يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 10688
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

القيم الثقافية والتنمية البشرية

في 2011-07-20, 14:50
المحتويات


إشكالية الدراسة وهدفها ^


إن وعي الوجود على علاقة جدلية بوعي الذات، ووعي الذات وتحديد أهدافها
في الحياة وسبل تحقيق هذه الأهداف، أصل الإبداع الذي هو أهم عنصر من عناصر
التنمية البشرية، بل هو هي. وفشل مشاريع التنمية في الوطن العربي اليوم
يعني جوهرياً غياب وعي الذات أو تقلقله. إن علاقة القيم الإنسانية والهوية
الثقافية بالتنمية البشرية في كل مجالاتها علاقة وجودية، إذ إن الثانية
مرتبطة بالأولى ولا يمكن أن تتحقق في حال غيابها أو تقلقلها.
إن تحديد هدف كل مشروع من المشاريع الإنسانية هو أهم شروط نجاحه، وهذا
التحديد ضروري لتحديد السبل التي يمكن أن توصل إلى الغاية المنشودة. وهدف
هذه الدراسة هو إظهار العلاقة بين التنمية البشرية والهوية الثقافية،
ومعرفة أسباب غياب التنمية في العالم العربي، وطرح الحلول المقترحة للنقاش،
الذي هو إحدى غايات هذه الدراسة. وما تثيره هذه الدراسة من قضايا لن يكون
نهائياً على الإطلاق، وقيمة ما تقدمه إنما هي في إعادة طرح مسألة النهضة
في العالم العربي بعد أن نسيت، بسبب توهم حصولها في أذهان كثيرين من
المثقفين العرب، تدعمهم السلطة السياسية، وتستغلهم لصالح تأكيد شرعيتها
المفقودة.
إنها دراسة في علاقة الإنسان بما يصدر عنه في كل المجالات: الاجتماعية،
والثقافية والسياسية، والاقتصادية، وهي علاقة بالغة التعقيد، تنطلق من مبدأ
الغائية في الثقافة العربية الإسلامية، لتبحث في هيمنة العبثية على معظم
الدراسات العربية في المجالات كافة، وفي نتائج هذه الهيمنة المتمثلة أساساً
في غياب الإبداع في هذه الدراسات التي تقوم على تقليد مناهج غربية مجتزأة،
ومعزولة عن أسسها المعرفية من جهة، وعلى تقليد بعضها بعضاً من جهة ثانية.
إن واقع هذه الدراسات يشي بابتعادها عن واقع الأمة، نتيجة اعتمادها على
مناهج ونظريات غريبة عن ثقافة هذه الأمة، ومعادية لها في أغلب الأحيان.
ويهيمن على هذه الدراسات الخطاب البياني، وخاصة منها الدراسات الإنسانية،
وهو خطاب شاعري وعاطفي، وفي أغلب الأحيان مزاجي، ينم عن جهل صاحبه بقضايا
العقل، إذ يبتعد عن التحليل الثقافي، ولا ينطلق من قيم الحضارة العربية
الإسلامية، الثقافية والمعرفية.
لقد بدأ الغرب منذ الثمانينات توجهه، في الدراسات الإنسانية، نحو المنهج
الثقافي الاجتماعي، على حين أن الباحثين العرب ما يزالون اليوم يدورون في
فلك البنيوية والنفسانية والأسلوبية، وغيرها من المناهج الغربية القديمة
التي أثبتت عدم جدارتها بالنسبة إلينا، وهجرها أصحابها الغربيون من زمن
بعيد.
هل نعاني من فقد المناعة الثقافية، وهو مرض يضعف الجسد الثقافي ويجعله
مخترقاً وهزيلاً غير قادر على تطوير نفسه؟ يجب أن نتنبه على أن أولى خطوات
شفاء المريض أن يعلم أنه مريض، إذ إنه لن يبحث عن الدواء إن كان لا يعرف
أنه كذلك، وخاصة عندما يكون من حوله يكذبون عليه، موهمين إياه بالعافية
وسلامة صحته. والثقافة العربية المعاصرة مريضة، والهوية العربية كذلك لأنها
هي عين الثقافة، ولا إبداع لمن لا هوية له، أو كانت هذه الهوية مقلقلةً
ومتشتتةً.
إن عنوان الدراسة يوحي بالشمولية، ولا بد من توضيحه بتقسيمه على فقرات هي:
أولاً: تعريف المصطلحات.
ثانياً: القيم الثقافية والتنمية البشرية.
ثالثاً: القيم الثقافية والتنمية عند العرب.
رابعاً: خاتمة واقتراحات باتجاه إيجاد الحل.
أولاً: تعريف المصطلحات ^


القيم: القيم جمع قيمة، وهي صفة ذهنية تنسب إلى
موضوعها من خارجه، وتنشأ من توفر مجموعة من العناصر الذاتية الخاصة
بالموضوع، والموضوعية الخارجية المحيطة به. إن القيمة هي ما يجعل موضوعاً
ما جديراً بالاهتمام أو الاحترام، بحسب المجتمع في الزمان والمكان.
الثقافية: مصطلح له دلالات كثيرة في المباحث العلمية
المختلفة والسياقات المتباينة، فهو كثيراً ما يستخدم للإشارة إلى المنتجات
الفكرية والفنية بكافة فروعها، وبخاصة الأدبية والموسيقية، أي الثقافة
الرفيعة في المجتمع، أما علماء الإنسان، “الأنثروبولوجيون”، فقد استخدموه
للإشارة إلى مجموع أساليب حياة الإنسان في المجتمع، وقيمه، ورموزه،
ومؤسساته، وعلاقاته البشرية، وعاداته وتقاليده، وسبل السلوك اليومي وأنواعه
في المجتمع.
القيم الثقافية: إذا ما جمعنا بين المصطلحين السابقين
فإن الدلالة سوف تكون أكثر تعقيداً، ولذلك فإننا نقصد بالقيم الثقافية
مجموعة المبادئ المادية و الروحية والاتجاهات والمعتقدات والتوجهات
والافتراضات الأساسية التي تلبي حاجات الإنسان وتحكم تصرفاته، وتشكل ركائز
لكل ما هو سائد بين الناس داخل المجتمع، فتمنح قيمة لموضوع ما وتسلبها من
موضوع آخر، تزين سلوكاً ما وتحث الناس عليه، وتشين سلوكاً آخر وتمنع الناس
منه. والقيم الثقافية صناعة إنسانية تراكمية، تنمو في المجتمع وتتطور بحسب
قوانين معينة، داخلية وخارجية مرتبطة بالوعي الاجتماعي وأنواعه المتعددة،
ويمكن أن تسمى بالثقافة غير العالمة، وهي على اتصال بالثقافة العالمة
المكتوبة، وتحتكم إليها في تطورها، كما تحتكم إليها عند محاولات تغييرها من
الخارج، أو ما تتعرض له من أمراض.
لقد صاغت الحضارات الإنسانية في الأساس تقاليد دينية لا تزال قوية
النفوذ إلى اليوم، وعلى الرغم من قوى التحديث المختلفة فإن الدين ما يزال
يشكل أهم مصدر من مصادر القيم الثقافية، وما تزال المجتمعات الغربية التي
تدعي العلمانية تجد في أعماق سلوكها اليومي ما له علاقة بالثقافة الغيبية
التي كانت تعرفها فيما مضى.
وتبرز أهمية القيم الثقافية في الدراسات الاجتماعية بشكل واضح عندما نعلم
أنها تشتمل على أنواع عدة هي القيم الأخلاقية، والاقتصادية، والسياسية،
والدينية، والعلمية، والجمالية، والفنية. ويمكن اختصار كافة القيم الثقافية
فيما يُسمى بالهوية الثقافية.
التنمية البشرية: هي حركة الإنسان/ الفرد، والمجتمع
نحو التطوير: الاقتصادي، والرفاه المادي، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية، إنها تعني تحرير طاقات الإنسان في الزمان والمكان بكل أبعادها.
ويؤكد مصطلح التنمية البشرية على أن الإنسان هو أداتها وغايتها في الوقت
نفسه، إذ إنها تهدف إلى تنمية الخيارات المتاحة وتوسيعها وتحريرها أمام
الإنسان لكونه هو نفسه جوهر عملية التنمية وهدفها.
وللتنمية بعدان: الأول يتم على مستوى النمو الفردي في مختلف مراحل
الحياة، لتنمية قدرات الإنسان وطاقاته البدنية والعقلية والنفسية
والاجتماعية والروحية، والثاني يتم باستثمار الموارد والأنشطة الاقتصادية
التي تولد الثروة والإنتاج، عن طريق تطوير المؤسسات التي تتيح المشاركة
بمختلف القدرات لدى الناس كلهم. ويرتبط الثاني بالأول الذي يشكل هدفاً له.
ثانياً: القيم الثقافية والتنمية البشرية ^


إن مسألة التطور والتنمية البشريين في مجتمع من المجتمعات قضية بالغة
التعقيد، تتدخل فيها عوامل كثيرة، مادية ونفسية وتقنية واجتماعية واقتصادية
ودينية، إلا أن كل هذا يمكن إحالته إلى عامل رئيس هو القيم الثقافية، لأن
الثقافة هي الهوية الإنسانية، والإنسان هو مصدر كل تلك العوامل.
لقد ثبت، مع مرور الزمن، أن التنمية عملية لا تتحقق إلا إذا قامت على إرادة
مجتمع يملك وعياً عميقاً بشخصيته التاريخية، فهي مؤسسة نابعة من الداخل،
ومدفوعة ومسيّرة من قبل مجموع القوى الحيوية للأمة، ولذا فإنها يجب أن
تتضمن كل أبعاد الحياة الاجتماعية وطاقات الأمة التي ينضوي فيها كل فرد وكل
فئة وكل طبقة اجتماعية، بحيث يكون هؤلاء كلهم مدعوين إلى المساهمة في
الجهود العامة واقتسام ثمراتها.
ولما كانت القيم الثقافية تشمل كل مظاهر الحياة ومستوياتها، وتجسد التعبير
عن القيم السامية للفرد والمجتمع، وعن فهمهم للحياة؛ فإنها هي التي تقود
التنمية البشرية، وتضفي عليها سمتها الإنسانية. وعندما حاولت بعض الدول
النامية استعارة نظم التنمية من دول أخرى متقدمة لم تنجح في تطوير نفسها،
لأن هذه النظم لم تكن منسجمة مع قيمها الثقافية.
وعلى الرغم مما تقدم من أهمية القيم الثقافية في التنمية البشرية، فإن كل
الندوات والمؤتمرات التي عقدت في القرن الماضي لمناقشة مسائل التنمية كانت
تدور حول الأوضاع السياسية والاقتصادية، ولا تكاد تتطرق إلى المشكلات
الاجتماعية إلا إذا كان لها بعد اقتصادي، مغفلةً بذلك الأبعاد الثقافية
للتنمية إغفالاً يكاد يكون تاماً.
وقد بدأ علماء الاجتماع في الثمانينات من القرن الماضي يتجهون أكثر فأكثر
إلى العوامل الثقافية في تفسير عمليات التحديث والتنمية، وما يجري في
المجتمعات. من هؤلاء فرنسيس فوكوياما، ولورنس هاريزون، وروبرت كابلان،
وتوماس سوريل . ولم يكن هؤلاء جميعاً إلا ورثة ماكس فيبر (1864_ 1920)،
عالم الاجتماع الألماني، الذي كان أول من أبرز الصلة بين القيم الثقافية
والتنمية البشرية في كتابه: “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” وفسر
صعود الرأسمالية بأنها ظاهرة ثقافية في جوهرها لها جذورها العميقة في الدين
. وكان على العالم الانتظار حتى عام 1985 حين أصدر لورنس هاريزون، وهو
موظف في برنامج الولايات المتحدة الأمريكية للمساعدة، كتابه: “التخلف حالة
عقلية – حالة أمريكا اللاتينية”، عن مركز هارفارد للشؤون الدولية، وحاول
فيه إثبات أن الثقافة في الغالبية العظمى من بلاد أمريكا اللاتينية كانت
العقبة الأولى والأساسية على طريق التطور .
وفي صيف عام 1998 قررت أكاديمية هارفارد للدراسات الدولة الإقليمية،
استكشاف الحلقة التي تربط بين الثقافة والسياسة، وبين التطور الاقتصادي
والاجتماعي، وعقدت ندوة عن: “القيم الثقافية والتقدم البشري”، في
الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب والعلوم في كامبريدج/ ماساشوسيت خلال
الفترة من 23 – 25 إبريل/ نيسان عام 1999، وشارك فيها جمهور متميز من
المثقفين . وقد أجمع الباحثون في هذا المجال على العلاقة الوثيقة بين القيم
الثقافية والتنمية البشرية، كما أجمعوا على أن عامل الثقافة في التطور كان
مغفلاً في دراسة التقدم البشري على أهميته. ولكنهم من جهة أخرى أجمعوا على
أن ثقافات الأمم المتخلفة هي السبب في تخلفها، وأنها، حتى تتطور، يجب أن
تقبل ثقافات الأمم الغربية المتطورة. ومن هنا رأى الباحث ميشيل بورتر “أن
العولمة تتضمن عملية نقل ثقافة من شأنها أن تفضي إلى تجنيس الثقافة، ومن ثم
تيسّر على البلدان إمكانية التغلب على السلبيات الثقافية والجغرافية” .
وحرص الأنثروبولوجيون العاملون في مؤسسات التنمية والتطوير، مثل البنك
الدولي، وبرنامج الولايات المتحدة للمساعدات الإغاثية، على تعريف صنّاع
القرار بالقيم الثقافية التي يجب أن تتجلّى في عمليات رسم السياسات
والبرامج التنموية، وكذا عند تنفيذها. وكان لا بد، في رأيهم، من تدخلات
معينة بهدف تعزيز التغيير الثقافي في البلدان التي تطلب قروضاً أو مساعدات .
ويرى بعض الأنثروبولوجيين أن التقدم فكرة يحاول الغرب فرضها على الثقافات
الأخرى، وأن كل ثقافة إنما تحدد أهدافها وأخلاقها من داخلها، وهو ما يتعذر
تقييمه في ضوء أهداف وأخلاق ثقافات أخرى، وأنها، بحكم تعريفها، بنيةٌ
متناسقةٌ، وعامل تكيّف، وأن أي إقحام من خارجها تترتّب عليه مظاهر صراع
ومعاناة وتخلف .
إن مفهوم التطور والتقدم أو التنمية إنما هي مفهومات حددها الغرب، ووضع
شروطها، وقيّم الحضارات الأخرى من خلالها، وهو لذلك ينظر إلى ثقافات هذه
الحضارات التي تختلف عن ثقافته على أنها عائق عن قبول الشروط التي وضعها
لتحقيق التنمية. ولعل من أهم أسباب فشل مشاريع التنمية في معظم بلاد العالم
أنها فرضت بشروط خارجية، وأن السياسيين في هذه البلاد ما كانوا على وعي
بأن التصدي لموضوع الثقافة يمسّ أعصاباً شديدة الحساسية، هي الأعصاب
القومية والعرقية والتقدير الشخصي للذات .
إن مفهوم التنمية لا يجوز أن يبقى قاصراً على محاولة اللحاق اقتصادياً أو
تقنياً بالدول الأكثر تقدماً، بقدر ما يجب أن يهتم بالكشف عن قدرات الشعوب،
وإمكان استغلال هذه القدرات على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية،
وهو ما يعني ضرورة معرفة ثقافات هذه الشعوب ودراستها لفهمها والاسترشاد
بها، كما أن الالتفات إلى هذه الثقافات لا يعني فقط معرفة مدى تقبلها
للمشروعات المقترحة، وإنما يقتضي في الوقت ذاته معرفة الهوية الثقافية
للمجتمع، لأن هذه الهوية تختلف من حضارة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر في
الحضارة الواحدة، فالخصوصيات الثقافية تؤثر بشكل كبير ومهم في قبول مشروعات
التنمية أو رفضها.
وعلى سبيل المثال فقد لاحظ الأنثروبولوجي ماريانو جروندونا أن الأراضي غير
المأهولة داخل المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية متاحة لكل من يريد
أن يعمل فيها ويستثمرها، على حين أن المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في
أمريكا الجنوبية أصبحت تابعة للتاج وملكاً له. وتقرر منذ البداية أن الثروة
تؤول للقابض على السلطة. وهكذا لم تكن الثروة وليدة عمل، بل هي حق لمن
يقدر على كسب ود الملك ويحتفظ برضاه. ويُفسّر ذلك بأن المذهب البروتستانتي
كان منتشراً في بريطانيا، على حين أن الكاثوليكية منتشرة في إسبانيا
والبرتغال .
ولعل من أبرز الأمثلة التي أوردها ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني الشهير
دليلاً على العلاقة بين القيم الثقافية والتنمية ما ذكره في كتابه
“الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” عندما قال: إن البروتستانتية ثورة
دينية غيرت في المفهومات والقيم الثقافية، وهو ما عزز صعود الرأسمالية
الحديثة، ويعني بذلك الرأسمالية الصناعية التي عرفها وطنه ألمانيا، وقال:
إن البروتستانتية حققت هذا ليس عن طريق إلغاء تلك الجوانب التي أعاقت في
العقيدة الرومانية، أو حالت دون النشاط الاقتصادي، كالربا مثلاً، ولا عن
طريق تشجيع سبل إنجاز الثروات وتراكمها، بل بأن حددت وأقرت أخلاقاً للسلوك
اليومي أفضت إلى النجاح الاقتصادي .
وأضاف فيبر أن البروتستانتية فعلت هذا عن طريق التأكيد على مسؤولية الإنسان
وحريته في اختيار أفعاله، كما فعلته عن طريق التشديد على أن البروتستانتي
الصالح لا يتخذ من اكتناز الثروات هدفاً وغاية. وثمة خاصّيتان متميزتان
يتصف بهما البروتستانت يعكسان روح التجديد للقيم الثقافية: الأولى: هي
التأكيد على تعليم البنات والبنين على السواء، وجاء هذا نتيجة مرتبطة
بضرورة قراءة الكتاب المقدّس، إذ أصبح متوقعاً أن البروتستانتي الصالح هو
من يقرأ هذا الكتاب بنفسه، على حين أن الكاثوليك اعتادوا التعلم من طريق
التلقين، وليس عن طريق التفكير الفردي، وارتضوا أن يكون علمهم حكراً على
كهنتهم، وليس عليهم أن يقرؤوا، ولذلك كان هؤلاء الكهنة يحظرون عليهم
الاعتماد على أنفسهم في قراءة الكتاب المقدّس وفهمه. والخاصية الثانية هي
الأهمية الكبرى التي يولونها للزمن، إذ لوحظ أن استخدام الساعة وانتشاره في
المناطق الريفية كان أكثر في بريطانيا وهولندا منه في الأقطار الكاثوليكية
.
ويمكن أن نشير هنا إلى ما حدث في إيران بعد الثورة الإسلامية من تطور
وتنمية قلّ مثالهما في دول العالم، إذ استطاعت إيران في ثلاثين عاماً أن
تصبح من الدول المتقدمة صناعياً وتقنياً وعسكرياً واقتصادياً بعد أن كانت
من الدول المتخلفة في عصر الشاه، على الرغم من حربها مع العراق طيلة ثماني
سنوات. ويُعزى ذلك إلى الثورة في القيم الثقافية التي قادها الإمام الخميني
رحمه الله، والتي تتلخص في نظرية ولاية الفقيه التي حررت الطاقات البشرية
عند الإيرانيين بعد أن كانت معطّلة بسبب عقيدة انتظار عودة الإمام المختفي
التي تشكّل محور المذهب الشيعي الاثني عشري. ولعل المثال التركي أبرز
النماذج الإسلامية السنية على ما يمكن أن يحققه ارتباط الثقافة بالتنمية،
فقد استطاعت الحكومة الإسلامية بقيادة رجب طيب أردوغان أن تعيد توحيد
العلاقة بين الثقافة والسياسة، وتحرر السياسة من سيطرة جنرالات الجيش الذين
ارتبطوا بمصالح أمريكا واسرائيل على حساب مصلحة بلدهم وأمتهم، وهو ما أعاد
الثقة إلى الأمة التركية بحكومتها، بعد أن فقدتها طوال عقود كثيرة من
السنين بدأت في بداية القرن العشرين مع حكم أتاتورك الذي استطاع تحقيق
انفصام خطير بين القيم الثقافية التي تحكم الأمة التركية والتنمية البشرية
مما جعل تركيا تعاني من أزمات مستمرة على كافة الأصعدة السياسي منها
والاقتصادي والثقافي.
إلا أن أبرز الأمثلة على تحرك الثقافة ضد مشروعات التنمية نراها في روسيا
الشيوعية التي ظلت طوال ثلاثة أرباع قرن ملتزمة بمعارضة السوق وبفكر مناوئٍ
للربح، مع الامتيازات لأصحاب السلطة، وهو ما أدى إلى غرس القيم المناهضة
لمشروعات الأعمال القائمة على القوى الذاتية والطموح الشخصي. ولم يتمكن
الناس من التخلص من تلك القيم بعد سقوط النظام الشيوعي، وظلوا يخشون من
تقلبات السوق، ويتطلعون إلى الوظائف الحكومية الآمنة، وقد برهن سقوط
الاتحاد السوفييتي على أن فكرة الملكية الفردية طبيعة بشرية وقيمة ثقافية
إنسانية مشتركة، يؤدي كبحها إلى تعطيل طاقات المجتمع البشري .
ويورد جيفري ساكس في دراسته: “هوامش على علم اجتماع جديد عن التطور
الاقتصادي” ملاحظاته حول تجربة الدول الاشتراكية في أوروبا فيقول: “ويهيمن
على السياسة في المجتمعات الاشتراكية تنظيم الحزب الواحد بما له من سلطة
قاهرة، ويجري قمع الثقافة التقليدية، خاصة الدين، وكذلك جميع أشكال السوق
الخاص والتراكم الشخصي للثروة”، ويضيف: “ونستطيع الآن إذ نلقي نظرة بعد
وقوع الأحداث، أن نرى بوضوح أن الاشتراكية كان لها دورها المؤثر باستثناء
عددٍ قليل من المجالات التي تلقّت مساعدات كثيفة من الاتحاد السوفييتي” .
ثالثاً: القيم الثقافية والتنمية عند العرب ^


لم تعرف الأمة العربية والإسلامية في تاريخها من الأخطار ما تعرفه اليوم
وتتعرض له، فإذا كانت الأخطار السابقة تهدد الأرض والجسد، فإنها اليوم
تهدد وجودها الذاتي وهويتها الثقافية.
ونظرة إلى تاريخ الأمة العربية، من نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم تبيّن
لنا مدى التغيرات والشروخات والانفصامات التي أصابت الثقافة العربية
بمفهوميها العالم، وغير العالم. وقد بدأت المسألة بطرح مفهوم القومية في
مقابل الجامعة الإسلامية في مطلع القرن العشرين، وهو مشروع أجهضه من زرعه
في الثقافة العربية آن ذاك لصالح الاحتلال الغربي للوطن العربي، وقد جاء
الاستعمار بقيم جديدة غريبة عن الثقافة العربية، مصدرها الثقافة العالمة
الأوروبية، فأصبح في الوطن العربي ثلاثة مصادر للقيم: الأول: الثقافة
العالمة التراثية، ومصدرها الأول العقيدة الإسلامية، والثاني: الثقافة غير
العالمة التراثية، والثالث: الثقافة العالمة الغربية، ومصدرها متنوع بحسب
البلد الأوروبي الذي كان يحتل البلد العربي بعد أن قُسِّم الوطن العربي إلى
بلاد يتنازع عليها الاحتلال الأوروبي، ويغلب هذا المصدر التفسير العلماني
المادي للوجود.
واستطاعت الثقافة العربية الاحتفاظ بهويتها أمام أنواع الثقافة الجديدة على
الرغم من فرضها وتشجيعها وحمايتها من قبل المستعمر، ومن حلّ محله بعد
الاستقلال من أبناء البلد ممن تربوا في مدارسه التبشيرية وجامعاته، وعملوا
على رعاية مصالحه الاقتصادية والثقافية من خلال تشجيع الثقافة الغربية في
مجالات الحياة كلها: السياسية والإدارية، والعسكرية، والاقتصادية،
والمعرفية، والفكرية، والفنية، والاجتماعية. “كما ارتبطت بهذه الثقافة
أيضاً مجموعة من القيم الحداثية التقدمية التي تنادي بتقليص دور السلطات
التقليدية والأهلية، سواء أكانت رجال الدين أم زعماء العشائر أم السلطة
الأبوية في الحياة السياسية والاجتماعية معاً”
لقد عمل الاستعمار من خلال ورثته من أبناء البلد على توجيه الاقتصاد
لمصلحته، وأنشأ سلطة سياسية تقوم على حكم استبعادي يهدف إلى الحفاظ على
النظام القائم، وهذا ما قوّض بشكل مطّرد المؤسسات الثقافية والاقتصادية
التقليدية لصالح المستعمر الذي استبدل هذه المؤسسات بمؤسسات جديدة تخدم
النظام الاستعماري.
لقد كان النظام الرأسمالي بحاجة إلى مؤسسات تخدم وجوده واستمراره في البلاد
العربية، ويقوم هذا النظام المستورد من الغرب على قيم ثقافية غريبة مرتبطة
بنظام السوق والمنافسة والمضاربة، وهي قضايا كانت تتحول في أغلب الأحوال
إلى الاحتكار وسوء توزيع الثروة نظراً لارتكازه على القيم العلمانية التي
تُسقط البعد الغيبي من الوجود الإنساني. وعلى الرغم من أن مفهوم الملكية
الفردية قيمة ثقافية موجودة في الثقافة العربية وفي النظام الرأسمالي
العالمي، فإن هذا النظام كان يتناقض في سلوكياته وقيمه الثقافية العلمانية
مع قيم الثقافة العربية العالمة وغير العالمة على السواء، القائمة على
الأمانة والصدق في التعامل التجاري وعدم الغش وتحريم الربا وتكديس الثروة
الفردية، أو كنزها وعدم استعمالها في مصلحة الجماعة لتحقيق مفهوم الاستخلاف
المتجسد في إعمار الأرض.
لقد تسارعت الأحداث على الوطن العربي بعد الستينات، وتغير النظام الاقتصادي
من الرأسمالي، الذي استطاعت الثقافة العربية التعايش معه إلى حدٍّ ما، إلى
الاشتراكي الذي كان يعتمد قيماً ثقافية مختلفة عن الثقافة العربية في
بعديها العالم وغير العالم من جهة، والثقافة الغربية التي رافقت النظام
الرأسمالي من جهة أخرى، وأخطر هذه القيم هي إلغاء الملكية الفردية، وترافقت
هذه القيمة مع ظهور الحزب الواحد، وما يرافقه من قيم الاستبعاد والهيمنة
القاهرة وقمع الثقافة التقليدية، وفرض قيم جديدة خلخلت العلاقات الاجتماعية
وفككتتها، وحولت الولاء عند الأفراد من الأسرة والدين والوطن إلى
ديكتاتورية الحزب الحاكم.
لقد كان لهذين النظامين الاقتصاديين الرأسمالية والاشتراكية المفروضين من
خارج الثقافة العربية أثرهما الخطير في تغيير الثقافة من الخارج بفرض قيم
ثقافية مضادة، وهو ما تجلى في صورة عدم الثقة بالمال العام والابتعاد عن كل
ما يرتبط بالدولة التي سرعان ما ساد فيها الفساد والمحسوبيات واستغلال
السلطة، وسوء الإدارة. وبعد أن رأى معظم الناس في المجتمعات العربية أنه لم
يعد ممكناً التخلص من الأنظمة السياسية التي تفرض عليها تلك الثقافة،
اتجه كثير منهم إلى استغلال الأوضاع الراهنة للكسب غير المشروع وتكديس
الثروات على حساب المصلحة العامة، وهو ما عنى مزيداً من تدهور القيم
الثقافية الأصيلة، وتراجعاً في كل مشاريع التنمية الحكومية والفردية على
السواء..
وكانت نتائج هذا كله كارثية على الأمة، تجلت في هزيمة حزيران التي كانت
بداية انهيارات أخرى وكوارث ثقافية وقيميَّة، إذ تراجع بعدها المد القومي
الذي ظهر في الستينات. يقول د. برهان غليون: “ومع تفاقم القطيعة بين النخب
السائدة والمجتمعات، وسعي الأولى في سبيل الحفاظ على سيطرتها إلى التخلي عن
السياسات الوطنية ببرامجها المختلفة لصالح التحالف مع القوى الأجنبية
والتعويض بدعمها الخارجي عن انحسار مشروعيتها الداخلية، بدأت منظومة القيم،
التي أدخلها الخطاب القومي بأشكاله المختلفة، والتي قامت عليها العلاقات
المدنية الحديثة بديلاً عن العلاقات العائلية والعشائرية والطائفية
والجهوية، تفقد الكثير من صدقها”، ويضيف: “وجاء الانتقال السريع منذ
الثمانينات نحو نظم تسلّطيَّة تعتمد في بقائها على الأجهزة الأمنية،
واختصار السياسة نفسها في مهام ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار، ليطابق بين
الدول نفسها وأدوات القمع والتحكم الآلي بالمجتمعات وتذليلها لخدمة مصالح
النُّخَب الحاكمة وحلفائها” في الداخل والخارج.
لقد توقف التجديد الثقافي بعد أن تمت القطيعة بين الأمة والدولة، وأصبحت
الأمة تعاني من قطيعتين: قطيعة بينها وبين ثقافة التجديد وتيار الحداثة،
وقطيعة أخرى بينها وبين الثقافة العربية الإسلامية في صورتها الدينية
والأدبية والفلسفية والفقهية والصوفية، وانعكس هذا في تراجع القيم الثقافية
ذاتها، وبالتالي تدهور صدقية القيم الناظمة لسلوك الأفراد في جميع
أشكالها، وإحياء آليات التضامن العرقيةـ وانتعاش قيم العصبية، “وفي موازاة
هذا النقص الأخلاقي وفراغ المعنى، أصبح الاستهلاك والسعي إلى مراكمة
الأغراض المادية وتحقيق الملذات الحسية بأقصى طاقة، هو معيار السعادة
والالتحاق بالإنسانية عند الأغلبية”. لقد فقد الفرد العربي في ظل هذه
الظروف معظم المعايير الأخلاقية والدينية التي كانت تشكل مرجعيته اللاواعية
في كل أنواع العلاقات الاجتماعية، وأصبح المعيار الغالب هو المصالح
الأنانية والجشع الفردي أو العائلي أو الطائفي. وتحولت المجتمعات العربية
إلى مجتمعات استهلاكية غير منتجة، تستورد معظم ما تستهلكه سواء أكانت بحاجة
إليه أم لا.
ولا يمكن لإنسان يعيش في ظروف كهذه إلا أن يصاب بالإحباط، وهو ما آل إليه
الحال عند الأغلبية الساحقة، أما القلة المتبقية فهي حاملة للإحباط وفقدان
المعنى، ومن حيث هي كذلك لم يمكن بإمكانها أن تكون أنموذجاً، ولا أن تكون
منتجة لمثال يستقيم من حوله الاجتماع الإنساني، إنها تشكل بالعكس “مصدراً
لانحطاط الثقافة، وفي إثره تنامي آليات التمحور على الذات والتعصب
والانغلاق ورفض الآخر والنزاع الدائم” . وتفسر هذه الأوضاعُ ظاهرةَ التدين
التي لم تستطع أن تغير من سيطرة معايير الثقافة الاستهلاكية ولا حد من
سطوتها، كما أنها لم تستطع أن تشكّل طريقاً إلى “تجديد الثقافة العربية
الإسلامية، والتواصل من جديد مع مواردها وقيمها الروحية والفكرية الأصيلة
والعظيمة معاً” وإنما انعكست عند بعض الجماعات في نزوع إلى التطرف
والتمرد.
ومع ظهور العولمة زادت حدة أزمة الهوية عند الفرد العربي، وأصبحت في حالة
من الموت السريري إثر احتلال العراق وحرب جنوب لبنان وغزة، وتسارع تفكك
القيم الاجتماعية الناظمة للوجود الغربي والإسلامي، وعمت فوضى في علاقات
الأفراد دفعت “إلى التخلي عن سياسات التضامن الجمعي التقليدية، وعن عمليات
وآليات توطين قيم الحداثة وآلياتها واستنباتها في الثقافة والبيئة
العربيتين. وتزداد في المقابل موجة التبعية الثقافية لأسواق الإنتاج
الثقافي الخارجية أو للثقافة الاستهلاكية، وبقدر ما تتسارع وتيرة بناء
المؤسسات التعليمية والجامعية والثقافية الأجنبية التي تدرس بلغاتها الخاصة
تتحول الحداثة من جديد إلى بنية أجنبية أو غربية وتحدث شرخاً متزايداً بين
قطاعات الرأي العام الإسلاموي والعلماني”
إن ارتباط التنمية البشرية بالقيم الثقافية يعني أن كلاً من الطرفين يؤثر
في الآخر، فإذا كانت القيم مقلقلة وفي حالة من الانفصام فإن التنمية ستكون
في حالة تخلّف، كما أن تبدّل أساليب الإنتاج ووجود آلات جديدة تحيط
بالإنسان سوف يؤدي بالضرورة إلى تبدلات إيجابية أو سلبية في نوعية الثقافة
وقيمها، إذ إن هذه الأساليب وتلك الآلات ستفرض مفاهيم جديدة تؤدي إلى فرض
نوع جديد في العلاقات الاجتماعية بين رب العمل والعامل ورب الأسرة وأفرادها
والمجتمع، وفي النهاية علاقاتٍ جديدة بين الفرد والفرد بخاصة، والفرد
والمجتمع بعامة. وقد عانت الأمة العربية الأمرين معاً، فهُمّشت ثقافتها
وشُوِّهت وفُرِضَتْ عليها قيم ثقافية غريبة عنها، ودخل في حياتها تغير كبير
فرضته التقنيات الحديثة، وعلى رأسها وسائل الإعلام والاتصال مما زاد في
اضطراب قيمها وانفصامها وضياع المرجعية.
ومن الطبيعي في حالات غياب الثقة بين الفرد والآخر من جهة، والمجتمع
والدولة من جهة أخرى، وفقدان الأنموذج في السلوك، وازدواجية القيم بين
دينية وعلمانية يعاني كلٌّ منها من فوضى وعدم وضوح وسوء فهم؛ أن يعيش الفرد
العربي تحت ضغط الخوف وفقدان الشعور بالأمان والحرية، وتسود ثقافة
الاستنساخ والخوف ويغيب الالتزام بالقانون وينعدم الإبداع، إذ إن الأفراد
حين يشعرون أن آخرين هم المسؤولون عنهم فإن جهدهم سوف ينحطّ، “وإذا كان
هناك من يقول لهم ما الذي ينبغي أن يفكروا أو يعتقدوا فيه ، سوف تكون
النتيجة إما فقداناً للحافز وتعطلاً للإبداع، وإما خياراً بين الضياع أو
التمرد”. وعلى أية حال، فإنه لا الانصياع ولا التمرد يمكن أن يفضيا إلى
التنمية والتطوير، “إن الخضوع يجعل المجتمع عاطلا من المبدعين، والتمرد
يحرف الطاقات بعيدا عن بذل جهد بنائي ليتحول إلى جهد من أجل المقاومة
والإطاحة بالعوائق والتدمير”
رابعاً: خاتمة ومقترحات ^


ليست المشكلة، من خلال هذه الدراسة، مشكلة تنمية، إذ من السهل وضعُ
الخطط التنموية ومشاريعها، وتنفيذُها، المشكلة بحسب هذه الدراسة هي القيم
الثقافية العربية، وما تقدم من تفسيرات، وما سيلي من اقتراحات لا يخص بلداً
عربياً دون آخر، بل هو لكل الوطن العربي، إذ على الرغم من الخصوصية
الثقافية لكل قطر عربي، فإنه يشارك باقي الأقطار في كليات ثقافية عامة. ولا
بد إذن من إصلاح الثقافة، ولا يكون ذلك إلا من خلال عاملين اثنين، هما في
اعتقادي :

  1. وعي أننا نعاني حقاً من مشكلة القيم الثقافية.
  2. توفر الإرادة.

وتوفر الوعي مقدم على الإرادة، إلا أنه لا يكفي، إذ إن عدداً من الأنظمة
السياسية العربية لا يعترف أساساً بوجود مشكلة لارتباط مصالحه بجهات
أجنبية تحرص على أن يبقى الحال على ما هو، بل على أن يزداد سوءاً، ويشاركها
في هذا أتباعها من أفراد المجتمع ممن ربطوا مصالحهم الخاصة بها. والإرادة
وحدها غير كافية إذا ما غاب الوعي الضروري، لذلك فإن الأمر لن يكون سهلاً
على الإطلاق حتى في حالة توفر الوعي والإرادة معاً عند بعض الأنظمة
العربية، لأن الفساد وصل حداً أصبح يعمل من خلال آلية ذاتية ليس من السهل
على الإطلاق إيقافها، مما يعني أن الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وخاصة
في حال وجود قوى خارجية عدوة للأمة العربية تسهر على ذلك حرصاً منها على
أمن الصهاينة المحتلين في فلسطين.
قال عليه الصلاة والسلام في الحديث النبوي: “الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم
القيامة”. إن قول الرسول الكريم دليل على إمكانية إصلاح الإنسان من خلال
تعزيز قيمه الأصيلة التي ما تزال كامنة فيه، والذي يساعد على تأجيجها عوامل
كثيرة، منها ما هو مؤسساتي، ومنها ما هو فردي.
على رأس المؤسساتي التعليم لأنه صانع المستقبل الذي يجب أن ينال اهتمام
الحكومات العربية في الدرجة الأولى، فتُغيَّرَ الأوضاعُ في المدارس
والجامعات من حيث الأماكن والمناهج والمعلمين، وتُوفَّرَ خبرات تعليمية
كافية من حيث العدد والمستوى، ويُوضَع للنظام التعليمي هدف هو بناء الإنسان
وإطلاق قدراته على التحليل والمناقشة والتفكير، بدلاً من النظام المعتمد
اليوم على التلقين.
وهل يكفي هذا؟ إن الخلاص يتطلب إجراءات أخرى تطال الأهل، لأنهم الواقع الذي
ينشأ الطفل فيه، وهو واقع يبثّ الخوف في الطفل، لأنه هو خائف وغير حر، ولا
يحمل مسؤولية، ولا يُسمَح له إن أراد ذلك، فهو مصاب بالإحباط واليأس
والعجز المكتسب.
وبعد التعليم تأتي مؤسسة القضاء التي أُلحقَت في الوطن العربي كله
بالسياسية وأجهزتها الأمنية، ففقد الفردُ الثقةَ بالقانون، وبات خائفاً
داخل بيته، فلا بد من تحرير هذه المؤسسة، وانتقاء من يعمل فيها ليكون من
علية القوم، ولا أقصد طبقة معيّنة، وإنما أٌقصد أن يكون كريم الأخلاق
نبيلاً، يخاف الله ويحب الوطن.
والمُلاحظ أن مجتمع الثقة تسوده ضمناً الإرادة في قبول المخاطرة، مخاطرةِ
الفرد في قبول ما قد يتعارض مع رغبات السلطة الحاكمة، وإذا لم تصادف هذه
المخاطرة قبولاً، وتمّ إخضاع الفرد لشبكة من القيود والضوابط غير المنسجمة
مع قيمه الثقافية؛ فإن المجتمع سيفقد المحرك الجوهري للتنمية البشرية، أعني
أن يفقد الفرد تطلعه لأن يعيش ويفكر كما يريد، وأن يكون على حقيقته فرداً
حراً مبدعاً ومسؤولاً، وحين ينتفي وجود أفراد بهذا المعنى فإن الذي يبقى هو
شعوب فقط، أو جماهير مهيمنٌ عليها ومنوَّمةٌ من غير كرامة ولا شعور بقيمة
الوجود، ومن غير هدف في الحياة، وعندها لن يكون ثمة تطوير على الإطلاق.
إن عمل الفرد وإبداعه هما المحركان الرئيسيان للتطوير والتنمية البشرية،
وما يحث الأفراد على ذلك ويجعلهم قادرين على تحمل العناء إنما هو مناخ
الحرية والثقة الاجتماعيين، وهما من مسؤولية الأنظمة السياسية. ولا أشكّ في
أن الفرد العربي صالحٌ في داخله، قادرٌ على الإبداع لأن القيم الثقافية
التي نشأ ورُبِّيَ عليها قيمٌ أصيلة مرتبطة بمرجعية غيبية، يجب التركيز
عليها في توفير الوسط الفاضل له، ليحلّ محلّ الوسط السيّئ الذي وُضِع فيه،
فأُجبِر على أن يكون على ما هو عليه.
ولا يكفي أن يكون ذلك وحده، بل لابد من مشروعات تنموية اقتصادية سليمة، لا
تتعارض مع قيم الثقافة الاجتماعية، تساهم في توفير الوسط الفاضل اقتصادياً
واجتماعياً. ولابد من أجل ذلك من تجديد الخطاب الديني لإصلاح الخطاب
الاجتماعي.
إن أي اقتراح لبرنامج عمل تنفيذي يجب أن تنبع جذوره من نظام القيم الذي
نؤمن به، ونقطة الانطلاق لبدء هذا العمل تتمثل في تحديد الهدف من وجودنا
على الأرض وكوننا أمة عربية من خير الأمم، عندما تأمر بالمعروف وتنهى عن
المنكر.
إن جوهر ثقافة الغرب وقيمه تقوم على فكرة الصراع/ الدرامية، على حين أن
جوهر الثقافة العربية الإسلامية يقوم على فكرة التناغم والتكامل والانسجام،
ليس بين الفرد والآخر فحسب، وإنما أيضاً بين الإنسان والطبيعة. وهذا ما
يقودنا إلى مسؤولية الفرد في التغيير الذي يجب أن يبدأ من ذاته في حال غياب
المؤسساتي، ويكون أقوى أثراً إذا ترافقا معاً، فالتغيير يتحقق بشكل أفضل
حين يضع الأفراد أهدافاً واضحة لحياتهم، ويقومون بإعداد خطط وتنفيذها،
ويكون لها جداول زمنية محددة، كما أن تنظيم النفس والثقة يُعَدَّان من
المكونات الرئيسية لهذه العملية.
إن ممارسة الاستخلاف في الأرض تعني أن يدرك الفرد أهميته الذاتية في
الوجود، فينفي العبودية لغير الله، ليكون حراً ومسؤولاً ومبدعاً. ولم يحظَ
مفهوم الاستخلاف والعهد باهتمام أحد من الفقهاء أو المفكرين العرب
المعاصرين على الرغم من أن تحقيق هذا المفهوم يرتبط بتصرفات الفرد جميعها،
وهو جوهرٌ ومعيار يقييم تصرفاته في كل الأوقات. إن نموذج التنمية المنسجم
مع هذه المبادئ يتطلب موقفاً جديداً مختلفاً جوهرياً عن المبادئ الاقتصادية
الغربية، الاشتراكي منها والرأسمالي، وهذا الموقف يمكننا من تشكيل رؤيا
شاملة للتنمية تتضمن المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية.
المجال المطروح في هذه الدراسة كبير جداً، لأنه ليس الإنسان وحسب بل هو
الإنسان والمجتمع في الزمان والمكان، ولن تدعي دراسة في صفحات أو في كتاب
الإحاطة به، ومع ذلك فإننا نستطيع أن نلخص كل ما تقدم في مسألة العلاقة بين
الثقافة والتنمية، بما قاله عنترة عندما طلب منه أن ينقذ العرض والحلال:
“إن العبد لا يحسن الكر والفر، وإنما يحسن الحلب والصر”، فما دام الفرد
العربي عبداً للسياسي والثقافي والمال والدنيا والجاه والغرائز فإنه لن
يتمكن من تغيير ما يحيط به، و لابد من أن يبدأ بنفسه إن لم يستطع تغيير ما
حوله، عملاً بقوله تعالى “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما في
أنفسهم”.
مراجع الدراسة ^



  1. الثقافات وقيم التقدم، تحرير هاريزون، لورنس، وهنتجتون، صموئيل، تر/ شوقي جلال، ط/1 المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2005
  2. ندوة التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم، الدوحة 22/25/ 2007

منقول عن موقع الأستاذ الدكتور حسين الصديق
http://asseddik.com/



***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى