يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 8376
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

المحاضرة السادسة نقد عربي حديث د. خالد الأعرج

في 2010-12-06, 15:31

بسم الله الرحمن الرحيم
النقد الثقافي، النظرية والمنهج عند الغذّامي


كنا قد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن النقد الثقافي للغذّامي في المجال النظري، أما اليوم فسنتحدث عن النقد الثقافي عند الغذّامي في:

2- المجال التطبيقي:

بدايةً، نبدأ بتمهيد بسيط لنصل في نهاية المطاف إلى تطبيقات النقد الثقافي:

إن الغذّامي مارس النقد الثقافي منذ البداية، ودعوته لكتابه قائم برأسه ليست بياناً لما سيأتي، إنما هي تتويج لجهد طويل تبلورت ملامح عبر ممارسة مباشرة إلى أن استقامت دعوة فكرية يريد منها التنبّه إلى ضرورة التخلص من الانحباس داخل أسوار مغلقة تحول دون أن تنقل الممارسة النقدية إلى ممارسة ثقافية لها فائدة عملية في التاريخ والواقع.

يجادل الغذّامي حول الوظيفة التي أَسَرت النقد الأدبي الحديث في سياجها المغلق، ويحتج على هدف تلك الوظيفة التي تتركز في أنّ النقد اقتصر على نوع من القراءة الخالصة والتبريرية للنصوص الأدبية ويريد من النقد أن ينخرط في كشف العيوب النسقية المختبئة خلف النصوص أو فيها، ومن ذلك يريد القول: إن الوظيفة التقليدية للنقد أضفت إلى الأدب والثقافة نوعاً من "العمى الثقافي". وسنفهم حالاً بأن الوظيفة التي يقترحها للنقد ستقود إلى "البصيرة الثقافية".

فالغذّامي لم يقتصر في دراسته على الظاهر، بل تناول الدلالات العميقة في أي نص، فهو يريد من النقد أن يكشف هذه العيوب وألا نكون في حالة وئام مع النص.

والنسق مصطلح يتكرر عند الغذّامي، فماذا يعني الغذّامي به؟

والنسق: هو الشيء الثابت والمهيمن والأزلي والتاريخي في شخصيتنا كما يقول الغذّامي، وهو يحدد النسق بأنه قد يكون له طبيعة تاريخية أو أدبية أو جماعية، فما يجمعنا الآن هو نسق واحد وهو انتماؤنا للثقافة الإسلامية، وبالمقابل يمكن أن تتعدد هذه الأنساق عبر فئات أو عبر مجموعات، ولذلك هو يقترح بأن يعطينا بصيرة نقدية ثقافية، هذه البصيرة هي التي ستكشف العيوب النفسية في الثقافة والسلوك على حين أن الوظيفة التقليدية للنقد من خلال دراسة النصوص الأدبية أضفت إلى الأدب والثقافة نوع من العمى الثقافي[1].

ومع أننا لا نوافقه على أن الشعر أهم ما في الثقافة العربية، لكننا نشاطره الرأي بأن الشعر والشروط الذوقية التي قامت بتنسيقه، والمحضن والثقافي الذي أسهم في قوله أو إنشاده أو تدوينه أو تداوله قد أدت إلى "شعرنة الذات وشعرنة القيم".

وشعرنة القيم: أي تحميلها بالأبعاد الشعرية، فهو يعتبر ديوان العرب مدوّنة لا تقدر بثمن تضخّ عبر الزمن منشطاتها النسقية في تضاعيف الشخصية العربية إلى حد جعلها شخصية متشعرنة.

يريد الغذّامي أن يقوّم النقد الثقافي بوظيفة فك الارتباط بين المؤثر والمتأثر بين سلبية الأثر الذي تركه الشعر والشخصية العربية ومن خلال ذلك يقرر أن الوظيفة التقليدية قد كرّست تلك العلاقة، كرستها لأنها شُغلت بالأبعاد الفنية لها، ولم تجرؤ على اختراق الحجب, فقد كانت مصابة بالعشق وبشكل من الأشكال كانت عمياء -كما يقول الغذّامي- وغير قادرة على التمييز لأنها تفتقر إلى الوظيفة النقدية الجذرية التي تقوم بتنشيط دائم للمضمرات الدلالية القابعة خلف الغلالة الضيّقة للنصوص.

فنحن يسكننا خوف مبالغ فيه من الفوضى ولهذا نلوذ دوماً بالتفكير التلقيدي والقيم والعلاقات النسقية قَصْدَ تجنّب المخاطرة والاكتشاف والميل إلى الأمان الذي هو في نهاية المطاف المحضن المناسب للشخصية الامتثالية والولائية.

هذه المهمة لوحدها تعتبر ناقصة، ولكي تكتمل لا بد من التوسع بمهمة النقد ليشمل نقد المؤسسة المنتجة للثقافة والتي تروّض العقل والذوق والسلوك وتسبغ على الثقافة صيغاً نمطية وتصطنع قيماً ثقافية هزيلة وتشيع ضروباً من الإنتاج النقدي الذي يسهم في إذابة فاعلية الأسئلة وحجر المزعجة منها، وإقامة الحد على الجريئة التي يدفعها الفضول المعرفي إلى كشف المسكوت عنه.

ويقول الغذّامي: ما نحتاج إليه هو نقد الوظيفة التقليدية للنقد بل ونقد المؤسسة التي تحرص على تثبيت تلك الوظيفة، هذه المؤسسة التي تروّض العقل والسلوك وتصنع الثقافة النمطية.
v تطبيقات النقد الثقافي عند الغذّامي:



1- بعد عرض الإجراءات النظرية المنهجية للنقد الثقافي يتحوّل الغذّامي إلى مهمة تطبيقه وظيفيّة في مجال البحث، ويبدأ باستنطاق الأخطاء النسقية التي غَزَتْ الشخصية العربية بفعل الشعر.

2- وتستأثر تحليلاته إلى نهاية الكتاب فكرة مؤدَّاها أن العيوب النسقية في الشعر العربي هي السبب في عيوب الشخصية العربيّة، فقد انبنت تلك الشخصية في ضوء المواجهات الشعرية الفاعلة، وفي مقدّمة ذلك شخصية الطاغية/المستبد، التي هي إحدى تجليات الفحولة، ذلك المفهوم المستقر في الشعر العربي القديم، فقد ورثت تلك الشخصية القيم الشعرية وتمثلتها فأصبحت مكوناً أساسياً من مكوناتها في العلاقات والسلوك، واستثمر العربيّ تركة الشعر قيمياً فتشربها، فاستبدت به وامتثل لها، فصاغته صوغاً شعرياً.

3- فالشعر ديوانُ العرب، وصار الشعر مُغذّياً لشخصية العربي، واحتلّ فيها الشعر الذاكرة العربيّة، فصار الخيال العربي يولِّد صوراً نمطية تطابق المهيمنات الشعرية، كالتمركز حول الذات، وإلغاء الآخر، والافتخار بالفحولة والتباهي بها، والطرب للوجدانيات، والتنكّب والعقلانيات، والإعراض عن القيم الجماعية والتعلّق بالفردية.

4- والغذّامي يقول: إنها سماتٌ نسقية زرعها الشعر في الشخصية العربية فصارت علامة دالة، وأصبحت الثقافةُ العربيةُ تتسم "باللافاعلية واللاعقلانية" كلّ شيء تشعرنَ كما يقرر (صاحب النقد الثقافي).

5- ويعالج الغذّامي الكيفية التي تحولت فيها وظيفة الشعر الجماعية إلى الوظيفة الفردية في نهاية العصر الجاهلي، والتي أدّت إلى ظهور مفهوم الفحل الذي سرعان ما غادر حقله الدلالي الشعري، فصار مفهوماً ثقافياً اجتماعياً.

6- والقصيدة التي أسست لهذا التحوّل هي معلقة عمرو بن كلثوم التي بالغت في فرديتها، واطرد ذلك في الشعر مروراً بالفرزدق وجرير ثم أبي تمام والمتنبي وصولاً إلى نزار قباني وأدونيس، لكن المتنبي هو المترجم الأكبر للضمير النسقي بل إنه "الأب النسقي".

7- وقد شاعت مفاهيم الفحولة والفردية والأبوة، وتسللت إلى الذات العربية، وحصل هذا التحول العظيم في وظيفة الشعر حين تخلى الشاعر عن وظيفته العمومية ليكرّس شعره لغاياتٍ شخصية تمجد ذاته فخراً، ومانحه المال مديحاً، كلّ ذلك -بحسب الغذّامي- وقع في الممالك الواقعة على الأطراف الشمالية لجزيرة العرب، تلك الممالك المهجنة من قيم عربية وأجنبية (الغساسنة، والمناذرة) فاستقدم ملوكُ المناذرة والغساسنة شعراء مدّاحين وعقدوا معهم صفقة تقوم على المدح/المنح، وهذا ما لم يعرفه العربُ في جزيرة العرب واليمن، حدث ذلك في العراق وبلاد الشام، وتسرّب عنصر دخيل كمزيج للتأثر العربي بالطقس الإمبراطوري الفارسي والرومي، حيث شخصية الملك المطلق بصفاته المتعالية ومنزلته المتفردة.

8- ويعتبر الغذّامي أن كلاً من النابغة والأعشى الممثلين للحظة فساد وظيفة الشعر، وذلك حينما التحقا بممالك سرقت وظيفة القبيلة وشوهتها، وبها خلطت قيماً أجنبية، وكرست نسقاً ثقافياً قوامه تعبئة الذات بالشعر الفردي الذي هو فن الاستعلاء,

9- ويرجع الغذّامي سلطة الشاعر إلى قدرته البارعة في المزج بين الترهيب والترغيب؛ أي الهجاء والمديح. والأول يضع الممدوح تحت حالة خوف، والثاني تحت طائلة فضل، وبالأساس كان الشاعر مخيفاً، لأنه يتوسل بأداة مثيرة للخوف، مستعيناً بالهجاء الذي يرتبط أصلاً بالسحر وصبّ اللعنات على الخصم، استثمر الشاعر ذلك فأرهب ورغّب.

10- تجسد ذلك أول مرة بالحطيئة، المُدشّن الأول لهذه الثنائية، والمؤسس الأول لنسقٍ يضمر في داخله ترهيب الآخر وترغيبه، وبهذا فالحطيئة مخترع الجملة النسقية، التي تمزج المدح بالهجاء.

11- ورث المتنبي ذلك وطوره وبلغ فيه أقصى مداه، فمدائحه التي تشكل لبّ ديوانه تضمر الذم من تحت الثناء، هذه الإستراتيجية المضمرة تعمُّ (السيفيات)، وتظهر بجلاء في (الكافوريات)، ولم يكن أبو تمام بمنأى عن ذلك، فقد كان المديح الملتبس بالهجاء، هو الأساس الفاعل في ديوانه.

12- لقد تجمعت محمولات هذا النسق فأصبحت مُغذياً سلوكياً وعقلياً للذات العربيّة، فصناعة الطاغية ميسورة في هذه البلاد، لأنها تجسيد وتحقيق لتلك المحمولات النسقية التي دعا إليها ورسخها الشعر منذ القدم، وشخصية الطاغية بمقدار ما هي صناعة شعرية، فهي الوسيلة التي بها نعيد إنتاج محمولات شعرنا منذ نهاية العصر الجاهلي إلى الآن.

13- فالطاغية كالشاعر المدّاح مفرط في أنانيته، مستبد برأيه، متطابق بهوس مرضي مع نفسه، استعراضي، لا يقبل شراكة الآخرين في الرأي والسلطة وحتى المال وفحل الطاغية صناعة عربية كما يقول الغذّامي.

14- فمنذ العصر الجاهلي يحمل النسق الشعري نمط الفردية، والفحولة، والاستعلاء، وزرع قيم الأنانية، والاستبداد وتهميش الآخر، ذلك هو النسق المهيمن عند كبراء شعرائنا، كالفرزدق وجرير في العصر الأموي، وأبو تمام والمتنبي في العصر العباسي، ونزار قباني وأدونيس في العصر الحديث.

15- وما دام النقد العربي مشغولاً بالأبعاد الفنية للنصوص، ولا يمتلك جرأة مساءلتها فليس أمامنا إلا أن نعلن وفاته ونعلن في الوقت نفسه عن ولادة النقد الثقافي، لإنجاز هذه المهمة. وهذا هو الأفق الذي يتحرك فيه مشروع النقد الثقافي، إنه أفق مشبع بالآمال العريضة ويعبّر عن حاجة حقيقية لتجديد فاعلية النقد.

النقاط الأساسية لنقد الغذّامي في المجال النظري والتطبيقي:

شهد مسار الغذّامي النقدي تحولات عدة، ومن ذلك اسهامه في مجال كشف الإكراه الذي تعرضت له المرأة كياناً وثقافة، وتوّج ذلك بالنقد الثقافي.

ومع ذلك فنحن نقول: إن أسوأ ما تتعرض له الأفكار النقدية من خطأ هو أن تتحول إلى جملة من المسلمات، كالمسلمات التي يعمل عليها الغذّامي، ولذلك سنتوقف عند النقاط التالية:

1- لعل أكثر الأمور المثيرة للاختلاف في مشروع الغذّامي النقدي منطلقه أن الشعر هو الذي طبع الشخصية العربية، وهذا أمر متصل بنظرية الأدب، فالسؤال: هل يصاغ العالم الواقعي بعلاقاته الاجتماعية والنفسية، والرغبات والتطلعات في ضوء المنظومة الخطابية الشعرية؟

لقد ناقشت نظرية الأدب ذلك من خلال نظرية المحاكاة في الفلسفة الإغريقية، ونظرية الانعكاس لدى الماركسيين....

فالقول: إن العالم النصي يصوغ العالم الواقعي قول يحتاج إلى تفصيل، تجنّب الغذّامي الخوض فيه، مع أن كل أطروحاته النظرية تقوم عليه، فالقول: إن النسق الشعري صاغ الذات العربية تحتاج إلى برهان لم يقم له وجوده في كتابات الغذامي.

2- يقوم الغذّامي بانتقاء جزئيات يضخّمها ويجعل منها قانوناً متحكماً، فالقارئ اليقظ يتفاجأ منذ اللحظة الأولى أن الغذّامي صادر على المطلوب حين طرح مجموعة من الأسئلة التي تحمل أجوبتها معها، من ذلك:

هل الحداثة العربية حداثة رجعية؟ هل جنى الشعر العربي على الشخصية العربية؟ وهل هناك علاقة بين اختراع الفحل وصناعة الطاغية؟

وبعد أن تنتهي هذه الأسئلة تأتي الإجابة بعد أسطر:

(آن الأوان لأن نبحث في العيوب النسقية للشخصية العربية المتشعرنة والتي يحملها ديوان العرب، وتتجلى في سلوكنا الاجتماعي والثقافي عامة).

هذا الانتقاء أدى إلى نتائج خطيرة في رأينا، فكما عثر الغذّامي على إشارة دالة على الافتخار والفحولة والتعاظم قال: هذه جملة ثقافية نسقية.

إن الأسلوب التفتيشي هذا يحول دون الأخذ بالبعد العلمي، فإذا لم تتواتر هذه الأدلة وتعم النتاج الشعري العربي كاملاً، فلن تتحول إلى ظاهرة مؤثرة.

إن شيوع الروح التفتيشية التي تعزل مفردة عن سياقها يُعيدنا إلى النقد التقليدي البلاغي الذي دعا الغذّامي نفسه إلى تخريب ركائزه.

3- يشدد الغذّامي على أن الأنساق الثقافية أنساق ثابتة وأزلية وتاريخية، فكيف تكون ثابتة وهي نتاج سياقات ثقافية متحولة ومتجددة؟

4- يؤكد الغذّامي أن الشعر هو الخطاب الذي احتكر مشروع "التحديث في الثقافة العربية"، ومع أن هذا القول بحاجة ماسة إلى فحص وتحليل كي نتثبت منه، وبخاصة مع وجود مسرح ورواية وقصة، وهو يصطدم بقول الغذّامي: إن الحداثة العربية حداثة رجعية.

5- إن فكرة للغذامي القائلة: (إن الشعر صاغ عيوب الشخصية العربية وأدى إلى صناعة الطاغية)، تحتاج إلى تحقيق، فهل الشعر والمديح من صنع الطغاة أم أنه قام بصناعتهم، وأين التحولات التي شهدتها أغراض الشعر عبر الحقب؟ ألم تتوارى في عصرنا كثير من الأغراض التقليدية؟!

6- برهن الغذّامي على مركزية الشاعر في المجتمع العربي، وأن له سلطة كبيرة، إلا أن كبار الشعراء العرب، من العصر الجاهلي إلى الآن مهمشين في مجتمعاتهم.

فلنتأمل مصائر الشعراء: (امرؤ القيس، طرفة، عنترة، الأعشى، كعب بن زهير، أبو نواس، أبو العلاء، المتنبي، السياب، حافظ إبراهيم، أمل دنقل، أدونيس..) جميعهم جرى تهميشهم اجتماعياً وثقافياً، فالمجتمعات الثقافية نبذت الشعراء، وهذا ما يشير إليه التاريخ الثقافي، وهذه قضية تحتاج إلى تدقيق.

ملاحظة: بالنسبة لحلقات البحث عن الدكتور (خالد الأعرج)، فإنّ الدكتور سيبدأ باستلامها ابتداءً من يوم السبت القادم أي في 4- 12- 2010، وسيستلم في يوم الأحد ويوم الخميس كذلك.
تمت بعون الله





[1] العمى والبصيرة: هو عنوان كتاب للناقد الفرنسي (بول دي مان) يتساجلان في أطروحة الغذّامي، وهو ينتصر منذ البداية للبصيرة، البصيرة النقدية النافذة التي لا تتردد في كشف العيوب النسقية في الثقافة والسلوك، وهو قبل هذا يعزو إلى الشعر صناعة الاستبداد وإشاعته في حياتنا.

مكتبة الفرقان

الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى