يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 9773
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

عشق بين غربتين

في 2011-09-27, 22:55
عشق بين غربتين
في مدينة إزرع من محافظة درعا جندي في العشرين من عمره يحمل هموم الجيش وما كلف به من أمانة على مستودعات الأسلحة . كان في رتبة رقيب ، مجد حصل على ترتيب أول في أحد المسابقات نال عليها جائزة وإجازة، دقيق التصويب في راجمته ، رقيب بهيأ ضابط أثناء الجد، وجندي بسيط أثناء الهرج والمرج .
اعتاد أن يخرج في بعض الأيام لشراء بعض الحاجيات والأطعمة من الدكان القريب من تلك القطعة التي كان يقطنها ، في تلك الأثناء أخذت علاقته تتطور وتتعاظم بينه وبين أبناء الحجة أم فادي صاحبة الدكان وراحت تتحول من علاقة بين جندي وبائع إلى علاقة صديق وأصدقاء ، بدأ عبد العزيز يشعر بذهاب همه من مفارقة الأهل في حلب ويتحول شيئا فشيئا إلى ألفة لا يريد فصامها بينه وبين هذه العائلة .
وحتى عندما كان يعود إلى حلب يبقى له شغل هناك يدور في ثنايا رأسه يحثه إلى العودة إلى إزرع وإيقاف أيام إجازته .
إنها روعة بنت أم فادي . ذات الخلق والجمال. التي سلبت قلبه منذ أول لحظة.
تلك اللحظة التي وقعت عندما دخلت بشكل مفاجئ، مرعبة تنادي ، أمي أمي تعالي بسرعة وانظري إلى ابن أخي ، لا أعرف ما الذي حصل له انظري إليه إنه لا يتكلم وقد فقد وعيه، كانت هيئة حسام مرعبة حقا ركض مسراعا إليها وأخذه منها وقال سأسعفه إلى المستشفى ، أوقف السيارة : وعيناه تراقب الطفل .
أرجو ك أسرع لا أعرف ما به،
أخذ السائق مسرعا إلى أقرب مستشفى .
كان موقفه هذا مثيرا للإعجاب لدى روعة وأمها وأبنائها وكان عاملا أساسيا، إضافة إلى ما كان يمتلكه من حنكة في التعامل مع الآخرين وكسب قلوبهم وقد تكونت صلة تواصل بين أمه وأم فادي حيث كان هاتف الدكان أحد السبل الأساسية في الحديث مع الأهل في حلب . وكانت أمه تطلب الشكر والسلام على أم فادي وترسل إليها الهدايا تعبيرا عن الامتنان عن حسن تعاملهم مع عبد العزيز .
وصار دخول روعة متكررا إلى الدكان مرة لإعانة أمها ومرة لطلب شيء أو السؤال عن شيء وفي كل مرة يراها كان يشعر بنبض من نوع آخر يملك عليه كيانه ويحيله إلى إنسان خجل يوشك أن يتلعثم بالكلام إلا أن جرأته وقوة شخصيتها كانت تعيده إلى صفائه ومع بقاء شيء من تشويش الأفكار من جرائها ، ويحاول قدر الإمكان أن يواري هذا الأمر عن ناظرها وناظر الآخرين . إلى أن يخرج من الدكان فتعود الوساوس والأخيلة إلى فكره وذاكرته والتي أوجدت في نفسه شيئا قربه إلى الحب كما اعتقد .
كان قد تعلم في حلب أن ينادي الفتاة الغريبة بأختي والكبيرة بخالة أو حجة .
وهذا المصطلح "أختي" كان يغيظه كل الغيظ حين كان يناديها بأخت روعة وتناديه بأخي عبد العزيز ، كان هذا المصطلح يهذه ألما ولا يستطيع تبديله . إلى أن جاء أحد الأيام وكانت أم فادي خارجة من دكانها وليس فيه إلا روعة التي جاءت فوضعت له الكرسي أمام الباب وصبت له الشاي ثم جلست مناظرة له تحادثه ويحادثها. ولم يكن الأمر مستغربا لأن العلاقة بينه وبين العائلة قد قويت إلى درجة السهرات الطويلة مع أخوتها داخل البيت وخارجه، وإلى درجة أنهم كانوا يرسلون له جميع أشكال الأطعمة التي كانوا يصنعونها خاصة في رمضان .
أصبح في نظرهم واحد من أفراد العائلة وأبصحوا في نظره أهلا وعائلة أخرى يبادلهم كل الاحترام .
في هذه الجلسة أخطأت ونادته بأخي فسكت سكوتا طويلا أثار فيها الريبة والدهشة دعتها للتساؤل بعد أن أبدى ترددا في الحديث قالت ما بك كأني أراك مترددا في الحديث هل تريد أن تقول شيئا . سكت فكر أعاد التفكير ، قال "أريد أن تلغي كلمة أخي عند مناداتي وتنسيها"
جاءتها كلماته كقطر ندى لذيذ وسط عاصفة وصاعقة، ثم أسرعت بالتساؤل بصيغة المفاجأة والاستغراب "ماذا؟" . لا لا شيء . ثم أخذ ما اشتراه وعاد إلى قطعته يلوم نفسه عما بدر منه مما يمكن أن يوصف بخيانة للعهد بينه وبين هذه العائلة التي اتخذته ولدا إضافة إلى أبنائها.
شعرت الفتاة بعزوبة تولدت من كلماته التي لا بد أنها تعبر عن مشاعر دفينة وكبيرة وراءها .
أصبح عبد العزيز يطلب من رفاقه الذاهب إلى الدكان وأن يشتروا له حاجياته ولم يعد يخرج من قطعته إلا بمهمة عسكرية.
وتساؤلات أهل الحجة أم فادي وأبنائها عن غيابه كانت تقض كيانه، فغيابه دام أكثر من خمسة عشر يوما وهو وهي في قلق وترقب للمستقبل .
ثم قرر الخروج فلقيها وأمها في الدكان فقدم طلباته بعد أن سمع عتابهم، فاحتج بالمرض وعدم الارتياح في نفسه . ثم خرجت أم فادي لحاجة لها، فتابعت روعة توضيب الطلبات وهو ساكت وخارج عن طبيعته المتحدثة والمتفاعلة مع الآخرين .
سألته أين ذهب لسانك ما لك صمت ، قال لا يوجد شيء أتحدث عنه ، قالت كنت في آخر مرة تريد الحديث عن شيء ما فما الذي كنت ستقوله . سكت وسكت ، لا لا شيء ،
أكيد .
كان عبد العزيز يخشى دخول أمها أو أحد أخوتها وهو يتحدث عن مشاعره .
قالت كنت تريد أن تلغي كلمة أختي فماذا ستناديني إذن ، قال لا أعرف ، قالت نادني بنت خالتي بنت عمتي أي شيء، وأنا لا تخف سأجد أسلوبا آخر لمناداتك .
قال يا روعة أنا قصدي والله شريف ولا أريد إلا كل خير ، قالت بكل هدوء وفي اتزان تام . يا عبد العزيز أريد أن أقول لك شيئا ، أنت العسكري الوحيد الذي دخل بيتنا، وأنت العسكري الوحيد الذي لقيته في الدكان بمفردي ، وأنت الوحيد يا عبد العزيز الذي جالسته وشربت معه الشاي أمام الناس. برأيك لو لم نكن متأكدين من أخلاقك هل حصل كل هذا .
أخذ عبد العزيز وسط ارتباك شديد بضاعته وراح فرحا مدركا أن مشاعره قد وصلت إليها وأنها تبادله ذات المشاعر .
ثم تكررت الزيارات وصار يناديها باسمها مباشرة وهي كذلك أما بحضور الأخوة والأم فيعود إلى مناداتها بأخت ، إلى أن جاءت أمها ذات يوم تعاتبه ، كيف لا تحدثني أولا بأمرها . وكانت روعة قد أخبرته أنها قد أخبرت أمها بالأمر .
قال يا خالتي : كما تعرفين طيش شباب، وعدم حسن في التدبير، فسامحيني على هذا الأمر.
قالت حسن وسأطلب منك طلبا، وهو ألا تخبر أخوتها، ونحن لن نخبرهم بشيء. لأنهم إن وافقوا فلن تبقى العلاقة بينكم طبيعية .
بقيت العلاقة سرا بين هؤلاء إلى أن حصل على إجازة قام أهله بإخباره فيها أنهم خطبوا له بنت أحد أصدقائهم وينتظرون جوابهم ، فهب غاضبا من عملهم وبأسلوب صارخا .
" كيف تخطبون لي دون أن تسألونني ، من أنا في هذا البيت ... اليوم، والآن، عليكم إخبارهم أنكم لم تعودوا تريدونها وإلا ..."
قال الأب بكل حزم وهدوء " أنا أعطيت كلمة ولن أتراجع عنها إلا إذا رفضوا ".

قال بكل غضب "إذن اخطبها لنفسك ... ؟" وخرج صافقا الباب بشدة .. وهو يعلم أنه تطاول على أبيه وقام بشيء لم يكن لجرأ عليه لولا نبض قلبه في مكان آخر، لولا أنه يخفق بحب لا يعرف مكانا لأي مجاملات .
وبدت الإجازة في عينيه كأسوء أيام خدمته العسكرية .
هذا الأمر أدى به إلى إعادة التفكير بحبه في إزرع وخاصة أن تسريحه قد اقترب ،وقبل أسبوعين من التسريح جاء إلى أم فادي وقال يا خالتي أريد أن أستشيرك .
قالت "تفضل" وهيأت نفسها للاستماع وما سيبدر عنه .
قال : "كما تعلمين أيام وتنتهي عسكريتي، وأنت تعرفين ما لدي من أمر تجاه ابنتكم، وأنا كما تعرفين أيضا من حلب، وابنتك كما أعلم هي وحيدتك ، فهل تستطيعين أن تغربيها كل هذه المسافة من درعا إلى حلب .
و والله يا خالتي إن وافقتم على هذا الأمر فلن أتزوج إلا بها بإذن الله .
قالت: يا بني هذا الأمر يحتاج إلى تفكير طويل بيني وبين روعة وإن شاء الله سنخبرك بقرارنا بعد يومين .
وانتهت المشاورات برفض الأم وابنتها هذه التغريبة ، وأخبرته الأم بذلك وقد ظهرت على عينيها قطرات الدمع على كسر قلبين عاشقين .
أدرك عبد العزيز أن الأمر محسوم إلا أنه أراد الممازحة فقال : يا خالتي نسكنك معنا وإن لم يسعك بيتنا نسكنك في عيوننا .
أدركت الممازحة إلا أنها ردت بجدية قالت المشكلة ليست في مفارقة ابنتي أو مصاحبتها وإنما الغربة قاسية يا عبد العزيز وهنا أهلنا وناسنا ومعاشنا ، وروعة إن لم تكن لك زوجة فهي أغلى منها، إنها ستصبح أختك يا عبد العزيز منذ الآن .
قال : وأعز إن شاء الله .
وخرج متألما من الجواب إلا أنه توقعه وهذا ما خفف من حدته .
حتى كان يوم التسريح فطلب من زملائه المتسرحين معه انتظاره ريثما يودع عائلة الحجة أم فادي .
كانت روعة وأخوها فادي وأمها موجودين في الدكان . وعرفوا من هيأته أنه جاء يودعهم فاحتضنه فادي احتضان الأخ لأخيه وهذا ما ذكره بيوم سفره إلى التجنيد وكيف ودع من قبل أهله بالدموع والأسى على مفارقته خلال أيام خدمته ولا يعرفون أين سيكون وكيف ستكون مهامه .
كانت الدموع على وجوههم ووجهه دليل محبة عميقة بينهم، حقا لقد كانوا أهلا بكل معنى الكلمة ، وفي أثناء وداعه لأم فادي خرج فادي لتلبية نداء أحد الجيران، ثم أشار عبد العزيز مودعا روعة بعجل والدمع على كلا الوجهين طالبا المسامح والستر عما قد رأوه من ذلة أو خطأ أو سهو وقع منه دون أن يدري .
نادته أم فادي قبل خروجه وقد هم إلى ذلك .
عبد العزيز ، هل هكذا تودع أختك .
سكت ودهش .
عبد العزيز ألسنا بمثابة أهلك
بلى .
ألست بمثابة أمك .
بلى
أليست روعة بمثابة أختك .
صمت ، أطال الصمت ، شعر بالحقيبة تحز يده أدرك أنه راحل لا محالة . فقال :
بلى .
قالت إذن ودعها جيدا ، وهيا صافحها .
تذكر أنه لم يصافح غريبة قط .
تردد في الأمر .
فنادته أم فادي أليست أختك .
نظر إليها ثم نظر إلى روعة، مد يده بتردد فصافحها بهدوء، وعندما تحسس يدها شد قبضته وقال خاطرك ، ادعي لنا بالتوفيق .
ثم كرر عبارات الوداع لأم فادي وخرج مسرعا وتبعته روعة وخدها مضمخ بالدموع ثم نادت
" عب، عب، عبد العزيز "
استدار إليها فوجدها تلوح بيدها وهي تقول: "لا تنسانا، لن ننساك ".
تبسم بحزن وأسى واستدار متابعا طريقه وقد لف أصابعه وشد قبضة يده من شدة ألمه متذكرا غربته يوم ودع أهله .
أحمد حسن القدور27_9_2011

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى