يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
NOURH
باحث مشارك
باحث مشارك
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سورية
الهوايات : طالبة
المزاج : طيب
عدد المساهمات : 64
نقاط : 8628
تاريخ التسجيل : 16/02/2010

يخلق الله عمل الإنسان ثم يعاقبه عليه!!..

في 2011-03-05, 21:17




يخلق الله عمل الإنسان ثم يعاقبه
عليه!!..





يقول قائلهم:


أين هي
عدالة الله فيما يقرره القرآن من أن الله هو الخالق


لأفعال الناس (والله قد خلقكم وما تعملون*)
(الصافات :37/ 96)



مع ما يقرره من معاقبة العاصين بأعمالهم ؟كيف يخلق الله أعمالهم،



ثم يجعلها مناط جزاء؟أليس هذا تعسفاً في الحكم وظلما في المعاملة؟





وأقول: قبل أن أجيب عن هذا الاعتراض
ينبغي أن أعيد إلى الذاكرة ما سبق أن أوضحته_ وهو واضح لمن يتبصر الأمر_


من أن الظلم لا يتصور في ذات الله عز
وجل. لأن الظلم هو التصرف بحق الغير بغير إذنه. والكون كله بكل ما فيه حق الله
وملكه،


هو الذي أوجده بمحض مشيئته إلى العدم
. فأين هي النافذة التي يتسرب منها الظلم إلى الله ؟





إذن فالرد الآتي على هذا الاعتراض ،
ليس لإثبات عدالة الله التي هي ثابتة على كل حال،وإنما هو لإزالة الوهم الذي سرى
إلى عقول هؤلاء المعترضين ، وهو ما يتصورونه من أن الجزاء الذي يناله الإنسان يوم
القيامة، إنما هو على أفعاله العضوية الصادرة منه. فأقول:


أولاً : قول الله تعالى(والله خلقكم
وما تعملون *)ليس هو الدليل على أن الله هو الخالق لأفعال عباده . ذلك لأن ((ما))
في هذه الآية موصولة وليست مصدرية ، والمعنى:


والله خلقكم والأصنام التي تنحتونها
وتعملونها. والآية مما ينقله الله تعالى من حديث إبراهيم لقومه:


(قال أتعبدون ما تنحتون*والله خلقكم
وما تعملون*)(الصافات:37/ 95_96).


أما الدليل على أن أفعال الناس بخلق
الله لها،فقوله عز وجل(وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم )(الأنعام :6/ 101)


وقوله تعالى (وخلق كل شيء فقدره
تقديرا)(الفرقان: 25/ 2) ذلك لأن ما يصدر عن الإنسان داخل في عموم الأشياء.
والأشياء كلها بخلق الله كما يقرر بيانه .

ولكن هل الأفعال التي تصدر عن
الإنسان هي مناط الجزاء ، أي الثواب أو العقاب ؟لا..ليست هي المناط كما يظن
السطحيون.


لو كانت هي المناط لاستوى المختار في
عمله والمجبر عليه. ومن الواضح أنهما لا يستويان..


المختار هو الذي يجازى والمجبر ليس
مناط أجر ولا جزاء .
إن مناط الجزاء في كيان الإنسان ،
إنما هو قصده المستكن في أغوار نفسه، وليس العمل المادي إلا شاهدا على القصد
المطوي في كيانه. وإليك شرح هذا الكلام بشيء من التفصيل:


إن تلبس الإنسان بفعل ما يحتاج إلى
أمرين اثنين :


الأمر الأول : وجود المقومات المادية
والمعنوية التي لا بد منها لصدور الفعل ، من الأعضاء والقدرة المبثوثة في داخل
الجسم والسارية فيها ، والوسائل الخارجية التي يتوقف عليها ولادة الفعل وصدوره،
كالقلم والورق للكتابة ، والطعام للأكل، والهواء للتنفس .


الأمر الثاني : انبعاث القصد إلى استخدام الأعضاء وما فيها من قوة مع الأدوات الخارجية الأخرى لإيجاد الفعل
المطلوب.

فالأمر الأول مخلوق كله لله عز وجل،أي إن الله هو الخالق للعناصر التي لابد منها لولادة الفعل وظهوره. وهي
الأعضاء والقوة السارية فيها والأدوات الخارجية التي لابد منها.



ولكن هب أن هذه الناصر كلها موجودة مهيأة
لديك ، بما فيها القوة السارية في الأعضاء . هل يعني ذلك وحده أنك قد فعلت شيئاً؟
من الواضح أن تكامل هذه العناصر كلها لا يعني ولادة الفعل ووجوده على صعيد الواقع
. والسبب في ذلك أن الأمر الثاني لم يتحقق.

والأمر الثاني-كما علمت-انبعاث القصد
إلى استخدام هذه العناصر بما فيها القوة ،لإيجاد الفعل المراد وتنفيذه، وهذا الانبعاث
الداخلي الذي قد تسميه العزم ،أو التوجه، أو الاختيار،أو اتخاذ القرار، هبة من
الله متع بها الإنسان، جعله بها مريداَ مختاراَ،وجعلها مناط وأساس التكليف
للإنسان.

فإذا توجه قصد الإنسان إلى القيام
بفعل ما ، وعزم على تنفيذ ذلك بدون تأخير ، أخضع الله لعزمه تلك العناصر التي
ذكرناها، وأجرى ذلك الفعل على يديه.
إذن فمادة الفعل وعناصره بخلق الله،واستيلاده حصولا وتنفيذا ثمرة لقصد الإنسان وعزمه: ولما كان الشيء الذي ينسب
من ذلك كلّه إلى الشخص الفاعل إنما هو قصده وعزمه، فقد كان ذلك هو مصدر الجزاء في
أعماله.


وإذا عدتَ إلى كتاب الله تتدبر قراره
بهذا الشأن، رأيته يربط الثواب والعقاب بالقصد لا بالفعل وعناصره التي هي من خلق
الله. فيقول( لا يكلِّف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)
(البقرة :2/ 286 ) ويقول (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) (البقرة:2/ 225 )
والكسب هو تحري الشيء بالقصد إليه والعزم على فعله، سواء كان المكتسَب خيرا أو شرا
.

ولو كان الجزاء الإلهي ، على عناصر
الأفعال الصادرة من أصحابها بعد الذي علِمناه من أنّ هذه العناصر كلها بخلق الله ،
لاستدعى ذلك أن نقول بأن الله هو الفاعل لها لا الإنسان ، وعندئذ ينسب كل ما يصدر
عن الإنسان من المعاصي والطاعات إلى الله فيقال : الله هو الذي صلى أو صام أو سرق
أو بغى .. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.


إن الذي يزيح هذا الوهم عن العقل ما أوضحتُه لك من أنّ تكامل عناصر الفعل لا يعني ولادة الفعل ،ومن ثم فإن هذه العناصر ليست
بحد ذاتها مناط ثواب ولا عقاب.وإنما الذي يحيل هذه العناصر إلى فعل صادر منفّذ ،
توجه القصد الذي يرقى إلى درجة العزم ، إلى استخدام هذه العناصر لاستيلاد الفعل
منها . وهذا التوجه إنما هو من الإنسان بموجب الهبة التي منحه الله إياها ،ومن ثم
فهو مصدر الثواب والعقاب وسبب كل منهما


****

ولكن هذا الذي أوضحته قد ينبه هذا المعترض إلى اعتراض آخر يقف عنده متصورا أنه قد وقع من ذلك على أمنية غالية لا
مفرّ منها ! .. قد يقول :إن الدليل الذي اعتمدت عليه في الجزم بأنّ فعل الإنسان
إنما يتم بخلق الله ، يقتضي الجزم بأنّ قصد الإنسان إلى الفعل إنما يتم هو الآخر بخلق الله.إذ إن الدليل الذي اعتمدت
عليه في أن الأفعال من خلق الله هو قوله تعالى (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) (الفرقان:25 / 2) وقصد الإنسان إلى فعل شيء ما
،من الأشياء الداخلة في عموم الآية المذكورة .إذ الشيء في أصح ما ذكره علماء اللغة
هو الموجود. والقصد الذي يتمتع به الإنسان في تصرفاته الاختيارية موجودة يقينيا.


وإليك الجواب عن هذا الإشكال :

إن قصد شخص ما إلى طاعة أو معصية بفعلها ،حالة يتمتع بها الإنسان ولا شك أنها تنسب إليه.. ولكنها متفرعة عن ملكة
جهزه الله بها ، هي ملكة الاختيار والقدرة على العزم واتخاذ القرار.


فطاقة الاختيار التي تتمتع بها بشاهد من شعورك وإحساسك، ملكة كلية راسخة في كيانك أوردك الله إياها ومتعك بها . فهي بلا شك من خلق
الله،بها غدوت حرا مريدا .

وهذه الملكة الكلية موجودة لديك
قائمة بكيانك ،حتى عندما تكون ذاهلا عنها، غير مستعمل لها .





فما هو الجديد الذي يمكن أن يضاف إلى هذه الملكة المبثوثة بخلق الله في كيانك ، عندما تمارسها بالقصد الذي تتوجه به إلى
فعل ما ؟ليس ثمة جديد يمكن أن يضاف إلى أصل هذه الملكة سوى شعور صاحبها بأنه قد
نقلها من طور القابلية المجردة إلى طور الممارسة ،أي إلى طور تعلقها بمراد جزئي معين ، كطاعة ما أو معصية ما.


والحصيلة العلمية لهذا الكلام أن ملكة الاختيار بمعناها الكلي المجرد ،مخلوقة من الله عز وجل وهدية منه للإنسان
..أما تعلقاتها بجزئيات الأمور والمقاصد فمن ممارسته التي تنسب إليه .وهي مناط
الثواب والعقاب.


ومن الخطأ أن تقول : إن هذه الممارسة
بحد ذاتها هي الأخرى بخلق الله منفصلا أو مستقلا عن الملكة المبثوثة كقابلية في
كيانه . لأن هذا لو صح لكان ذلك يعني سلب الاختيار عن الإنسان وتسييره في مجال
التصرفات بإجبار الله له على ذلك . وإذن لتساوى هذا الذي متعه الله بملكة الحرية
والقدرة على اتخاذ القرار، مع من لم يمتعه الله بهذه الملكة ، إذ هما يصبحان في
النتيجة سواء .في حين أن بداهة الحس والشعور تحكم بالفارق الكبير بين هذا وذاك ،أي
بين الحر في تصرفاته والفاقد لها .

***
ولكن لا بد أن نعود فنقول : إن الله
عادل في كل أحكامه، وسائر شؤونه، ومعنى الظلم لا يمكن أن يصدق على مالك الكون
وخالقه وصاحب التصرف فيه ..والذي عُمِّيَ عن هذه الحقيقة ،يقيس الله على عباده ،
فيجيز لنفسه أن ينسب إليه كل ما ينسبه إليهم . وهذه سفاهة فكرية أخرى أشنع من تلك،
ومن كان عبدا لعصبيته استمرأ التيه واستأنس به واتخذه محاميا عنه.



[/size]

من كتاب (( لا يأتيه الباطل)) د. محمد سعيد رمضان البوطي ص 125 -131












avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 9707
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

رد: يخلق الله عمل الإنسان ثم يعاقبه عليه!!..

في 2011-03-06, 00:20
من أن الظلم لا يتصور في ذات الله عز
وجل. لأن الظلم هو التصرف بحق الغير بغير إذنه. والكون كله بكل ما فيه حق الله
وملكه،

ولكن هل الأفعال التي تصدر عن
الإنسان هي مناط الجزاء ، أي الثواب أو العقاب ؟لا..ليست هي المناط كما يظن
السطحيون.

لو كانت هي المناط لاستوى المختار في
عمله والمجبر عليه. ومن الواضح أنهما لا يستويان..

المختار هو الذي يجازى والمجبر ليس
مناط أجر ولا جزاء .

والحصيلة العلمية لهذا الكلام أن ملكة الاختيار بمعناها الكلي المجرد ،مخلوقة من الله عز وجل وهدية منه للإنسان
..أما تعلقاتها بجزئيات الأمور والمقاصد فمن ممارسته التي تنسب إليه .وهي مناط
الثواب والعقاب.

..............................

اختيار موفق للموضع وخاصة أن أجيلنا الجديدة التي بهرت بالتطور الحضاري ثم لم تحسن استخدامه يسهل على أعداء الأمة أن تشكك هذا الشباب بدينه من خلال حجة الحوار العقلي [ونقص المعلومات الدينية والحججية] ....
استوقفي في آخر المقالة الحديث عن الاختيار ...
وهذه القضية قضية أن الإنسان مخير أم مسير الحمد لله أنها لم تدم طويلا في ذهني بسبب الوصول إلى حلها بشكل سريع إن شاء الله ... .. وأرجو الله أن يخلص شبابنا من كيد الكائدين والمشككين ... خاصة بعد تباعدنا عن أمور الدين [قبل هذه العودة التي نرى آثارها قد بدأت تينع خيرا والحمد لله]
شكر جزيلا على جهودك واخياراتك الرائعة للمواضيع والكتّاب .... فالدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أعتبره في قمة العلماء الذين يستمع لأقوالهم إن لم يكن الأول مضاف إليه الدكتور محمد راتب النابلسي ..... وعلماؤنا الأجلاء كثر والحمد لله وما علينا إلا الاستماع لهم وقراءة كتبهم

جزاك الله وإيانا وسائر المؤمنين كل خير

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى