يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 8901
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

المحاضرة السادسة نقد عربي حديث د. خلود

في 2010-12-06, 15:22




مكتبة الفرقان ترحب بكم

كنا قد تحدثنا في المحاضرة السابقة عن حياة محمد عبد الحميد موسى مندور، ومحمد مندور هذا رجلٌ لم يكمل الستين من عمره بيد أنه كان له صولة وجولة في ميادين النقد الأدبي الحديث.

هذا الرجل كان له قيمة علمية كبيرة في ذلك الوقت، وكما تحدثنا في المحاضرة السابقة، سافر إلى فرنسا في رحلة علمية، عسى أن ينال إجازة الماجستير والدكتوراة هناك، وعرف بأنه رجل حقوق، فقد علمنا جميعًا أنه تخرج من كلية الآداب وكلية الحقوق, فكان يدرس الحقوق صباحًا والآداب مساءً، وهذا كان معروفًا في جامعة القاهرة، فحصل على الشهادتين معًا.

كان حقوقيًا لأنه حين كان يجد بعض المنغصات في كلية الآداب، وكان يجد عملًا آخر له من خلال الصحافة, كما كان يعيش في ظل الاستعمار، فبداياته كانت في ظل الاستعمار، فحاول أن يكافح وفقًا للمكانة أو المهنة التي ينتمي إليها.

ولكل منا وظيفة معينة، وليس شرطًا أن نكون جميعًا في صفوف المقاتلين، فهناك من يخطط، وهناك من ينفذ، هناك من يعمل،.. وكلٌّ في مكانه وفي ميدانه.

كان هذا الرجل ممن كتب في الصحافة كتابات حضت الثوار على الاستعمار وعلى إخراجه من أرض مصر آنذاك، وعرف بقوته الفكرية، وفي الوقت نفسه، حين اكتشفه أستاذه طه حسينوجد فيه فكرًا نقديًا، وحين ذهب إلى فرنسا لم يحصل على الشهادات، فهو رجل لا تهمه الشهادات بقدر ما حصل على درجة من العلم.

وكلنا يعلم بأنه تأثر بـ: رامبو، وتأثر بأعلام النقاد والآداب والأساتذة، والأساتذة الجامعيون هناك هم عبارة عن مجموعة من النقاد الحقيقيين الذين كان لهم أثر كبير في عالم النقد.

وبالرغم أنه لم يحصل على الشهادة -كما تمنى ذلك أستاذه طه حسين- بيد أنه حصل على فكر جيد، فقد صقل فكره، وهذّب طريقة التفكير أكثر من الفكر، فطريقة التفكير اختلفت، إذ وجد هناك أشياء كثيرة حاول أن يضمها في ثناياه وفي تضاعيف فكره لكي ينتجها من جديد في وطنه.

وحين خرج من جامعة الإسكندرية بعد أن حصل على شهادة الدكتوراة، ولم يمقت أستاذه طه حسين رغم كل المآسي التي حصلت له منه، بل أنه لم يذكره إلا بكل خير، وكان دائمًا يقول أستاذي وأستاذي, فقد أحبه حبًا كبيرًا، إذ ساعده مساعدة هائلة، بيد أنه لم يحصل على ما يريد من هذا الطالب النجيب.

هذا الرجل ترك أثرًا كبيرًا في الساحة النقدية، وهذا واضح في كتبه، وقد ألف أكثر من ثلاثين كتابًا في النقد, نقد الشعر، ونقد النثر، ونقد المسرح، وأسس معالم للنقد العربي الحديث.

ماذا فعل هذا الرجل؟

على العكس من عباس محمود العقاد, فعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني اللذين كتبا كتاب (الديوان) لم يفعلوا ذلك، هم فقط حاولوا أن يؤسسوا ويبدؤوا بإشهار المدرسة الرومانسية التي تقوم على غلبة العاطفة على العقل وعلى ترك أو نبذ الأدب التقليدي.

ومحمد مندور رغم معاصرته للعقاد وصداقته الكبيرة معه، إذ كان صديقًا للعقاد وللمازني، ولكن كان لكل منهما اتجاه خاص به وفكر خاص به, لم يكن هناك رأي واحد بالرغم أيضًا من أن محمد مندور خرج إلى الغرب.

وقلنا: إن الغرب كانوا يغلّبون التقليد، فكان لديهم شيء سيئ، فقد كانوا يغلّبون العاطفة والرأي والتذوق الشخصي والحالة الذاتية للناقد.

وهذا كله كان في فكر هذا الرجل العظيم نقديًا, وهو عظيم حقًا، وقد كان مبدعًا بحق، وكان رائدًا من رواد النقد العربي الحديث.

ولكي نفهم ما هو الفكر النقدي عند هذا الرجل لابد أن نعرج على أهم الخصائص النقدية في فكر محمد مندور. وسنتحدث اليوم عن تلك الخصائص، وبعد ذلك سنقف وقفات -ليست بالقصيرة- عند بعض كتب هذا الرجل المتميز بحق.

الخصائص العامة في نقد محمد مندور:

1- الاعتدال:

الاعتدال في رؤيته للشعر، ثم بعد ذلك في رؤيته للنقد، وبعد ذلك في رؤيته لأشياء أخرى.

أولًا: من ناحية الشعر: نظر إلى أدب هذه الأمة وجد أنها تتنازع بين أمرين:

1- الأمر الأول: الشعر الإحيائي التقليدي، والذي يقوم على الإحياء والبعث.

2- الأمر الثاني: الشعر الرومانسي، والذي يقوم على غلبة العاطفة والوجدان الفردي أو الجماعي.

ماذا فعل هذا الرجل؟

هو لم يقل كما قال عباس محمود العقاد الذي عاصره, الذي قال: نحن ضد الشعر التقليدي الإحيائي، ونحن مع الشعر الذي ينبعث من الوجدان.

هذه حقيقة، ونحن لسنا ضدها, لكن المقصود منها ليس صحيحًا، ماذا فعل هذا الرجل مندور-؟

قال: لا. بمن ضرب عباس محمود العقاد مباشرة ؟

ضرب بهرم الشعر التقليدي العربي أحمد شوقي.

وكان أحمد شوقي يلقب بـ: (أمير الشعراء)، فهو ضرب بـ أحمد شوقي على اعتبار أنه أمير الشعراء. إذًا: ألغى كل الشعر التقليدي، هذا كان غرض عباس محمود العقاد.

ماذا فعل مندور؟

محمد مندور -صاحب هذا الفكر النيِّر- آمن بكلام العقاد، واستشهد بكثير من آراء العقاد، وهذه حقيقة، ولكنه لم يفعل فعلة العقاد، فقد كان له رأيه الخاص.

قال: أنا أفهم أن هناك جمالية للشعر، وليس هناك شعر قديم، ليس هناك شيء اسمه شعر إحيائي يقوم على التقليد، وليس هناك شيء اسمه شعر رومانسي يقوم على غلبة الوجدان الفردي أو الجماعي.

قال: لا, ونحن نؤمن بشيء اسمه الشعر, جمالية الشعر, الشعر الجميل، أينما كان، فأنا مع هذا الشعر، كما كان له رأيه الرائع في الشعر الجاهلي، وخاصة إذا عومل بأدوات نقدية حديثة.

الآن، هذا الأمر يطبق في جامعاتنا وفي دراساتنا الأكاديمية، إذ إن كثيرًا من الدراسات تدرس الأدب القديم سواء كان الجاهلي أو العباسي ولكن بأدوات نقدية جديدة حديثة تقوم على الثقافة.

قال مندور: لا يجب أن نطرح الشعر التقليدي نهائيًا؛ لأن هناك شعرًا نابعًا, هناك شعر عمودي يقوم على التقليد، ولكنه شعر جميل ونحبه.

ونحن نعلم جميعًا أن لأحمد شوقي أشعارًا رائعة، وهذا أمر لا غبار عليه، يعني نحن دائمًا -كعادة العرب- نفضل هذا أو هذا أو ذاك، نحن دائمًا إما هذا وإما ذاك، ليس لدينا هذا الفكر الاعتدالي، وهذا الفكر كان من تأثير الثقافة الغربية الفرنسية تحديدًا في فكر مندور.

إذًا، في نقد الشعر عند مندورليس هناك فرق بين الشعر الإحيائي القائم على التقليد والبعث، وبين الشعر القائم على الوجدان الرومانسي، فمنذ ذلك الوقت لاحظ الفرق بين الشعر التقليدي وشعر التفعيلة.

وشعر التفعيلة يقوم على وحدة التفعيلة ولا يقوم على الأوزان الشعرية -البحور المعروفة-.

فإذا أردنا أن نأخذ تفعيلة واحدة من بحر مثلًا: فعولن مفاعيلن, فإنه يأخذ فعولن مفاعيلن، لكنه يوزعها وفقًا للحالة أو الدفقة الوجدانية الشعورية في لحظة الكتابة.

ماذا يشعر الشاعر؟

الشاعر يكتب.

ليس هناك تحديد, فأنت تقرأ الشطر الشعري فتعرف كل موسيقا القصيدة، في حين أنك في شعر التفعيلة لا تمتلك ذلك، فقد يكون في الشطر الأول تفعيلة وفي الشطر الثاني تفعيلتان, وقد يكون هناك أكثر من وزن، أكثر من تفعيلة في قصيدة واحدة، هذا كله تنوع في موسيقا الشعر، والتي فيما بعد كان لها تغييرات هائلة وواسعة سنذكرها في حينها إن شاء الله.

بل إنه -إلى الآن- في هذا العصر هناك بعض النقاد يضربون بشاعر التفعيلة وقصيدة النثر.

ومحمد مندور نفسه قال: "قصيدة النثر امتداد للشعر العربي", هذه القصيدة هي امتداد للشعر العربي فلِمَ لا نقرُّ بها؟

صحيح أنه غاب عنها شيء أو بند من بنود الشعر وهو الوزن أو التفعيلة، بيد أن هناك أشياء أخرى كلها تصب في صميم الشعر، كالدفقة الشعورية، وكالصور الفنية, كما أن قصيدة النثر تكون مليئة بالإيحاءات، فهذه الدفقات كلها من الشعر.

إذًا، أسقط أهم خصيصة كانت موجودة لدى القدماء، وهي الوزن. وقد آمن بذلك، وإلى الآن نحن نحارَب قصيدة النثر ولا تسجل رسالة الماجستير في قصيدة النثر أبدًا. نحن الآن نخاف ونخجل، ولكن هذا الرجل منذ سنين بعيدة قال: نحن مع التجديد وفي الوقت نفسه نحن مع مدنية الشعر, فقصيدة النثر إذا كانت قد فقدت بندًا من بنود الشعر فإن هناك بنودًا أخرى، لذلك قد تكون امتدادًا للشعر الحديث, كما الموشح الأندلسي هو امتداد للشعر القديم.

فهو لم يفرق بين شعر قديم وشعر حديث حتى وإن كان قصيدة نثر، فالمهم أن تتحلى القصيدة بالجمال، وبذلك أسقط محمد مندور الوزن العروضي حين اعترف بقصيدة النثر، وهذا الاعتراف كان خطيراً في ذلك العصر، لماذا؟

لأنّ قصيدة النثر لم تتبلور آنذاك، فأسقط مندور الوزن العروضي كمقياس للشعر، وأقر بوجود روح شعرية وإيحاءات وجمال فني خصب يدعم الشعر العربي الحديث بنوعيه التفعيلة والنثرية، فكان معتدلاً برؤيته للشعر لأنه آمن بوحدة الشعر.

لاحظوا هذا التفكير، إذا كان هذا الكلام صادقًا أو غير صادق فهذا الزمن كفيل بأن يثبت ذلك، ولكن هو في ذلك الوقت كان يفكر بطريقة حاسمة وذكية ومعتدلة، فلم يكن يتحيَّز لشيء ضد شيء آخر، وهذا ما عُرف به مندور في نظرته للشعر.

ثانيًا: من ناحية النّقد:

و مازلنا أمام خصيصة الاعتدال, فبعد تحدثنا عن الشعر، نتحدث عن النقد.

وكذلك كان في النقد، فكما آمن بالنقاد العرب المحدثين أو الغرب المحدثين آمن بالنقد العربي القديم، بل دعا إلى قراءة هذا التراث.

ما الفرق بين التراث والتاريخ؟

التراث: هو الجزء الحي الباقي من التاريخ. فقد قال وصرح: ما لم نستحضر بنود النقد القديم ونستوعب ذلك النقد لن نتمكن من بناء معالم حقيقية للنقد العربي الحديث, يجب أن يكون هناك استناد ليس بالاستناد الضعيف أو الواهي، بل استناد حقيقي لنقدنا القديم، وهذا كله كان واضحًا، فأخذ من القديم وأخذ أيضًا من المحدثين.

وكل كتبه كان هناك كلام عن طه حسين, ويحيى حقي, وميخائل نعيمة, ومحمد حسين هيكل، هو أحب القديم, وكان يؤمن بما كتبوا، وكان يستشهد بهم، وكان هناك جمعًا رائعًا بين النقد القديم والنقد الحديث.

اهتم بالنقد القديم: الجرجاني، والآمدي، والصولي،.. واهتم بالنقد الحديث: أولًا "طه حسين"، وقد أحبه فعلًا وأخذ منه العلم الوفير, و"ميخائيل نعيمة"، و أيضًا "عباس محمود العقاد" وهو من جيله بيد أنه خالفه في فكره، وأيضًا "إبراهيم المازني وهذا كله كان موجودًا وواضحًا في أبرز كتبه النقدية، كان هذا الاعتدال واضحًا ما بين استخدامه للنقد القديم والنقد الحديث.

أيضًا آمن بشيء اسمه: "الترجمة فقد عرف عن هذا الرجل أنه ترجم عن اليونانيين وترجم عن اللاتين وترجم عن الآداب الغربية وخاصة الفرنسية لأنه أتقن اللغة الفرنسية وهذا كله على ماذا يدل كما رأى؟

قال: أنا لست من خلال الترجمة أسيء إلى وطني، فعلى العكس تمامًا هو آمن بـ وحدة الحضارة, وقال: أنا أؤمن بأن هنالك عالمية للأدب الإنساني، فهذا كان موجودًا في كتبه أو في نقده، ورأى أن وحدة الحضارة لا تتعارض مع القوميات، بل على العكس هي عبارة عن حالة من حالات الاكتمال.

وباختصار، هذا الرجل كان معتدلًا في فكره، لم يتحيز لقديم على حديث سواء في الشعر أو في النقد, ولم يتقوقع أو يتكلّس حول ذاته رغم أنه سافر إلى فرنسا، بيد أنه لم يأت بالأفكار الفرنسية الطارئة، بل جاء بالشيء الحقيقي الثمين الذي يغني الطلبة, وكان ممن أخذ الأفكار أكثر مما أخذ شهادات، لذلك كان متميزًا كأستاذ جامعي أكثر من تميزه كعضو في هيئة تدريسية بين زملائه، كان محبوبًا جدًا من طلابه لأن لديه شيء جديد وغريب ومتميز، وكان بارعًا لأنه في الأساس كان ممتلكًا تلك الذات النقدية التي اكتشفها في يوم من الأيام عميد الأدب العربي طه حسين.

2- الشمولية:

جمع محمد مندور بين أمرين: بين ما هو عربي أصيل، وبين ما هو غربي نافع. أيضًا كما

قيل إنه كان يجمع في نقده بين أعمق ما في التراث، وأنضج ما في الإنسانية.

النضج من أين يأتي؟

يأتي ممن يعمل.

النقد العربي الحديث كان في حالة ركود وكان يرى ذلك, كان هناك ركود بسبب واقع خارج عن إرادة البشر آنذاك، كان هناك احتلال، كان هناك فقر، كان هناك استغلال، كان الرجل الذي يبحث عن لقمة عيشه، سواء كان من الطبقة المثقفة أم الطبقة العادية، فلم يكن هناك حالة من حالات التوجه نحو الفكر والوجدان, هذه أمور حقيقية، فالإنسان ما لم يحصل على الخبز لا يمكنه أن يأتي بأشياء مهمة، هذا يعد كمالًا، وهي في الواقع ليست كمالًا.

هذا الرجل جمع في نقده بين أعمق ما في التراث وأنضج ما في الإنسانية, كيف؟

لأنه أخذ الجزء الحي من التراث، قرأ التراث، نقل من لبناته الأولى, فليس هناك بناء يبنى من فراغ.

أنا الآن مثلًا- أخذت من الغرب، وأتيت بنقد حديث أو نقد معاصر، لا يمكن هذا ما لم يكن لدي تلك اللبنات، تلك الأسس، التي نبني عليها فيما بعد ما وسعنا الوقت, لكن ما لم يكن لدينا هذا النضج فلا يمكن لنا أن نحقق أي شيء.

لذلك هنا في الدراسات الأكاديمية نريد أن يكون الطالب ناضجًا, نريد أن نحقق أنفسنا، وإلى الآن هناك تكرار في كتب النقد القديم لأسباب كثيرة، وهناك تكرار بين النقاد، وهناك نقل، ولكن هناك بالتأكيد نضج وعمق، ولكن نحن من نستخرج ما نريد.

وقد ضاعت فترة أكثر من خمسين عامًا وهذه الكنوز دفينة، وهذا الجيل الآن في العشر السنوات الأخيرة بدأ يستخرج وبدأ يبحث, لماذا؟

لأنه امتلك ثقافة، يقرأ من الغرب، ويقول هذا ما قاله فلان، وإن كان ليس كما قال الغرب بالتأكيد, ففي الغرب هناك حالة من حالات الفيضان والعمق، لكنها إشارات، وهذه الإشارات ليست بالقليلة والبسيطة هي حقيقية وموجودة منذ سنين، لا نقول مئات السنين، وربما كانت منذ مئات السنين.

إذًا، نحتاج إلى استخراج هذه الكنوز عسى أن نحقق إنجازًا ما، وهذا الأمر الآن يجري سواء كان في الأدب أو في النثر، فبدأنا نتعامل بأدوات نقدية حديثة, كالأدب حديث، ولكن أيضًا نتعامل بأشياء تراثية.

هناك كلمة لطيفة قالها أحد النقاد:

"لقد تمكن محمد مندور -كما قال أحد النقاد- من الجمع ما بين الجلباب الريفي الأبيض، وما بين قبعة السوربون السوداء.

أي تمكن من الجمع ما بين الأمرين الجلباب الريفي أي الأصالة التراث، وما بين قبعة السوربون أي الإطلاع على الآداب الغربية، أو جمع ما بين النقد العربي والنقد الغربي.

عُرف محمد مندور بأنه تمكن من الجمع بين أعمق ما في التراث وبين المعاصرة, فهناك شمولية، أو حالة من حالات الشمولية التي حاول من خلالها محمد مندور أن يستفيد من الجهد الحقيقي للقدماء، وفي الوقت نفسه أن يستفيد من الباحثين الغرب فهو جمع بين الأمرين.

كيف تجلت الشمولية في فكر محمد مندور؟ تجلت من خلال ثلاثة روافد:

1- الروافد الغربية الحديثة:

وكلنا يعلم أن هذا الرجل ذهب إلى فرنسا ولم يحصل على شهادة الدكتوراة. هو دخل إلى الجامعات، وتأثر كثيرًا بأساتذة الجامعة هناك حين كان طالبًا، يقف الأستاذ الجامعي الفرنسي ويعطي, وكان لديهم شيء هناك اسمه "حصة" كما نحن نقول محاضرات- اسمها شرح النصوص، لكن هذا الشرح طبعًا كما يقول طه حسين: "كان يبحث عن الجمال في تفاصيل العمل الأدبي".

لاحظوا، الأستاذ الفرنسي يطلب من الطلبة أن يعطوا آراءهم، فأمامهم نص أدبي، وشرح النص الأدبي ليس كما في المدارس عندنا، كيف نشرح النصوص في المدارس؟

بشرح المفردات، نأتي بالكلمات الرديفة...., بيد أن الشروح هي عبارة عن تذوق، أي أنت والنص، وليس عبارة عن الإتيان بالمترادفات.

فإذا دخل التذوق دخل الجمال، وإذا دخل الجمال دخل الانطباع، والرؤى، وهنا تتضح آفاق النص من خلال القارئ.

إذًا، محمد مندور نهل من الروافد أولًا الروافد الغربية الحديثة, فتأثر بأساتذة الجامعة الفرنسية آنذاك، وعاش حالة من حالات التعمق في شرح النصوص التي كانت تبحث عن الجمال في تفاصيل العمل الأدبي.

فيأتي بصفحات، وهذا كله هذا البحث كان ناجمًا عن التذوق.

عاش محمد مندور ومات وهو يقول: الذوق الفني، التذوق أو الذوق الشخصي, لكن محمد مندور أتبعه بذكائه بكلمة مهمة فقال: الذوق الشخصي المعلل، فإذا ما وجدت خصيصة من خصائص هذا النص، وأتيت بها، هذا لا يكفي, يجب أن أعلل كيف ولماذا وماذا قصد الشاعر، وما هي جماليات هذه النقطة أو هذه الصورة الفنية أو البلاغية، نعم ذوق لكنه معلل.

التذوق الناجم عن الذاتية, والتعليل الفكري الموضوعي، فهناك مواضيع محددة, فجمع بذكاءٍ شديد بين الأمرين، بين التذوق وبين التعليل, الذوق الشخصي، إنما الذوق الشخصي ليس ذوقًا قائمًا على الميوعة وعلى آراء متعددة، بل إنه ذوق شخصي ومعلل.

هذا كله قاله محمد مندور، ولذلك حين عاد إلى الجامعة، وخاصة جامعة الإسكندرية [والتي درَّس فيها فترة ليست بالقصيرة، وإن كان قدم استقالته إثر نقاشات حادة مع طه حسين, وهو لم يتألم منه، فهو كان يطرده فيترك ويمشي, هو رجل في منتهى الإخلاص، فقد كان يتحلى بهذه الصفة العلمية المهمة وهي الإخلاص لهذا الرجل، حتى أواخر حياته كان يؤمن بفكر طه حسين، ليس فقط إيمانًا عقائديًا بفكره وعلمه، بل هو أيضًا أحبه حبًا مخلصًا].

فعلّم طلابه الاعتماد على الذوق الشخصي المعلَّل والبحث عن الجمال في تفاصيل العمل الأدبي، لذلك كانت محاضراته في الجامعة معروفة ومتميزة.

إذًا، حين نقول ذوق شخصي وشرح نصوص من خلال التذوق الشخصي المعلل فنحن فورًا نفيض إلى مجال من النقد التطبيقي.

شعر محمد مندور أن هناك تنظيرًا دون تطبيق, هناك تنظير فقط، وليس هناك تحليل حقيقي، وللأسف -حتى يومنا هذا- ونحن الآن نتحدث عن الدراسات الأكاديمية ولا نتحدث عن الجهود الفردية العظيمة -كما قلنا سابقًا- لأننا قلنا: إن النقد عبارة عن جهود فردية، فليس هناك دراسات ومدارس عربية نقدية حديثة.

هذه الأمور ليست بالسهلة ولكنها ليست أيضا بالمطلوبة، نحن نريد إضافة إلى ذلك أن يكون هناك مجال تطبيقي، نحن نلاحظ أن الدراسات الحديثة (رسائل الماجستير) ثلاثة أرباعها في التنظير والربع الأخير في التطبيق، ويكون التطبيق واهنًا، يكون الباحث قد وصل إلى آخر أنفاسه، وهذه حقائق موجودة حتى الآن, وهذا ما اكتشفه محمد مندور منذ وقت قديم.

ماذا قال؟

قال: يجب أن ننطلق إلى مجال واسع من النقد التطبيقي، وهذا ما وجده في الجامعات الفرنسية، حيث كان أساتذة الجامعة هناك يقومون بعرض نصوص شعرية ويتحاورون مع الطلاب.

أنت لديك نص ما رأيك فيه؟

هناك نوع من أنواع الحوار، هذا الحوار يطلق عليه الحوار الثقافي، فكثير من الأستاذة الحقيقيين يأخذون من الطلاب أفكارًا.لماذا؟

لأننا في النهاية أمام تذوق للأدب، والطالب ليس شيئًا بسيطًا.

2- الروافد العربية الحديثة:

كما قلنا سابقًا، تأثر محمد مندور بـ: طه حسين، وكان له التأثير الأكبر، ونحن نعلم في كتبه أنه كان يستشهد بالكثير من أقواله، وهذا سندرسه في قراءاتنا لكتبه "النقد المنهجي عند العرب", و"الفن ومذاهبه"، و"عالم النقد والفن"... هناك كتب كثيرة له، وأي كتاب تحاول أن تقرأ فيه تجد أن طه حسين يفيض من ثناياه. وهذه حقيقة ترونها إن حاولتم الإطلاع على كتب محمد مندور.

تأثر بطه حسين، وكان له التأثير الكبير، فوجهه منذ البداية ورعاه. ومندور كان حقوقيًا وهو لم يدخل الحقوق رغمًا عنه، هو أراد أن يصبح وكيلًا للنيابة، وأراد أن يعمل شيئًا لوطنه، فدخل عن حب لهذه الكلية، بيد أن طه حسين وجهه توجيهًا آخر، فله فعلًا النصيب الأكبر من فكر محمد مندور، والذي تأثر به تأثيرًا كبيرًا.

تأثر أيضًا بعباس محمود العقاد الذي عاصره وكان معه. وهناك تشابه بين حياة العقاد وبين حياة محمد مندور، وإن كان لكل منهما رأيه الخاص به, لكنهما معًا أرادا أن يغيرا وجه النقد آنذاك، وجه الأدب، وجه الفكر العربي آنذاك، لكن كل بطريقة مختلفة، إذ كان العقاد تأثريًا انطباعيًا، كان يبحث عن الأخطاء والزلات لشوقي، ولم يبحث عن أدب شوقي بقدر ما كان يبحث عن زلاته، فيقول مثلًا: هنا مدح الخديوي إسماعيل فتزلف للسلطة، هنا فعل كذا، كان العقاد دائمًا لديه وسواس نحو تحطيم هذا الهرم، نعم هدفه نبيل وهو تغيير وجه الأدب الذي كان تعمه التقليدية، بيد أنه أخطأ في الطريقة، وهذا الأمر كلنا نعلم به، إذ إن النقد لا يقوم على سوط الآخرين -ضربهم بالسوط-، لا يقوم على التقويم، وإنما يقوم على التقييم.

ماذا نعني بالتقييم؟

نعني إبراز السلبيات والإيجابيات.

وتأثر أيضًا بالمازني, وكان هناك كتابان للمازني، وهما: "حصاد الهشيم" و"قبض الريح هذان الكتابان كان يتحدث فيهما المازني عن النواحي الجمالية في الأدب.

ونحن نعلم جميعًا أن هذا الرجل كان جماليًا، كان يحب الذوق، وكان يحب التعبير، ويحب البحث عن الجمال.

تأثر بالمازني، وإن كان قد اختلف عنه بأشياء كثيرة ولكن الاختلاف لا يفسد للود قضية، بيد أنه كما نعلم جميعًا تأثر به.

وتأثر بمحمد حسين هيكل, تأثر بمنهجه التاريخي العلمي في البحث, فهذا الرجل كان لديه مناهج تاريخية علمية.

يوضح هذا الأمر: علم - أدب/قديم - حديث/ شكل - مضمون/جمال - ذوق لكن هذا الجمال معلل, فدائمًا الذاتية والموضوعية، هذه الثنائية كانت في حالة ارتياح بين يدي محمد مندور إذ لم يكن هناك غلبة لأحدهما على الآخر.

3- الروافد العربية القديمة:

كلنا نعلم أنه اهتم بالمورث النقدي العربي القديم، وهذا يتجلى أكثر ما يتجلى في رسالته للدكتوراة: "النقد المنهجي عند العرب" إذ تناول النقاد القدامى.

لاحظوا فكر هذا الرجل، والدليل على ذلك أنه كان يدافع بقوة وشراسة عن النقد القديم، رغم أنه -كما قلنا- جمع بين الجلباب الريفي الأبيض وقبعة السوربون السوداء. لاحظوا هذه الجملة المعبرة تمامًا عن محمد مندور.

إذًا، تأثر بالنقاد القدماء كما قلنا من أمثال: الصولي, عبد القاهر الجرجاني في كتابيه: "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة", أما القاضي الجرجاني في كتابه "الوساطة".

3- المنهجية:

معنى المنهج هو أن يكون هناك منهج واضح يتبعه المرء من أول كلمة حتى آخر كلمة في الكتاب، وهذا كان منهجه فعلًا من أول كتاب كتبه، فقد كان فيه منهج واضح.

قسّم محمد مندور النقد إلى قسمين:

أولًا: نقد مرتجل:

وهذا النقد هو الذي يقوم به الشعراء في الأسواق ويقوم على الارتجال, القصيدة جميلة, أو غير جميلة، فكان نقدًا مرتجلًا.

ثانيًا: النقد المنهجي:

وهو النقد الذي آمن به محمد مندور منذ الكلمة الأولى حتى آخر لحظة في حياته، فهو كان منهجيًا.

وإذا حاولنا الآن على سبيل المقاربة بين العقاد وبين محمد مندور, فالعقاد كان انطباعيًا تأثريًا، يحكم بطريقة سريعة، وكان لديه فكرة يريد أن ينفذها من خلال البحث عن ثغرات أحمد شوقي، ولم يبحث عن جماليات أحمد شوقي، وهو له من الجماليات الكثير والكثير جدًا، ومسرح شوقي معروف ومشهور.

بينما محمد مندور فعلى العكس، كان دائمًا متوسطًا، معتدلًا، منهجيًا، هو يقيّم ولا يقوِّم، وينظر إلى الأمور من زاوية نقدية واضحة لا انطباعية تأثرية، والانطباعية والتأثرية ليست ثقافة، وليس هناك شيء اسمه أنت تقرأ القصيدة بمنهجك فقط، هناك تأثر، وهناك انطباع، ولكن بتعليل، نريد أن نعلل هذا الانطباع, كيف نعلله؟

من خلال امتلاك الثقافة، من خلال قراءاتنا، هنا نتمكن من التحليل, لذلك الذوق وحده لا يكفي. محمد مندور حتى آخر لحظة من حياته كان يقول: الذوق, الذوق, الذوق.

هو تأثر بالغرب في هذا لكن هذا الذوق معلل، هذا الذوق يقوم على الثقافة والإطلاع وسعة الإطلاع, وهذا من خصائص محمد مندور.

إذًا، كان محمد مندور من رواد النقد المنهجي، وكان يرى أن النقد المنهجي يجب أن يقوم على دعامتين أساسيتين:

أولًا: النقد الجمالي:

كلنا يعلم أن هذا الناقد تأثر بالغرب، والغرب الذي يقوم على غلبة الجمال، ورؤية الجمال، والتطلع إلى الجمال.

وتكثر أساليب التعبير عن هذا الجمال، سواء كان الجمال في اللغة، في الشعر، في الفن، في الأدب، في كل شيء،.. فحدد محمد مندور وفق هذا النقد الذي يربط الجمال بالتأثر.

يقول مندور: "الشعر هو عبارة عن مجموعة انطباعات تستأثر بملكات الروح عند قارئها".

هذا هو الجمال، أي أنا لدي مجموعة انطباعات عن نص أدبي، ماذا يترك هذا الانطباع من آثار على صفحات الروح؟؟؟ هذا هو الجمال.

إذًا: الشعر هو عبارة عن مجموعة انطباعات تأثرية, حين نقرأ نصًا شعريًا فنحن نشعر بأننا أمام حالة من حالات الفيض الوجداني, هذا فكر جمالي لكنه ماذا فعل؟

يقول: انطباعات وتأثر, سيقولون: إننا نكتفي بالانطباع والتأثر والجمال, لا، هو هنا كان ذكيًا جدًا إذ فعل ما لم يفعله الآخرون, هو قال جمال وانطباع وتأثر.

لكنكيف عبر عن هذا الجمال، وكيف وصلنا إلى هذا التأثر؟

من خلالاللغة, لذلك ربط بين الوعي الجمالي والوعي اللغوي.

أنا كيف أصل إلى جمالية اللغة؟

من خلال فهم اللغة, معرفة اللغة, ليست فقط انطباعًا، وأن النص جميل، ومحلق وكذا.... لا، النص جميل لأن الصورة كانت كذا, فيوضح الصورة، ويقرأ الصورة، ويفهم ذوقه في هذه الصورة.

هذا هو المهم، وهذا هو الشيء الذي برع فيه محمد مندور، وكان يقول محمد مندور حين ربط بين الوعي الجمالي والوعي اللغوي: "اللغة هي المادة الأولية للأدب، وذلك لأن الفكر أو الإحساس لا يعتبران[1] موجودين حتى يسكنا إلى اللفظ".

هنا ربط الإحساس بالجمال.

كيف نصل؟ نقرأ قصيدة شعر.

فقصيدة الشعر عبارة عن رؤية جمالية من الشاعر للواقع, قالوا: أنا أرى الواقع بطريقة شعرية فأزوّر. فقال: لا, هذه الظاهرة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مناسبتها للفظ، لذلك علماء اللغة دائمًا هناك جملة يرددونها، يقولون: ليس هناك فكرة واضحة وعَجزٌ في التعبير عنها.

لا يمكن أن نفكر إلا باللغة، لذلك ليس هناك فكرة واضحة، لكن هناك فكرة مشوشة لا يمكن التعبير عنها بالتأكيد؛ لأنها مشوشة؛ لأنها لا تمتلك اللغة السليمة، وامتلاك اللغة أمر هام ليس بالشيء السهل، ويحتاج إلى موهبة ومران وتجربة وقراءة وسعة اطلاع.

لاحظوا هنا كيف ربط هذا الرجل بين الوعي الجمالي والوعي اللغوي, فاللغة هي المادة الأولية، إذ لا يمكن للإحساس باللغة أن يكون موجودًا حتى يسكن إلى اللفظ. فاللغة هي التي توصلنا إلى الوعي اللغوي والوعي الجمالي، وهذه بذرة من بذور الأسلوبية التي دخلت إلى اللغة ومن شأن اللغة ومن شأن النص.

في النهاية ماذا قال البنيويون؟ قال البنيويون: بموت المؤلف, فلم يعد لديهم علاقة بالمؤلف.

علاقتهم بماذا؟ بالنص, باللغة, فمنذ ذلك الوقت انتبه إلى هذا الأمر, ربط بين الوعي الجمالي والوعي اللغوي. ووعي اللغة ليس مسألة عبثية، فوعي اللغة يعني فهم الشرح، التذوق المعلل، الذوق المعلل، كشف المعايير الجمالية, سبر أغوار النص الشعري، هذه كلها قضايا مهمة من قضايا النقد الأدبي.

إذًا، قلنا النقد الأدبي منذ أن وجد، وجد معه ربط بالوعي، لكن بعد ذلك انطلق إلى الدعامة الثانية.

ثانيًا: النقد الوصفي التحليلي:

تظهر هذه المرحلة النقدية باحتكام محمد مندور إلى العقل, فبدأ ينظر إلى النص الأدبي نظرة الأسلوبي, وهنا أدخل بذور المفاهيم الأسلوبية إلى النقد الوصفي التحليلي الذي يقوم على الوصف, واللغة، والتحليل، وهذا طبعًا ديدن الأسلوبين الذين جاؤوا بعده بعشرات السنين أي استخدم الترجمة في ذلك.

وهذا كله يدل على الثقافة, فحض على الثقافة, وعلى الأخذ, الثقافة سواء أكانت ثقافة البديع, ثقافة البيان, فهم الصور الفنية, الجناس, التشبيه,.... هذا كله يدخل في ميدان الثقافة.

لا يريد فقط انطباعًا جماليًا, وربط الوعي الجمالي بالوعي اللغوي, هو لم يكتف بهذا، فبعد ذلك أصبح النقد الجمالي رغم أنه ربط علم الجمال باللغة، لكنه لم يكتف بذلك، إذ وصل إلى حال متقدمة حين أصبح نقده يعتمد على الوصف والتحليل (النقد الوصفي والتحليلي) وهذا كان موجودًا في كتبه الأخيرة، والتي سنتعرف عليها في حينها إن شاء الله. وحين نقول: الوصف والتحليل، وحين نحتكم إلى العقل، هذا يعني أننا نرغب بتثقيف أنفسنا.

إذًا، دعا محمد مندور إلى غلبة التذوق لكنه لم يكتف, قال الذوق، والذوق، والذوق، ولكن هذا الذوق يجب أن يترافق بالتجربة، بالثقافة، بالخبرة، باكتساب المعرفة، وهذا كله كان موجودًا عند محمد مندور. فإذا كان الجمال يستأثر بملكات الإبداع فإنه لا يجب أن يطغى على المرء وإنما عليه أن يتجاوز ذلك إلى المضمون الإنساني، وإذا كان الجمال هو الطاغي سيتحول الأمر بنا إلى الشكلانية فقط, لكن الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة، أي الشكل يشف عن المضمون والمضمون يعبر عن الشكل، وحين نفصل بينهما نقول هذا الفصل من أجل الدرس فقط وليس فصلًا حقيقيًا، فلا يمكن أن نفصل الشكل عن المضمون. فالشكل والمضمون هما معًا وجهان لعملة واحدة، وكان محمد مندور لا يكتفي بأحدهما، يقول: شكل يعقبه مضمون, وهذا المضمون و المضمون المثالي الجمالي.

إذًا، هو آمن وغلّب التذوق في كل كتبه، بيد أن هذا الذوق ما لم يتسلح بالمعرفة وبالدربة وبالثقافة وبالأناة لا يمكن لهذا الذوق أن يأتي ثماره المرجوة منه. وهكذا نكون قد درسنا الخصائص العامة في نقد محمد مندور، وهي:

1- الاعتدال. 2- الشمولية. 3- المنهجية.

تمت بعونه تعالى




[1] والأفضل يُعدّان.



الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى