يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 9773
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

بين حلم وصدمة

في 2011-06-26, 10:54
‏ ‏~~~( ( الحب الصامت ) ) ~~~

شعر أن الأرض لم تعد تحمله، أدرك أنه قد انتقل إلى عالم آخر لم يكن يحياه إلا في دنيا الأحلام، تساءل محاولا الوصل إلى جواب، هل أنا في اليقظة؟ أشعر جيدا بكل من حولي، فما الذي يجعلني أطير هكذا؟ شيء غريبا حقا! .
في حينها كان يماشي صديقه في أحد أروقة المبنى، وقد اكتظ بالبشر، وفجأة انطلقت عينه نحو خمسة وعشرين مترا في زاوية الساحة، لاحظ فتاة عرفها من قبل، ودون أن يدري كانت قد استدارت نحوه بأسلوب غريب كأنه مشهد سينمائي يعرض ببطء وخديعة. وقعت عينها عليه، والصحيح أنها لاحظت بهتانه بها، سكنت في مكانها للحظات، ثم أدارات رأسها ومشت وكأن شيئا لم يكن .
وقف الشاب مذهولا ونافضا رأسه مما رأى وعصف في روحه دون أي سابق إنذار، مذهولا مما قد اختلج في كيانه. لقد عرفها من قبل، إلا أنها الآن هزت أعماقه ونقلته إلى عالم آخر من الأحاسيس والمشاعر. ولن يكون حشوا في القول إن أعدنا الحديث إلى شعوره بالطيران .
كان يحلم منذ طفولته أن يكون طيارا، ويعلم أن الطيران بحاجه إلى مركبة تستطيع حمله إلى السماء بمقاومتها الجاذبية هذا كله يعرفه، أما أن يطير هكذا في الفضاء دون أي وسيط فشيء غريب جدا؛ بل هو بفعل جاذبية من نوع آخر .
هكذا هو الإنسان خلق ليطير فليبحث عن جناحيه أو ليصنعهما بنفسه قبل أن تُسلب عنه إنسانيته وإلا فليهنأ بدنيا الجحيم والسفه البشري.
أيقن أن في عينيها الزرقاوين شيء من السحر الخلاب للعقول, فتنقل من توقع به إلى عالم لا يوافقه في هذه الدنيا إلا عالم الأحلام . هي لحظات قليلة من تاريخ عمره لم يتخيل أنها ستجعل منه إنسانا آخر يفيض لطفا ورونقا وسعادة، وقد عانى الألم مرات ومرات ، هل يعقل أنه أصيب بالحب؟
يا لهذه الحمى التي لا يمكن أن يبرأ منها أحد من البشر، حمى ناعمة تدغدغ الكيان وتصنع من صاحبها موجودا من أروع الموجودات على الأرض، موجودا يطفو في السماء مميزا عن كل أفراد الجنس البشري، مبتعدا به عن كل درك لا يطاق.
سمع عن قيس، سمع عن جميل، سمع عن ابن زيدون، قرأ في طوق الحمام . تساءل هل أنا مثل هؤلاء؟. أعاد السؤال: ما الذي حدث لي في تلك اللحظات؟ بدأ يستعيد المشهد مرة أخرى. أعاده ببطء شديد عله يصل إلى سر ذاك السحر الأخاذ. أعاده مرات ومرات. لم يكن يصدح في ذهنه إلا بريق هاتيك العيون. - فيا للعيون وما لها من جذب و وقع في نفوس العاشقين يفوق في آثاره الروحية كل سنفونيات العالم الخالدة.- وهذا الصمت الذي ساد المكان في لحظات عرف أنها أشد دويا من صوت جيش نحل في خليته.
نازع الشوق أكثر من مرة للحديث معها، يعرف كيف يحيك الحجج والتبريرات لأي حديث , إلا أنه تلعثم ولم يستطع أن يضع مبررا واحدا يبعد عنه ريبة العشق . وما أجملها من ريبة لو كشفت . وهل يخفى العشق إذا كان القلب أشد قربا ووضوحا إلى الوجه وحركة العين من مكمنه الذي هو فيه ؟
إضافة إلى هذه الحيرة طيلة أشهر، وإضافة إلى لواجع النفس والروح من هذا الجمال، كان يجد ما ينمِّي فيه الحب لها، وهو ما تمتعت به من خلق لم ير مثيلا له عند أغلب من عرفهن في حياته، وتلك الابتسامة اللطيفة والرقيقة، تلك الابتسامة الشفافة التي كان يراها أثناء حديثها مع صديقاتها .
قرر الحديث لكن بأسلوب آخر أشد توكيد وأجل وقعا . قرر الحديث مع أهله في شأنها، فيقدمون على خطبتها، فيكون الحديث ضمن إطار شرعي لا غبار عليه، وقد حرص في الأيام الماضية على ألا يقدم على عمل من شأنه أن يعكر صفو سمعتها التي بقيت في أوجها حتى آخر لحظة .
جاء جواب الأهل بالموافقة، وقد أفاض في الحديث عن كل شيء يمكن أن يؤدي إلى إقناعهم، فوصف الخلق، والأدب والجمال الذي لا ينازعها فيه أحد . زودهم بالعنوان، ورفض إعطاءهم رقم الهاتف الذي حصل عليه من الدليل . اشترطوا أن يبدأ هو بالحديث ممهدا به لخطبتها ، أدرك أنه قد حمل مهمة جميلة جدا إلا أنها شاقة في ذات الوقت ، وراح يقول في نفسه: طلبت منكم المساعدة فوضعتموني في وجه المدفع "جئناك يا عبد المعين حتى تعين طلع بدك مين يعين"
حسم أمره وقرر الحديث وخاصة أنه لا يريد منه إلا خيرا ، وبقي يومها يتقلب وهو يصيغ مقدمة ثم يحذف ويبدل إلى أن أنهكه القلق وهو على هذه الحالة فسقط نائما، وربما رأى من الأحلام ما يزيل قلقه وحيرته . في اليوم التالي أخذ ينتظر الفرصة المناسبة، هي لحظات قليلة ويهمس لها بما يدور في خلده وما حُمِّل فيه من أسرار تتأجج وتريد النفاذ إلى أذن موقدتها.
ما هذا ؟! من أين أتى ؟! أسئلة كثيرة قفذت إلى ذهنه حين وقعت عيناه على كفها قبل أن ينطق ببنت شفة مما أراد وخطط . إنه محبس الذهب الذي حبس لسانه في وكره، وقد صعق مما رأى وشاهد. موقف لا يحسد عليه العدو كما يقال، موقف قد خلع الفؤاد من مكانه دون أن تدري .
ماذا أتى بك في هذا الوقت؟ من صاحبك؟ أين كنت؟ والخاتم أصم أبكم لا يسمع ولا يتكلم .
فاضت عيناه ، نعم لقد فاضت عيناه لكنه انتبه إلى أنه وسط جمع غفير من البشر . قرر الخروج (حدَّث نفسه) انتظر ليس الآن . كاد أن يتفجر من الألم دون أن يشعر به أحد . خرج في نهاية الأمر، رآه أحد الأصدقاء وقد بان عليه ما يعانيه من فرط الأسى، وكيف لا يظهر وداهية لم تكن بالحسبان قد أصابته وهزت كيانه ووجده. سأله:
- ما بك ؟
- لاشيء، أرجوك لا أريد الحديث إلى أحد .
- إلى أين ؟
- سأذهب إلى البيت، لا أستطيع الحديث الآن.
- ما الذي حدث ؟
- .. دعني، أرجوك.
- لكن !.
- أرجوك ..
في البيت رأته أخته وقد طغت عليه علامات الألم والحزن .
- ما بك؟ لما هذا الحزن ؟
- لقد خطبت.
- لا تقولها !.
- هذا ما حدث .
صمتت محتارة مذهولة!.
افترش السرير ، أسقط رأسه بين كفيه، أخذ يفكر ويستذكر الماضي . وهل ينسى ؟
تناقضات غريبة لم يضعها في باله يوما، ولم يتوقع أنها ستحدث أبدا . جلست أخته إلى جانبه بكيد تحاول التخفيف . ضغطت على زر المسجل. أخذ يستمع إلى الأغنية بتمعن ، لم يكن يهوى استماع الأغاني إلا أن هذه تحكي واقعه بدقة شديدة .نظرت إليه ، حاول أن يمنع رؤيتها لدمعة قد سالت على خده لكنها رأتها . أيقنت مدى حبه إلا أن الأمر قد فات أوانه الآن .
عاد إلى إلى حيث كان بعد عدة تغيبات. كانت تمر أمامه وهو يسأل نفسه: هل شعرت بي في يوم من الأيام؟ أعلم أنها تعرفني، لكن هل شعرت بما يختلج في فؤادي؟ لا بد أنها شعرت، إلا أنني تأخرت كثيرا لقد تأخرت. ثم اعتاد أن يدعو لها بالتوفيق والسعادة وكل خير، وإن كانت قد بقيت في نفسه حسرة وهي أن يعرف من خطفها منه، وقد كاد أن يبوح بحبه . هرب إلى القاعدة التي يستغيث بها جميع الناس "قسمة ونصيب" .
يالهذه القاعدة ما أروع وقعها في نفس المرء إن أحسن تدبرها, وما أسوأها إن استسلم لها. فما قيمته إذا لم يتحد كل الحواجز, ويسقط كل العواقب, ثم لينظر ما تكون قسمته بعد هذا. لقد وجدت هذه القاعدة لتدفع عن الإنسان مشاعر الفشل, وتضفي عليه راحة نفسية وروحية تجعله دائما في حالة تألق ورضى, لا لتدفع به إلى دنيا التواكل المقيت. حقا لقد أجاد الشاعر الفلسطيني تميم برغوث حين قال :
لقد سلم المقاتل
والذين بدورهم قتلوا
نعم هذا قضاء الله لكن
ربما سلموا إذا كان الجميع مقاتلين
أيقن بعد أن رأى الخاتم وقد نقل إلى اليد اليسرى أن الأمر قد حسم نهائيا . إلا أنه قرر أن يخلِّد ذكرها في كل حين. قال في نفسه بعد أن بارك لها في زواجها: إن أكرمني الله بزوجة صالحة مثلك وجعل لي منها فتاة سأسميها على اسمك. هتف في نفسه بحبها، وبقي الدعاء لها حاضر في كل لحظة تتغلب فيها ذكراها على وجوده .

* نعم قد يغلب القدر على صاحبه, لكن عليه أن يجد في هذا القدر سبيلا لتستمر الحياة, وليؤدي واجبه الذي وجد من أجله .
* الحب شيء عظيم يجعل من الإنسان نوعا من الكائنات النورانية. وإذا فقد مصدره فعلى الإنسان أن يُبقي بريقه في نفسه, كي لا يسقط إلى سحيق البشرية .
* إذا لم يستطع الحب أن يرقِّي قيمك الروحية فاحكم عليه بأنه خطيئة ينبغي عليك التوبة منها .

أحمد حسن القدور 26_6_2011


عدل سابقا من قبل أحمد القدور في 2011-07-06, 19:01 عدل 1 مرات

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
avatar
NOURH
باحث مشارك
باحث مشارك
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سورية
الهوايات : طالبة
المزاج : طيب
عدد المساهمات : 64
نقاط : 8694
تاريخ التسجيل : 16/02/2010

رد: بين حلم وصدمة

في 2011-07-06, 18:38
قصة جميلة جدا اقول صدقا لقد جعلتني هذه القصة ابتسم واشعر بالحزن في الوقت نفسه
جزاكم الله خيرا ووفقكم
تابعوا كتاباتكم فلها مستقبل زاهر إن شاء الله
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 9773
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

رد: بين حلم وصدمة

في 2011-07-07, 00:25
بسم الله الرحمن الرحيم

جزاك الله خيرا على هذا الاطلاع الذي أرجو من الله تعالى أن يجعله دافع لي في المثابرة على تقديم الأفضل ... إذا كنت قد قدمت هذا العمل لإبراز إحدى الحالات الإنسانية فإن هناك دوافع أخرى خللتها في ثنيا الموضوع لعلها تودي إلى خير وفضل أرجوه من الله ...
وأخيرا
((( أتمنى ))) ألا تكون دواعي التبسم الذي صرحت به الاعتقاد بأني القصود بالقصة .... يا ويلتي تذكرت شيئا (.....) أترك ما تذكرته لاستكشاف اللبيب ..

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
avatar
NOURH
باحث مشارك
باحث مشارك
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سورية
الهوايات : طالبة
المزاج : طيب
عدد المساهمات : 64
نقاط : 8694
تاريخ التسجيل : 16/02/2010

رد: بين حلم وصدمة

في 2011-07-12, 00:30
(((إذا كنت قد قدمت هذا العمل لإبراز إحدى الحالات الإنسانية فإن هناك دوافع أخرى خللتها في ثنيا الموضوع لعلها تودي إلى خير وفضل أرجوه من الله ... )))
كانت هذه الناحية مصوغة بطريقة جميلة ومتناسبة مع بقية احداث القصة فباعتقادي أن الفن للإنسان لا كما يقال" الفن للفن " ،ومن ثم فقد كان هذا العمل ناجحا في تقديم هكذا موضوع بطريقة ترقى بالإنسان ،أتذكر هنا مقالتكم التي بعنوان "حب أم جب"
أما بالنسبة للنقطة الثانية فأنا أقصد بكل تأكيد العمل الأدبي لأننا تعلمنا أن نفرق بين المبدع في حياته الواقعية وبين العمل الادبي الذي يبدعه وهذا ما استطعت الوصول إليه والتأكد منه عندما قرأت مجموعة قصصية عنوانها "الأعمدة والغزالة"للدكتور أحمد زياد محبك وربما هذه الناحية هي سر إبداع الكاتب أي كيف استطاع أن يقدم لنا ليس تجربته الشخصية فحسب بل وتجارب الآخرين أيضا وجعلنا نتفاعل مع عمله الادبي
ولذلك قلت أن هذا العمل ناجح في رأيي

وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى