يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 9096
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

المحاضرة الرابعة شعر عربي حديث د. شهلا العجيلي

في 2010-12-06, 15:19

بسم الله الرحمن الرحيم


كنا قد تناولنا في المحاضرة السابقة الشاعرين (أحمد شوقي) و (خليل مطران)، فتناولنا نموذجين شعريين لأحمد شوقي، وكذلك لخليل مطران، النموذج الأول سهل وحيوي، والنموذج الثاني صعب يحاكي القدماء. وننتقل في هذه المحاضرة إلى الرومانتيكية، أو الاتجاه الرومانتيكي في الشعر العربي الحديث.
الاتجاه الرومانتيكي[1] في الشعر العربي الحديث


تعلمون أنه لا يمكن أن نتكلم على اتجاه فني يظهر ويطغى ويصول ويجول من غير أن يكون لذلك ارتباط بالبيئة الثقافية والاجتماعية التي أنتجته, فغالبًا ما تكون التوجهات الفنية ليست انعكاسًا مباشرًا للتوجهات السياسية والثقافية، ولكنها انعكاس بطريقة ما، ولكن هو غير آني، غير مباشر، ولكن هناك علاقة تأثر وتأثير لا شك في ذلك.

إذًا: وظهور الكلاسيكية لم يكن عبثًا, و كنا قد درسنا أن الكلاسيكية التي سبقتها جاءت من أنهم وجدوا واقعًا سيئًا، واقعًا تدور فيه القوميات، وتدور فيه الهويات، فكانوا على مفترق طرق وذلك أن تذهب إلى دعوة قومية، أو أن تذهب إلى دعوة دينية, فقرروا مواجهة المؤثرات الغربية، وقرروا أن يعودوا إلى قديمهم, وجدوا أن لديهم قاعدة و تراثًا، فقرروا أن يعودوا إليه.

كيف جاءت الرومانتيكية؟

بداية، لا بدّ أن نتكلم على الرومانتيكية في الغرب, وتعلمون أننا تكلمنا عن الكلاسيكية في الغرب وقلنا إن الكلاسيكية شيَّدت نظم وأفكار وتقاليد الطبقة الإقطاعية؛ أي التقاليد الأرستقراطية[2].

فالإقطاعية هو النظام الاقتصادي، ونظامه الاجتماعي هو الأرستقراطي، والبرجوازية[3]: ونظامها الاقتصادي هو الرأسمالية[4]، والشكل الاجتماعي لها هو البرجوازية.

إذًا، كل نظام اقتصادي له شكل اجتماعي, فالأرستقراطية هي الشكل الاجتماعي للكلاسيكيين (الأرستقراطيين) في العهد الإقطاعي؛ أي أن تقاليدهم أرستقراطية، بينما الشكل الاقتصادي للكلاسيكية فهو الإقطاعية.

فالكلاسيكية: هي التعبير الفني عن نظام اجتماعي أرستقراطي لنظام اقتصادي إقطاعي. أما الرومانتيكية: فهي تعبير فني لنظام اجتماعي وهو البرجوازية، والتي نظامها الاقتصادي هو الرأسمالية.

كيف ظهرت الرومانتيكية في الغرب؟

إن كل مذهب هو على تصميم ابن خلدون لبناء الدول, بأن الدولة تبدأ بالتأسيس ثم الصعود والازدهار ثم تبدأ بالرجوع و الانحدار, كذلك الأنظمة الفنية أو التيارات الفنية عمومًا والتنظيمات الاجتماعية والاقتصادية عمومًا. فحينما بلغت الكلاسيكية سخّرت أدواتها في خدمة الإنسان, وانقسم المجتمع انقسامًا حادًا إلى مجتمع للخدم، ومجتمع للطبقة الأرستقراطية. وبالطبع ستحدث ثورات، والثورات لا تحدث انفجارًا طفرات- بدون تحضيرات كالانفجار النووي, فلا بد من مؤثرات.

ما هي المؤثرات التي أعدت لظهور البرجوازية والرومانتيكية في الغرب عمومًا؟

الثورة الفرنسية هي الحدث الأبرز, وتعرفون أن لويس السادس عشر في فرنسا الذي طغى وحبس كل إمكانات الشعب الفرنسي في الطبقة الأرستقراطية الملكية وما حولها، ثم جعل الشعب يعاني الفقر والجوع والظلم والإعدامات والأحكام العرفية وما إلى ذلك. فحدثت الثورة الفرنسية في سجن الباستيل عام 1789م, وقامت الثورة الفرنسية على أهداف معينة.

ما هي أيقونات الثورة الفرنسية؟
الإخاء والعدل والمساواة.


إذًا، المبادئ القديمة أو الأيقونات الثلاث التي أرساها الفلاسفة أرسطو وسقراط وأفلاطون, كانت تقوم على: الحق والخير والجمال، وظلت باقية إلى اليوم طبعًا، ولكن جاءت أيقونات ثلاث مقابلة لها هي الأيقونات الفرنسية: الإخاء والعدل والمساواة.

أشعلت الثورة الفرنسية هذه- روحًا جديدة في أوربا وفي العالم، ودعت إلى الإخاء والعدل والمساواة؛ أي أن كل فرد من حقه أن يفكر وأن يشارك في الحياة السياسية في الحياة الاجتماعية, وهذا أدى إلى نشوء الفردية؛ أي أنت تفكر وتنعزل عن الآخرين وتنقد وظائف الواقع والطبيعة, هذا يعني أنك تنمو كمفرد بمعزل عن المجموع، تنمِّي قدراتك الذاتية، فنشأت الفردية التي نشأ عنها شعور بالاغتراب.

وهذا الشعور بالاغتراب, هذا الشعور بالاغتراب والفردية، ما الذي عززه؟ الذي عززه هو خسارة نابليون في (واترلو)[5] الخسارة القاصمة الظهر في تاريخ فرنسا, خسارة نابليون الذي جاء إلى مصر وحمل أدوات التنوير معه, ولم يخسر أي معركة، إلى أن خسر أمام هذا التجمع الذي هو إنكلترا, وهولندا, وروسيا, وألمانيا. هؤلاء وقفوا في وجه فرنسا في (واترلو) إلى جانب بلجيكا عام 1815م.

وهذا أثّر في نفوس الفرنسيين، وصاغوا قصائد بديعة وحزينة عن هذا المكان, ودائمًا يترنمون:
واترلو واترلو أيّها السهل الحزين


وذلك بسبب هذه الخسارة؛ لأنها شيء غير معتادين عليه. وظهر حينئذٍ ما يسمى بـ مرض العصر (الكآبة), فظهرت الكآبة بوصفها مرضًا لذلك العصر، هذه الكآبة جاءت بسبب تفرّق الجماعة، فصار هناك فردية، وصار هناك اغتراب.

ولا تنسوا أن المدينة تفعَّلت وعادت إلى عملها, فكان الريف وكان الأرستقراطيون يعيشون في المجتمع الإقطاعي الزراعي, فانتقلوا إلى المدينة، والمدينة تعني تعددًا، تعني أن الجميع يعملون, في الحكومة, وفي دوائر الدولة, والصناعة, والحرف, والتجارة,..... أيضًا البنوك والخدمات, فكل ذلك كان في المدينة. فالنظام الاقتصادي كان متعددًا، ليس فقط زراعة وما يستتبع الزراعة، وإنما منجزات أخرى أو طرق للحياة أخرى. فكان هناك ألبسة مختلفة, وترف من نوع ما، ثم جشع رأسمالي لأنك تريد أن تلاحق كل شيء لدى النظام الرأسمالي, وكانت الورشات الكبيرة تأكل الورشات الأصغر منها، فهو اقتصاد السّوق أو النظام الاقتصادي -كما نرى اليوم- إلى أن خرجوا عن أوربا إلى مستعمرات، وبدأت الحركة الاستعمارية تبحث لهم عن أسواق خارج حدود أوربا, وهذا كله سبب اغترابًا للذات.

أيضًا، من أسباب نشوء هذا التيار الرومانتيكي أو هذا المذهب الرومانتيكي، هو قيام الدعوات الفلسفية, وتكلمنا على أهم منجز هو كتاب "العقد الاجتماعي" لـ جان جاك روسو في المحاضرة السابقة، وتكلمنا كيف نظَّم علاقة الفرد بالمجتمع، وكيف طرح فكرة المواطنة.

فلم يعد الأمر أنك تملك قطعة أرض فأنت مواطن. لا, الموضوع هو بقدر ما تقوم بواجباتك فإنك تأخذ حقوقك, وهو عقد لا أنك تنتمي إلى أسرة محددة فتكون مواطنًا، ولا أنك تنتمي إلى نظام في أوربا أو ما إلى ذلك. لا, أبدًا، هو عقد مثل أي عقد آخر بينك وبين الوطن.

فليس هناك شيء اسمه ارتباط وتذلل؛ فلا أقول أنا أنتمي إلى هذا الوطن حتى أذلني، وأقول كما قال الشاعر:
وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي


فهناك عقد, وكل شيء بالاتفاق، وكل شيء بيع وشراء.

أيضًا، فلاسفة ومنظرو علم الجمال كان لهم دور في إرساء الفكر الرومانتيكي عمومًا في فرنسا وفي ألمانيا وفي أوربا.

من هو أول من نظَّر للرومانتيكية؟

الألمان قبل الفرنسيين، على يد ويلهلم شليجل الألماني، هو من أهم المنظِّرين، والذي ستدرسونه في الأدب المقارن لاحقًا.

ولدينا في إنكلترا: وردزورث وصديقه كوليردج اللذان أطلقا نظرية الخيال معًا، ومشهور جدًا كيف كانا يتعاطيان الأفيون ليغيبا عن الوعي، و كيبلينك، وبيرون، وشيلي، وكيتس، ولوك في إنكلترا. وفي ألمانيا: شيللر وهو من منظِّري علم الجمال, وفي فرنسا ظهرت على يد: مدام دي ستايل، شاتوبريان, لامارتين, ستندال، وأولئك الذين حنُّوا إلى الشرق.

والآن سنتكلم عن الشرق بوصفه دافعًا من الدوافع الرومانتيكية, هذا الشرق الذي ليس في متناول اليد، الواقع البعيد عنهم, وتعلمون أنه في ذلك الوقت تمّ ترجمة (ألف ليلة وليلة) على يد أنطوان غالان عام 1704م؛ أي في بداية القرن الثامن عشر. في حين كان المجتمع آنذاك يغرق في ماديته وفي صراعه على المال، وفي اقتصاد السوق، وفي المظاهر البرجوازية المترفة، فحنُّوا إلى ذلك الشرق عبر (ألف ليلة وليلة), والآن أصبح هناك تشريح للجسد البشري، وعلوم كبيرة وفتوحات علمية كبيرة عرفوها في هذه المرحلة، اهتموا بهذه الأشياء، وصار لديهم حنين إلى الشرق بوصفه مكان (الحريم) ومكان (الكيف) الذي هو تغييب العقل، عن طريق تناول الحشيش الذي كان موجودًا بالقاهرة وفي الجزائر....، فرحلوا إلى الشرق وكتبوا عن رحلاتهم إلى الشرق.

ولا تنسوا أن الحملات الاستعمارية كانت تأخذ معها الرحالة والفنانين, ومن أجمل اللوحات التي رسمت كانت بأيدي المستشرقين عن الشرق, وهو ليس الشرق الحقيقي، هو الشرق الذي كان في خيالهم، الشرق الذي يريدونه هم.

فرسموا الحمامات، ورسموا النساء الشرقيات، أو الحريم في السياج، الحرملك- وكانوا يحبون اقتحام الحريم, فصوّروا الحريم المقتحمة، وهذا كله من خيالهم هم، لذلك نحن نسمي هؤلاء بـ (الرومانتيكيون المغرقين)؛ لأن بعضهم رحل إلى الشرق لكنه صُدِم فلم يجد ذلك, فكانوا لذلك يُسمّون بـ (الرومانتيكيين المبروئين من السّحر)، ومنهم ذهب إلى الشرق وصُدم في الحقيقة مثل فولتير، ولكن مع صدمته قال: مع ذلك أنا أصر على هذه النظرة. لماذا أصروا على هذه النظرة؟

لأنها تولد لهم خيالًا, يعيشون في الحلم بالنسبة إليهم.

وفيما بعد في سبعينيات القرن العشرين طبع إدوارد سعيد كتابه (الاستشراق)، ويتناول فيه أهم النظريات الثقافية المعاصرة المؤلفة، فهو نظرية كاملة عن الاستشراق. و الدراسات الثقافية عن الاستشراق تقول:

كيف أننا نعيش الآن في هذه اللحظة بسبب ردة الفعل على حالة الاستشراق, فنحن الآن حتى نظرتنا إلى أنفسنا هي وليدة الاستشراق، فكل رجل يرى في ذاته عنترة بن شداد, وكل امرأة بينها وبين ذاتها تنظر إلى نفسها كأنها محظيَّة، ونحن سعداء بهذا الشعور, لكن هذا الشعور لم يتولد لولا فكرة الاستشراق لديه.

أيضًا من العوامل الدافعة للرومانتيكية اكتشاف فولتير لـ شكسبير المسرحي الإنكليزي الشهير والذي اكتشفه في تلك المرحلة الشاعر فولتير. ورأى كيف أن شكسبير خرج على قانون الوحدات الثلاث, القانون الذي يعود إلى العصر الإغريقي، كيف أنه أحدث تغييرًا في هذا الخروج على قانون الوحدات الثلاث, وطوَّر المسرح في هذا الخروج، وكيف أنه جعل بعض المشاهد عنيفة، فالمشاهد العنيفة ممنوعة في التقاليد الكلاسيكية. ففي التقاليد الكلاسيكية لا توجد أي مشاهد غرامية أو أي مشاهد عنيفة حفاظًا على مشاعر الطبقة الأرستقراطية لأن لديهم أدبيات محددة، هم محترمون جدًا.

هو رأى كيف أحدث شكسبير هذا التغيير في شخصيات مسرحياته, كشخصية حفاري القبور في هاملت، ومشاهدها التقليدية المبدعة. فكان هذا دافعًا من دوافع حضور الرومانتيكية أو نشأتها في أوربا.

الآن، مفردات الرومانتيكية هي الكآبة والألم والوحدة, والتماهي مع الطبيعة واعتبار أن الفن يجب أن يكون محابيًا للطبيعة باعتبار أنها الأكثر توليدًا للخيال، فهم يرون هذا الخيال أو الروح الصوفية أو الرؤية الصوفية في زهرة, في غيمة, في فراشة, في السماء... فالخيال يشتعل عندهم بسرعة؛ لأنهم معزولون ومتوحدون مع ذواتهم.

فظهرت مجموعة تسمى بـ (شعراء المقابر) كانوا يذهبون في منتصف الليل ويجلسون عند القبور من غير أن يكون لهم موتى, هم لا يذهبون ليزوروا زائرًا أو آخر، وإنما يزورون المقابر لإثارة المشاعر، لإثارة الشجن، والتأمل في مصير البشرية، أيضًا ظهرت مدرسة الحب.

هذه هي الدوافع التي أنشأت الرومانتيكية, وهذا موجز عن هذه الدوافع.

الآن، ما هي سمات الرومانتيكية؟

1- تمجيد الكآبة والألم والحرية. 2- التشاؤم. 3- التمزق.

4- اللجوء إلى الطبيعة. 5- الخيال المجنّح. 6- الشعور بالجبرية.

7- الغربة. 8- السوداوية. 9- قوة العاطفة.

10- الانفعال والهياج. 11- تقديم الخيال على العقل.

12- الهرب من الواقع، والالتجاء إلى الحلم.

13- الرحيل عبر الزمان والمكان. 14- الميل إلى الخوارق والغوامض والأساطير.

15- الحب المثالي والعفة. 16- الدفاع عن الضعفاء والفقراء، والتوق إلى عالم أحسن.

17- تشخيص الطبيعة. 18- الفروسية.

19- احترام الإنسان. 20- الثورة على المجتمع.

21- إطلاق العقل الباطن. 22- ارتياد الأماكن الغريبة.

23- الصدق في الشعور. 24- الوحدة العضوية.

25- التحرر من البيان. 26- احتقار الصنعة.

27- استقلال الحاضر عن الماضي. 28- الحياة مصدر الشعر.

29- البعد عن المناسبات والأخذ من الآداب الغربية. 30- الفردية.

31- الحنين. 32- الحرية والانطلاق. 33- الغنائية الصرف.

34- القلق. 35- الحساسية. 36- تأزم الفرد.[6]

هم لديهم نظرية الخيال ومفهوم العبقرية, ولديهم نظرة في الأحلام، ونظرة في توظيف الصور البسيطة, هم من نجمة يولّدون صورة, ومن حفيف أوراق الشجر يولّدون صورة, تكون غامضة أحيانًا، لذلك ظهرت لديهم الرمزية فيما بعد، والمدارس المذهبية التي تقوم على الغموض؛ لأنهم كانوا مرضى بأمراض الخيال.

فالكلاسيكيون كانوا مرضى بأمراض الاحترام والتقليد, بينما هؤلاء الرومانسيون- فهم مرضى بأمراض الخيال, أي يتركوا للخيال العنان.

فقلنا إن وردزورث وصديقه كوليردج كانا يتناولان الأفيون ليغيبا عن الوعي, ويطلقان العنان للاوعي فيبرزوا صورًا جديدة. فمن أشهر قصائد وردزورث هي قصيدة "قبلاي خان"، إذ سافر وردزورث بخياله إلى دولة المغول و دخل قصر قبلاي خان، اكتشف ما لم يكتشفه أحد, وكل ذلك في كان خياله.

إذًا، اعتدُّوا كثيرًا بملكة الخيال، واعتبروا أن الخيال هو صلة الوصل بين العالم الذي نعيش فيه وبين عالم المُثُل، عالم ما وراء المحسوس, العالم الميتافيزيقي، هم اعتبروا أن الحياة لا تهمهم, فنشأت عندهم روح صوفية. لكن ما هي حالة التصوّف؟

هي أن تتنصل من الواقع, من أعباء الدنيا شيئًا فشيئًا وتذهب إلى الذات الإلهية في الثقافة الصوفية, وهم يذهبون إلى عالم المُثُل, كذا نجد في أشعار مالارميه و لامارتين الذي جاء إلى الشرق، وقال:

"أريد أن أدوس بقدمي على الطريق، أن أضع أقدامي على الدرب الذي مشى عليه المسيح، وأن أتنشق رائحة أغصان الزيتون التي مرّ المسيح بشعره عليها".

إذًا، فيه روح صوفية, فيه علاقة بالمقدسات، وبالأنبياء، والحنين إلى ذلك المقدس, عندما يقول:

"أريد أن أحلم أحلام يعقوب في ضجة النجوم"

فهو يريد في ظل كل ذلك الضجيج أن يحلم أحلام يعقوب، وطبعًا حلم يعقوب هو عودة ابنه يوسف عليهما السلام.

قلنا: ممن أطلق نظرية الخيال: لامارتين, وشاتوبريان في فرنسا, وردزورث, وكوليردج في إنكلترا, وأيضًا مدام دي ستايل وفيكتور هيغو.

وهناك نوعان من الرومانتيكيين:

1- الرّومانتيكيون التّقدميون.

2- الرّومانتيكيون الرّجعيون.

و الرّومانتيكيون التّقدميون: هم متفائلون، ولديهم الرؤية المستقبلية، فيرون في خيالهم المستقبل, فالخيال صنع لديهم نبوءات، جعلهم يمتلكون حسًا ويتنبؤون بالمستقبل، حتى إن العبارة الشعرية عندهم هي عبارة نبوءة، وكأن هؤلاء الشعراء أنبياء صغار.

أما الرّومانتيكيون الرّجعيون: الذين يئسوا من هذا العالم، فالتقدميون نظروا للمستقبل، لكن الرجعيون عادوا إلى المصادر القديمة اليونانية كما عاد الكلاسيكيون، ولكن بطريقة أخرى، بطريقة تأمليّة، بطريقة تقليدية.

كما قلنا إن لجوء الرومانتيكيون إلى التغني بمنجزات الطبيعة نشأ عنه الاغتراب لاشكّ- بسبب الأوضاع المالية للمدينة، فباتوا يبحثون عن اليوتوبيا[7] الضائعة و وجدوا ضالتهم في الشرق.

الآن، نأتي إلى التركيب اللغوي، شكل القصيدة:

حالوا القيام بثورة على الكلاسيكية، فقاموا بتغيير الشكل، لذا سنجد عندهم المقطَّعات, وسنجد القصائد المبنيَّة على أوزان المتعددة، فليس ثمة توقيع كامل للقصيدة، والجملة المركّبة بصرامة تحللت، وذابت تلك الصرامة التي كانت موجودة، لتصبح [عندهم] أكثر بساطة في التركيب ولكنها عميقة في الصورة الفنية، فالصّور مبتكرة من الخيال وعميقة جدًا ولكنها متقبَّلة؛ أي لا نحتاج فيها إلى شرح مفردات، ولكن تركيب الصورة المصنوعة من هذه المفردات السهلة, فالمفردات سهلة غير صعبة وغامضة ولا تحتاج فيها إلى شرح المعنى, هي مفردات جديدة وليست قديمة، هي مفردات من تضاعيف حياتنا اليومية، ولكنها مركبة مجموعة مع بعضها بطريقة مختلفة غير معتادة.

أيضًا نزعوا إلى الأساطير والرموز وخاصة فيما يتعلق بالسحر و الغيبيات, ألم نقل إنهم كانوا يريدون الوصول إلى العالم ما وراء الواقع، فلجؤوا إلى التعابير التي تتعلق بالغيبيات والأساطير.

وكانوا يريدون أن يفهم الناس هذا الشعر، لا أن يفهمه الطبقة الأرستقراطية فقط، لا، بل أن يتعايش الناس مع هذا الشعر, ولذلك جددوا في الأوزان والقوافي، فكتبوا السونيت[8]، وهي على أنغام معينة، كالخماسي مثلًا، فمثلًا كانوا يقولون ثلاثة أشطر على نفس الوزن[9]، وتأتي القَفْلة[10] على وزن آخر أو على قافية أخرى, ثم تأتي بعدها خماسية على وزن مغاير، وهكذا ... وهذا قريب من الموشحات.

والآن ننتقل إلى:
الرّومانتيكية في الثقافة العربية


ولاحظوا أننا نتحدث عن القرن السّابع عشر والثّامن عشر في أوربا إذ ظهرت الثورة الفرنسية, فالثورة الفرنسية كانت عام 1789م؛ أي في نهاية القرن السابع عشر، وقبل ذلك كانت ترجمة ألف ليلة وليلة، ففي بواكير القرن السابع عشر نشأت هذه الرومانتيكية، وشكسبير من القرن السابع عشر.

وفي كل هذه المرحلة لا توجد حدود صارمة بين تداخل المذاهب، ولكن نحن للدرس العلمي نضع مثل هذه الحدود، لكن لا يمكننا أن نقول مثلًا- في عام (كذا) بدأ المذهب الرومانتيكي؛ فالأفضل عدم التحديد؛ لأن المذاهب متداخلة مع بعضها، بيد أننا نتحدث عن ذروة المذاهب والتيارات، ونتكلم عليها بشكل تقليدي من أجل أغراض الدرس العلمي.

ظهرت الرومانتيكية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين أو في الأربعينيات والخمسينيات؛ لأننا وصلنا إلى عام 1920م مع الثورة العربية الكبرى، ومع الكلاسيكية فانشغلوا بالحرب, فظلوا كلاسيكيين حتى بداية القرن العشرين.

أي في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، في الثلاثينيات، والأربعينيات، والخمسينيات بالذات، كانت الرومانتيكية هي السائدة، وفي الخمسينيات هي مرحلة ذيوع الرومانسية في سوريا، ولكن في مصر كانت قبل ذلك.

ما هي الممهدات أو الأفكار التي أطلقت الرومانسية العربية؟

الاستعمار بالذات- هو الذي أحدث هذا الشرخ في التجمع العربي، وجعل الإنسان يعود إلى فرديته ويصاب بـ داء العصر (الكآبة) بسبب دخول الاستعمار الأوربي إلينا بعد إجهاض الثورة العربية الكبرى، بعد سايكس بيكو، ووقوع الدول العربية تحت نظام الانتداب.

وقلنا: إن الفكرة الاستعمارية تحمل معها مقوِّضاتها, فلما جاء الاستعمار جاءت معه الترجمات وتعرَّفنا إلى رومانتيكية مالارميه ولامارتين و وردزورث وكوليردج، وكذلك تعرَّفنا إلى هذه الرومانسية فتأثر الجو العام بذلك، ثم بدأ المجتمع العربي ينتقل إلى المدينة لتأخذ دورها التاريخي, بدأت المدينة تتحول إلى مدن صناعية كـ حلب، ففي فترة الخمسينيات كانت حلب مدينة صناعية وبرجوازية وطنية بكل معنى الكلمة، برجوازية تساهم في تطوير المدينة، فأول محطة تصفية للمياه كانت في تلك المرحلة وفي حلب، فظهر فيها آلات لتصنيع الأرز ، أي بعد الزراعة يتحوّل النبات إلى رز ويُعلّب، وأيضًا ظهرت الآلات، والاستيراد والتصدير, ومعامل النسيج, كل ذلك كان موجودًا في الخمسينيات[11].

وأيضًا، ظهرت الرياح الغربية التي هبت من أوروبا كالترجمات، وظهرت كذلك الصحف والمجلات التي تحدثت عن هذه الحَراك الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فغيّروا وجه الحياة بهذا الحَراك, فأنشأ هذا الحَراك ثورة عند المفكِّرين والكتَّاب والشعراء على مدارس الإحياء هذه، فأصبحت قوة الحياة أكثر رقة من الجزالة والصرامة التي فرضتها مدرسة الإحياء تحديدًا- فصارت تتطلب موضوعات جديدة، وتتطلب لغة جديدة.

فظهرت الرواية كمرحلة تحوّل في الأدب الرومانتيكي، ففي تلك المرحلة كانت مرحلة ظهور الرواية؛ لأن الرواية -أصلًا- حينما تعرفنا على مدارس الغرب، تعرّفنا على الرومانتيكية، لأن الغرب كان يفضل الرومانتيكية.

فمن بدأ هذه الثورة على مدرسة الإحياء ؟ أي مدرسة؟ أي مجموعة؟

هي مجموعة تتألف من ثلاثة أشخاص: العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري, وهي مجموعة (الديوان) عام 1921م، فكتابهم اسمه الديوان، ونظَّروا فيه للنقد ضد مدرسة الإحياء.

وقلنا إن أحمد شوقي أصبح رئيسًا لجماعة أبوللو، فأول رئيس لأبوللو قبل أحمد زكي أبو شادي كان أحمد شوقي، الذي كان رائد الكلاسيكية، لكن خليل مطران ألم يعطه روحًا رومانتيكية؟ وعلَّمه ووجَّهه إلى كتابة شعر الأطفال وكتابة المسرح والتجديد. فأحمد شوقي أول من كان رئيسًا لأهم مجموعة من المجموعات الثقافية، كانوا كالمنتدى، فكانوا يصدرون النشرات والكتب ويمولون لأفكارهم أيضًا.

ومقابل مجموعة الديوان كانت مجموعة أخرى في لبنان الغربال لميخائيل نعيمة عام 1923م وقدَّم له رجل كلاسيكي هو العقاد، فهو الذي قدَّم كتاب الغربال.

وأيضًا، لا تنسوا المهجر، ففي تلك المرحلة حصلت الهجرات بسبب العَسَف، والكوارث الطبيعية كالجفاف أحيانًا وسوء الأحوال الاقتصادية..، فحدثت الهجرات إلى المناطق الشمالية والمناطق الجنوبية، وهي التي دفعت أيضًا الحركة الرومانتيكية دفعًا كبيرًا بسبب ما تولّده الغربة، وما يولّده الاغتراب.

وهناك في الغرب نشأت جماعة المهجر الشمالي وكانت تسمى رابطتهم الرابطة القلمية عام 1920م، ورئيسها خليل مطران، وشيخها ميخائيل نعيمة.

وجماعة المهجر الجنوبي وتسمى العصبة الأندلسية، و تلمودها أو كتابها النقدي الذي يحتوي أفكارها هو كتاب المنقار الأحمر عام 1933م لـ: شكر الله الجُر، وفيه تنظير لمبادئ العصبة الأندلسية.

وفي لبنان أيضًا ظهرت مجموعة تسمى عصبة العشرة، ظهرت في ثلاثينيات القرن العشرين، وحمل آراءها وأفكارها كتابان:

1- كتاب: روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة: لـ إلياس أبي شبكة، وهو كتاب فكري نقدي.

2- ومقدمة ديوان: أفاعي الفردوس: لـ إلياس أبي شبكة أيضًا.

ومن أعلام عصبة العشرة: إلياس أبي شبكة، كرم ملحم كرم، ميشال أبو شقرا، خليل تقي الدين، توفيق عواد.

وجماعة أبوللو كانت عام 1932م، وكان أول رئيس لها أحمد شوقي، وخلفه خليل مطران الذي كان كلاسيكيًا وانتقل إلى الرومانتيكية, وهي تتألف من: أحمد زكي أبو شادي, وعلي محمود طه[12] الذي كتب الكثير من القصائد الرومانتيكية المغنَّاة, وإبراهيم ناجي الذي كتب القصيدة التي سنتناولها الأطلال[13], و أبي القاسم الشابي.

الآن، ما هي سمات الرومانتيكية العربية؟

لا تختلف كثيرًا عن سمات الرومانتيكية الغربية, فمن سماتها: تمجيد الكآبة، والتغني بالألم, وأيضًا العبقرية، وإطلاق عنان الخيال, والنهوض بالحياة المدنية، والثورة على التقاليد والشرائع، وتمجيد الحب، فالقلب لديهم هو مصدر المشاعر، ومصدر الحركة وليس العقل، فالرومانسيون لا يتحركون بعقولهم وإنما قلوبهم هي التي تحركهم، والروح الصوفية، فرموزهم صوفية، وهذه الرموز هي رموز موجودة ومتوارثة في الثقافة العربية الإسلامية، أخذها الأوروبيون (الشعراء الجوّالون) من الشعراء العرب العذريين.

أيضًا النقد الرومانتيكي في (الغربال) و (الديوان) من أين جاء هذا النقد؟ هل هو بنيوي يأخذ بنية النص مثلًا؟ هل هو شكلاني يعتمد على الشكل أو اللغة؟

هو نقد ذاتي تأثّري, أي كل شخص وفاقًا لذاته ومعارفه الخاصة، فهذا نقد غير موضوعي، ويسمى النقد الذاتي التأثري.

لوَّن الرومانتيكيون بقوافيهم، واعتمدوا طريقة الموشح، وكانت ألفاظهم بسيطة، ولكن صورهم كانت جديدة، فيها الجدة، و الروح الصوفية، والبساطة والعمق. والبساطة في اللغة لا تنفي العمق في المعنى؛ لأن الموضوع قائم على الصورة, فحطموا القواعد الصلبة واعتمدوا على الخيال المجنح الذي لا يَقر على الأرض ِأبدًا كما وجدنا عند الغربيين.

سنتناول إبراهيم ناجي بوصفه نموذجًا للمذهب الرومانتيكي أو الرومانسي.
إبراهيم ناجي


وهو من مواليد أواخر القرن التاسع عشر عام 1898م وتوفي عام 1953م، أي في منتصف النصف الثاني من القرن العشرين.

هو مصري وُلد لعائلة مصرية مثقفة, تأثّر بقراءات والده لـ تشارلز ديكنز و شكسبير مثلًا- وكان ضليعًا في اللغات الأجنبية وباللغة الانكليزية تحديدًا, ونظم الشعر في سن الثالثة عشرة.

دخل كلية الطب بسبب تأثير مدرِّس سوري علَّمه الرياضيات بطريقة سحرية _كما يقول_، فحببه فيه وأتى بأعلى علامات في الفرع العلمي ودخل كلية الطب, وهو بارع في الشعر منذ الثالثة عشرة من عمره.

كانت لوالده علاقة مع خليل مطران حميمة، فكانا صديقين, فحفظ إبراهيم ناجي ديوان خليل مطران كاملًا, فهناك موهبة وعبقرية.

لاحظوا، عناوين دواوينه:

1- وراء الغمام، عام 1934م.

2- ليالي القاهرة، عام 1944م.

3- في معبد الليل، عام 1948م.

4- الطائر الجريح، عام 1953م.

وهي عناوين رومانسية وموحية, غير العناوين التي سندرسها عند شعراء المقاومة وشعراء التفعيلة، طبعًا هي عناوين رائعة لكن مختلفة تمامًا، رموزها مختلفة وتعطي إيحاءً آخر، من مثل:لماذا تركت الحصان وحيدًا؟ وهذا العنوان يعطيك إيحاء مختلفًا عن عنوان الطائر الجريح.

وإبراهيم ناجي لاقى تعنيفًا من العقاد وطه حسين هذان الصارمان الكلاسيكيان, رغم أن طه حسين كان لديه ميول رومانتيكية وكتب (الأيام), ولكن كان يرفض مثل هذا الشعر الرقيق، شعر إبراهيم ناجي، فصارا يشنعان عليه في الصحف، فشنوا حملة صحفية ضده في الصحف, وقالوا: إن شعره شعر صالونات ولا يحتمل الخروج للواقع لأنه سيصاب بالبرد.

لم يحتمل إبراهيم ناجي هذا النقد، لدرجة أن هذا النقد أزعجه فسافر إلى لندن، وأراد أن يبتعد, وهناك دهسته سيارة، ونُقل إلى المستشفى, فعاش طول حياته مع الأزمة حتى توفي عام 1953م، فالرومانتيكيون يبحثون عن الأزمة، لا يستطيعون العيش دونها، يبتدعونها ليعيشوا فيها.

أخيرًا، في المحاضرة القادمة سنتناول قصيدته الشهيرة وهي الأطلال، وسنتناول قصيدة هذه ليلتي لجورج جرداق، وهما قصيدتان مغناتان، وعليكم تحضيرهما وحفظ أبياتهما للتمثيل بأبياتهما إذا جاءتا في الامتحان- على سمات المذهب، وعلى الطالب كتابة البيت بأكمله، فلا يُقبل من الشاهد أول كلمتين فقط أو الشطر الأول أو الشطر الثاني فقط، لذلك على الطلاب حفظ جميع القصائد التي تعطيها الدكتورة في محاضراتها، بالإضافة للأبيات التي تضيفها في المحاضرة، وبالإضافة إلى هاتين القصيدتين اطلعوا على قصيدة الريال المزيف إن شاء الله.
تمت بعونه تعالى





[1] الرومانْتيكيَّة (Romanticism): يمكن تعريفها بأنها: الاتجاه نحو التحرر من القواعد القائمة والتقاليد الموروثة وحب الطبيعة وتغليب المشاعر الذاتية والخيال على العقل و المنطق. والرمانتيكية من وجهة النظر الفلسفية إطلاق الموقف الفردي وإثارة الشعور في أغمض الصور، والاعتقاد بلا نهائية الوجود و لا نهائية التقدم في التاريخ.


[2] الأرستقراطية (Aristocracy): نظام سياسي يتميز بأن يتولى الحكم فيه طبقة من النبلاء أو أفراد من الطبقة الخاصة، ويكون احتكاراً لهم، والحكم الأرستقراطي مبني على أساس التمييز الطبقي، وعلى أساس أن بعض الأفراد أصلح من غيرهم لل
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى