزل واللهو عنده فمن الطبيعي أن تبرز في شعره الوصفي , فكان مغرما بالصورة الدينية التي يؤلفها خياله الشعري النابع من روحه الصوفية فجاء وصفه حافلا بصور التعبد والركوع والسجود , والمحراب والحجيج والحجاز . فوصف طيقان الماء وفيها إناء الشرب يذكِّر شاعرنا بصورة المحراب المنطوي على عابد يناجي ربه بخشوع .

فقت الحسـان بحلتـي وبتـاجـي فهوت إلي الشهب في الأبرج
يـبـدو إنـاء المـاء فيَّ لعـابـد في قبلة المحراب قام يناجي(10)
وإذا أبصر الغصن وتأمله في صفاء روحي صوفي فسيراه عابدا ناسك يجد ويركع خشوعا لله :


وتخـال غصـن البـان فيـه عابدا ما إن يريم ركوعه وسجوده (11)


أما الطبيعة وما فيها من مظاهر جمال مبثوثة تأخذه وتنقله على جناح التقوى لتذكره بما في الجنة من نعيم :

ومـن سـررٍ مـرفوعـة وأرائك كما رقمت أيدي الغمام صبا نجد
ويـذكـر مـرآها قلوب
أولى النهر بما وعد الأبرار في جنة الخلد(12)




ولم تقتصر الصورة الدينية على الصلاة ومناسكها وعلى الطبيعة ومظاهرها , فللحج ومناسكه منا نصيب وافر أيضا , وقد يكون للحج في نفس الشاعر دلالة خاصة , ذلك أنه كان في شوق كبير للقيام به , ويبدو أن هذا الشوق الذي لم يترجم في الواقع تحقق عبر خياله الشعري , فراح يصور لنا في شعره بعض مناسكه ومنها رمي الحجار, وذلك في قوله :

خليلـي إن اشتقـتـنـي مــرة تشوقك القلب مرارا
وأحللتنــي لـلأمـان حـمـى رميت بها من فؤادي الحجارا(13)


ومن شعائر الحج التي راح يصورها في شعره أيضا تفرق الحجاج في ليلة النفر , وذلك عندما أبصر القوم في الحي وقد تفرقوا يريدون الظعن والرعي كما في قوله :

أدارهـم بيـن الأجـارع فالسـدر سقتك الغوادي كل منسكب القطر
أجيبي تجافت عن رُيـاك الـردي لا نضبت أفواه موردك الغمر
متى ظعن الحي الجميع وأصبحوا كما افترق الحجاج في ليلة النفر(14)



فقد أفعمت النزعة الصوفية في شعره بصورة دينية خاصة جعل منها قالبا أدبيا يصب.



الحكمة:

وهي في شعره خطرات مبعثها التأمل في حروف الحياة وتقلبات الأيام التي عاشها في حياته , ويبدو أن لتجربته المريرة في السلطة أثر بالغ في نزوعه الصوفي الظاهر في شعر الحكمة عنده , فقد أبصر عن كثب ما تنطوي عليه الحياة من صنوف الخداع , فراح يبصر الناس ببهارجها الزائفة وشهواتها الزائلة , فغدا في كثر من أشعاره واعظا يرشد الناس إلى ما اطمأن به من حقائق .

أما شعره الحكمي فقد انطوى على حزن عميق وتشاؤم كبير يمكننا تلمسه في نحو قوله :

خـذ مـن زمـانـك مـا تيسـر واترك بجهدك ما تعسر
ولــرب مُـجـمــل حــال رضى به ما لم يفسر
والـدهـر لـيــس بــدائــم لا بد أن
سيوء
إن سر
واكـتـم حـديـثـك جـاهــدا شمِت المحدث أو تحسر
والـنـاس آنـيـة الـزجــاج إذا اعترت به تكسر
وإذا امــرؤ خـســـر الإلـ ـه فليس فيه أخسر



فهو هنا يرى أن الدهر متقلب لا أمان له وأنه يأخذ منا أكثر مما يعطينا , وما على الناس إلا أن يرضى بما قسم له في هذه الحياة المتقلبة بين عسر ويسر , وأن يتجنب بتقواه وعزلته عتارة بالناس , والناس أوان زجاجية هشة لا تلبث أن تتكسر.



الخاتمة:

يمكننا القول أن لسان الدين قد عبر في شعره عن جانب من نزوع ديني أو صوفي استقرفي قلبه وملك وجدانه وظهر جليا في شتى أغراض شعره , وإن لم يظهر واضحا في نمط حياته وسلوكه ولكن ذلك لا يعني أنه كان شاعرا صوفيا صرفا , بل إن ما رأيناه في شعره من خطرات الصوفية قد تكون بدايات تصوف لم يكتمل , وإن كان قد عاش بعض تفاصيله . وقد يكون ذلك من قبيل المعادل الموضوعي لما عانه في حياته من نكباته وأزمات متلاحقة رأى سلوة تكمن في هذا النزوع وهذا التعبير .











الإحالات :


(1) انظر , عصام قصبجي , لسان الدين ابن الخطيب , صفحات رقم "9-10-11-12"

(2) شوقي ضيف , عصر الدول والإمارات (الأندلس) ص419

(3) المقري التلمساني , نفح الطيب ج7 ص180

(4) نفس المصدر ج7 ص181

(5) نفس المصدر ج7 ص

(6) لسان الدين بن الخطيب , الصيب والجهام , والماضي والكهام ص572-574.

(7) نفس المصدر ص 634-635

( نفس المصدر ص 648

(9) نفس المصدر ص 605

(10) نفس المصدر ص 347

(11) نفس المصدر ص 420

(12) نفس المصدر ص 426

(13) نفس المصدر ص 421

(14) نفس المصدر ص 409

(15) (3) المقري التلمساني , نفح الطيب ج7 ص 130









المصادر والمراجع


1- أحمد بن محمد المقري التلمساني , نفح الطيب , تحقيق : د. إحسان عباس , دارصادر , بيروت , لبنان .

2- د. شوقي ضيف , عصر الدول والإمارات (الأندلس) , منشورات جامعة حلب 2001م .

3- د. عصام قصبجي , لسان الدين ابن الخطيب حياته وفكره وشعره , منشورات جامعة حلب . 1983م .
لسان الدين ابن الخطيب , الصيب والجهام والماضي والكهام , تحقيق , د. محمد الشريف قاهر , الجزائر , 1973 .
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى