يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 8901
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

المحاضرة الرابعة شعر عربي حديث د. سعد الدين كليب

في 2010-12-06, 15:00

بسم الله الرحمن الرحيم


نتابع اليوم في تحليل النص الأول والذي تناولناه في المحاضرة السابقة، وهو نص محمد البزم. وهذه المحاضرة، بشكل عام، سوف تكون حوارية؛ فمسألة قراءة النص من وراء المنبر وإصغائكم إليه مني (د) لن تستفيدوا شيئًا، فإذا لم تسترسلوا معي، فلن تستطيعوا استيعاب التحليل في هذا الفصل وفي الامتحان.

فأنت أيها الطالب- عندما تحلل، وأنت تعرض عليك جملة أو بيتًا أو مقطعًا من هذا النص أو ذاك، سوف تكون لديك القابلية الكبرى لأن تدخل مباشرة في النص الامتحاني، لذلك أرجو أن تسهموا أنتم، فأنا أعطيتكم الخطوات، وأنا ماشٍ معكم حتى نهاية تلك الخطوات، إنما أرجو أن تتفكروا معي في هذا النص، ولا تتخيلوا إطلاقًا أن أستاذكم أيًا كان اسمه- يمكنه أن يعطي الكلمة الفصل في تحليل نص ما إطلاقًا، فنحن في كلّ مرة نأتي فيها إلى النص نكتشف فيها شيئًا جديدًا، فنكتشف ما هي القضية.

وبما أنكم عظْمٌ[1] ذوقي متنوع فلا شكّ بأنكم سوف تمسكون بالنص من مختلف مداخيله، لهذا ساعدوا أن أنفسكم لنكون أمام صورة مثلى نسبيًا في التحليل، وكي يكون التحليل مسألة بسيطة جدًا في الامتحان، وفيما بعد الامتحان أيضًا.

توقفنا في المحاضرة السابقة عند الحركة الجمالية، وبقي لدينا حركتان[2]:

1- الحركة الفنية.

2- والحركة الذاتية.

وفي الحركة الجمالية أكدنا من خلال النص نفسه، أننا أمام قيمة السّامي المتعالي المتداخلة مع قيمة ثقافية موروثة وهي قيمة الرجولة من جهة، وقيمة الإخاء من جهة أخرى، وهذا الإخاء عبر التسامي على الاختلافات، والرجولة عبر مفهوم الفحولة في تراثنا القديم. فالنص ثقافيًا- يؤكد على مسألة التمايز بين البشر، لكن ليس التمايز الطبقي بالضرورة، وإنما التمايز هو التمايز الذهني، فأخو من جهة يقابله من ليس أخًا للب.

الآن، ماذا عن البنية الفنية و وماذا عن الحركة الفنية؟

كنا قد أشرنا إلى أن قيمة السّامي هي القيمة العليا في النص والتي تتقاطع مع قيمة المُعذَّب إلى حد طفيف، ولكن نحن كما قلنا- أمام قيمة السّامي.

أين ظهر السّامي في النص؟ -وأقصد السّامي فنيًا في النص- ما هي تعبيرات السّامي في النص؟ ما هي البنية الفنية التي ظهرت؟

إذًا، سنتوقف في النص عند الصورة الفنية، وعند اللغة الشعرية، وكذلك إذا كان فيه حقل دلالي نتوقف عنده.

قصيدة الشاعر محمد البزم:


أَسْعِدَانِي بِعَبْـَرةٍ أَسْعِدَانِــي
وَعِيَـا القَوْلَ فاَلحَدِيْثُ شُجُوْنُ أَنْتُمَـا المُؤْنِسَانِ فِيَ وَحْشَـةِ الليـ
أَنْتُمَا حَادِيَـا حَيَاتِـي فَجِـدّا
قَدْ مَلَلْتُ المقَـامَ فِي هَذِهِ الأَرْ
لَيْتَ لِي فِي ذُرَاكُمَا كِسَر بَيْتٍ
لَوْ وَجَدْتُ الطَّرِيْقَ أَوْ وَجَدَتْنِي
أَمْتَطِي كَاهِلَ الفَضَـاءِ اخْتِيَالًا
فَأَخُوْ الُّلبِّ مُذْ عَرَفْنَـا قَدِيْمَـًا
نَبِّئَـانِـي وَأَنْتُمَــا مَاثِـلَانِ



تَرْعَيَانِ الغَبْـرَاءَ لا تَسْـأَمَانِ
لَمْ تَزَالَا عَلَى كُرُوْرِ الَّليَالِـي
أَفْهِمَانِي وَلا تُطِيْلَا عَذَابِــي
وَإِلَى أَيْنَ تَنْهبَانِ فَضَـاءَ الـ
اتْرُكَا السَّيْرَ وَاسْتَرِيْحَـا قَلِيْلًَا
حَدِّثَانِي, أَفِيْكُمَا مِثْلُ هَــذِي
يَأْكُلُ الأيِّدُ الضَّعِيْفَ وَيُغْـَذَى
أَمْ خَلَاءٌ وَمَا إِخَـالُ خَـلَاءً



هَلْ يُرَى فِيْكُمَا شُعُوْبٌ كَهَذِي
هَلْ تُرَى فِيْكُمَا الجُيُوْشُ تُبَارَى
أَكَذَا فِيْكُمَـا الحَيَـاةُ شَقَــاءٌ
أَمْ بَقَاءٌ وَمَنْ يُرَجِّـي بَقَــاءً
هَلْ يُرَى فِيْكُمَا الفَقِيْرُ المُعَرَّى
أَمْ تَسَاوٍ وَلَا أَرَى مِنْ تَسَـاوٍ
ج





















***

















***

وَارْثِيَا لِي يَا أَيُّهَـا الفَرْقَـَدانِ
وَاصْغِيَا لِي إِنْ كُنْتُمُا تَسْمَعَانِ
ـلِ إِذَا مَا جَفَا الكَرَى أَجْفَانِي
وَاحْدِيَا بِي يَا أَيُّهَـا الحَادِيَـانِ
ضِ وَشَوْقِي إِلَيْكُمَا قَدْ بَرَانِـي
فَيَقِيْنِـي مِنْ طَارِقِ الحَادِثَـانِ
لَسَعَتْ بِي إِلَيْكُمَـا القَدَمَــانِ
وَعُيُـوْنُ الأَقْوَامِ نَحْـوِي رَوَانِ
لَيْسَ يَرْضَى السُّكْنَى بِدَارِ الهَوَانِ
لِعَيَـانِـي أَأَنْتُمَــا حَارِسَـانِ



فِي حِفَـاظٍ لَهَـا وَلا تَغْرُبَــانِ
تَخْطُرَانِ فِي حُلَّتَـيْ عُنْفُــوَانِ
عَنْ مَصِيْرِي يَا أَيُّهَـا الأَخَـوَانِ
ـكَوْنِ, هَلْ ثَمَّ بَرْزَخٌ تَبْغِيَــانِ
فَإِلَـى كَـمْ وَأَنْتُمَـا تَجْرِيَــانِ
فَلَــوَاتٌ تَـغُصُّ بِالحَيــوَانِ
جَارِحُ الطَّيْرِ مِنْ دَمِ الكَــرَوَانِ
خَبِّرَانِـي, وَخّفِّفَـا أَحْزَانِــي



فَرَّقَتْهَــا مَذَاهِـبُ الأَدْيَــانِ
فِي عِدَاءٍ تَؤُمُّ سَاحَ الطِّعَــانِ
إِثْرَ نُعْمَى وَهَـادِمٌ إِثْـَر بَانِـي
وَخُيُوْلُ الزَّمَـانِ فِي وَخَـدَانِ؟
فِي خُضُوْعٍ لِصَاحِبِ الطَّيْلَسَانِ
بَيْنَ هَذِي الأَجْرَامِ وَالأَكْـوَانِ



ماذا يسترعي انتباهنا في النص؟ نبدأ لغويًا، أو نبدأ صوتيًا: ما الصوت الذي يتكرر طوال القصيدة، وليس في حرف الروي فحسب؟

يُلاحظ تكرار ورود (المدود) أحرف المد وخاصة (الألف). ولاحظوا الهيمنة شبه المطلقة لأحرف المد وخاصة الألف، (أسعداني, ارثيا، لي، يا, أيها, الفرقدان, وعيا, واصغيا, تسمعان, أنتما, المؤنسان, إذا ما جفا, الكرى, أجفاني...). لاحظوا كيف تتوالى أحرف المد وكأن الشاعر يسعى إلى الأعلى عبر تلك المدود أو أحرف المد أو حرف المد الألف، بالتحديد، أو أنه يفرغ شحنة داخلية مديدة, فقوله:

أَنْتُمَا حَادِيَـا حَيَاتِـي فَجِـدّا وَاحْدِيَا بِي يَا أَيُّهَـا الحَادِيَـانِ

هناك صوت واحد متكرر، أولًا حرف المد الألف، ثم حرف النون المكسور، وقد ساعده على ذلك خطابه للمثنى، فساعده على أن يكون حرف النون مكسورًا بشكل دائم هو خطابه للمثنى، إضافة إلى أن حرف الروي نفسه هو حرف مكسور. لكن نحن نضع كل حروف الروي جانبًا، لماذا؟

لأن هذا الحرف التزمه الشاعر منذ البداية وتابعه حتى نهاية القصيدة، بالرغم من أهميته القصوى في توكيد مسألة حرف المد وحرف النون المكسور إلا أنه تابع في حشو النص، في مد النص، من أول البيت إلى آخره, كما قلنا: أسعداني، أنتما المؤنسان... أي أن حرف المد -الألف- هو الأكثر هيمنة على النص. ويتابع الشاعر في حرف الألف فيقول:

نَبِّئَـانِـي وَأَنْتُمَــا مَاثِـلَانِ لِعَيَـانِـي أَأَنْتُمَــا حَارِسَـانِ

والفن عمومًا اختيار؛ أي اختيار لأسلوب معين في لحظة الإبداع، فيمكن للشاعر أن يكتب هذا النص- بطريقة أخرى في لحظة أخرى. فدائمًا، الأسلوب هو اختيار والفن هو أسلوب فهو اختيار دائمًا. لماذا اختار:

نَبِّئَـانِـي وَأَنْتُمَــا مَاثِـلَانِ لِعَيَـانِـي أَأَنْتُمَــا حَارِسَـانِ

لماذا اختار أحرف المد الألف- هنا في هذا النص بالتحديد[3]؟

هنا، وفي هذا النص بالتحديد، استخدم حرف المد الألف بكثرة لافتة للنظر بحيث بدت القصيدة عبارة عن مدود متواصلة، وهذا كما نرى- يتناغم تمامًا مع السمو والارتفاع والامتداد. لأن السمو ليس ارتفاعًا فقط، لكي لا يقع في ذهنك هذا، وهو أن كل شيء مرتفع يصبح ساميًا!

فالامتداد الذي يبدو لا متناهيًا هو سمو أيضًا، فنحن لا نحس بالسمو فقط إذا كنا في قعر الوادي ونظرنا إلى الجبل، بل نحس بالسمو أيضًا إذا كنا بالصحراء وأمامنا امتداد واسع. لماذا نحس بالسمو هنا؟

لأن هذا الامتداد يتقاطع مع السمو عبر الأفق، وبالتالي نحس أن الدنيا كلها مفتوحة وممتدة، وبالتالي نحس هنا بالسمو. إذًا، في هذا النص بالتحديد نقول: إنّ المدود أسهمت في توكيد قيمة السّامي المتعالي.

ويمكن لأحدنا في دراسة تحليلية متأنية أن يعدد أحرف المد، ولو قلت لكم إن القصيدة تشتغل مثلًا على ما يقرب من (50) أو (60) أو (70) فرضًا- أي لو كنا أمام رقم تقريبي لحقل مدّي لقصيدة مؤلفة من عشرين بيتًا فهذا رقم كبير نسبيًا. فكيف إذا كان العدد أكثر من ذلك، ففي كل بيت ثلاثة أو أربعة حروف مد، فاضرب هذه بتلك فإذا بك أمام ما يقرب الثمانين تقريبًا، أي (20×4= 80)، فهذه ظاهرة أسلوبية صوتية هنا.

والسؤال: ما الذي يجعل مَعلمًا معينًا في القصيدة ظاهرة أسلوبية؟ ما الذي يجعل ظاهرة لغوية ما أو تعبيرية ما ظاهرة أسلوبية؟

التواتر, تواتر الظاهرة هو الذي يجعلنا نقول: هذه ظاهرة أسلوبية؛ أي كثرة تكرارها، أو تردادها في النص، فتقول هي لنا: أنا خاصة أسلوبية في هذا النص فالتفت إليّ، فالنص هو الذي يشدّك إلى تحديد ظواهره الأسلوبية.

وهنا أول ما شدنا مباشرة هو الأصوات -حرف المد مع النون-، وبما أنهما متلازمان -هنا- عبر المثنى، من مثل: المؤنسان، أسعداني، نبئاني... فنقول: نحن أمام ظاهرة صوتية تتلخص بالألف والنون، وهي متكررة عبر النص، هذه الظاهرة الأسلوبية تتقاطع مع قيمة السّامي، بسبب أنّ المد كما تعلمون- مفتوح ومطلق، والسّامي مفتوح ومطلق[4] أيضًا.

سؤال من أحد الطلاب: هل جاء الشاعر بالنون المكسورة لأنه نظر إلى الواقع فرآه واقعًا مأساويًا؟

لا، هذا السؤال فيه انطباعات ذاتية، وأنا لا أستطيع أن أؤكدها هنا في النص، ولكنني أقول إنها فكرة طريفة، لماذا لا أستطيع تأكيدها؟ لأنّ: نبئاني، وأخواني... فأين نجد الانتشار في: (أخواني)؟ عبر النون، وأين نجد الانتشار في: (أسعداني)؟ عبر النون، فالنون هي الأخرى ممدودة عبر الياء أو عبر الجرّ، فلو لاحظتم: أسعداني بعبرة أسعداني، ثم (الفرقدان)،... فالقصيدة لشاعر كلاسيكي محترف، وهو عضو مجمع اللغة العربية المجمع العلمي العربي سابقًا-. لاحظوا الآن:

نَبِّئَـانِـي وَأَنْتُمَــا مَاثِـلَانِ لِعَيَـانِـي أَأَنْتُمَــا حَارِسَـانِ

فالبيت الأول كله عبارة عن مدود، ثم الألف أو النون والياء، وكأنّ وراء كلّ نون ياء. أيضًا انظر قوله:

تَرْعَيَانِ الغَبْـرَاءَ لا تَسْـأَمَانِ فِي حِفَـاظٍ لَهَـا وَلا تَغْرُبَــانِ

مع العلم أن علم العروض، في مسألة [لا تسأمانِ]، لا يجيز للشاعر في نهاية الشطر إلا أن يكون الحرف الأخير من الكلمة ممدودًا فعليًا، ولا يحتاج القارئ إلى أن يُشبع الحرف، ولذلك هنا نحن مضطرون إلى أن نشبع الكسرة في [لا تسأمانِ] فنجعلها ياءً لئلا ينكسر الوزن، فكيف إذا كان هذا الإشباع في الحشو؟ لاحظوا قوله:

لَمْ تَزَالَا عَلَى كُرُوْرِ الَّليَالِـي تَخْطُرَانِ فِي حُلَّتَـيْ عُنْفُــوَانِ

و(تخطرانِ) هنا (فاعلانِ)، وهذا جواز عروضي ممكن، غير أنه في الحشو غير مستحب عروضيًا، على ماذا عوّل الشاعر؟ عوّل الشاعر على أن القارئ سوف يقرؤها (تخطراني)، سوف يشبعها بشكل طبيعي، وهي في واقع الحال تُشبع، فلا نقولها بسرعة دون إشباع: تخطرانِ في حلتي عنفوان، وإنما نقول: تخطراني في حلتي عنفواني، والقصد أن الشاعر استخدم كل هذه المدود والنون المكسورة أو المشبعة أيضًا، فإذ بنا -كما قلنا- أمام ظاهرة صوتية متكررة. والذي يؤكد الظاهرة الصوتية المتكررة، مسألة أخرى، وهي تكرار صيغة صرفية معينة.

الآن، تكرار الصيغ الصرفية، يقول: أسعداني بعبرةٍ أسعداني: وهذه صيغة صرفية متكررة، هنا صيغة صرفية (أفعلاني) ونحوية فالفعل أمر. ثم يقول: وارثيا لي, واصغيا لي: وهنا لازلنا أمام صيغة صرفية متكررة، و كذلك أمام صيغة نحويّة متكررة. فالتكرار في الصيغة النحوية أوضح، لماذا؟ لأن: واحديا, وارثيا, واصغيا: هي أفعال أمر، فهي صيغة نحوية وصرفية لأنها صوتيًا- متشابهة. أيضًا قوله: أنتما المؤنسان, أنتما حاديا: هنا تكرار الجملة في نفس الصيغة، حتى في إطار الأصوات. أيضًا قوله: جفا, وأجفاني، هذا سجع، لكننا لن نتوقف عند السجع، سنتوقف فقط عند الأصوات، فنلاحظ فيه التكرار الصوتي. يقول أيضًا:

أَنْتُمَا حَادِيَـا حَيَاتِـي فَجِـدّا وَاحْدِيَا بِي يَا أَيُّهَـا الحَادِيَـانِ

هنا بيت بكامله يقوم على تكرار صوتي. أما التكرار في الجمل، فقوله: أنتما المؤنسان في وحشة الليل, وأنتما حاديا حياتي. ولو عدنا إلى المقطع الثاني، عندما قال: نبئاني: عدنا إلى الصيغة الأولى أسعداني، وأنتما ماثلان: عدنا إلى صيغة أنتما المؤنسان. وقوله: لعياني أنتما حارسان: عدنا إلى الصيغة نفسها، صيغة صرفية صوتية متشابهة مع ما سبق.

تَرْعَيَانِ الغَبْـرَاءَ لا تَسْـأَمَانِ فِي حِفَـاظٍ لَهَـا وَلا تَغْرُبَــانِ

وهنا أيضًا في: ترعيان, تسأمان, تغربان: تكرار صوتي وتكرار فعلي نحوي وتكرار صرفي.

ثم: أَفْهِمَانِي.................... ............ يَا أَيُّهَـا الأَخَـوَانِ

ولو قلنا: إن الظاهرة الأهم في هذا النص هي ظاهرة تكرار المدود والصيغ الصرفية والنحوية المتكررة لكان كلامنا دقيقًا بالفعل، وقد يكون هذا النص من النصوص الخاصة التي تتكرر فيها هذه المدود.

أما في إطار الطباق والجناس:

وعلى الرغم من أننا لا نميل إلى الوقوف عند الطباق والجناس، ولكن الشاعر وقف عندها، وإذا كنت أنت لا تميل إلا هذا فإن الشاعر قد مال، فما عليك إلا أن تميل مع ميله. فهنا الشاعر لم يكثر من المحسنات اللفظية والبديعية ما خلا كذا وسنذكرها لاحقًا؛ وفي واقع الحال هو لم يكثر منها لبسبب أساسي، وهو أنه ينتمي إلى جيل كلاسيكيّ محدث رفض رفضًا قاطعًا أساليب عصور الانحطاط، رفض السجع، والطباق، ومختلف المحسنات اللفظية والبديعية، من دون أن يرفضها بمعنى أنه لا يستخدمها على الإطلاق، وإنما يستخدمها بشكل متوازن كما كان شاعرنا القديم قبل سقوطنا في عصور الانحطاط يفعل؛ فيأتي الطباق أو الجناس عفوًا، وهنا الشاعر أتاه الطباق والجناس عفوًا.

ملاحظة: الإتيان بالمحسنات اللفظية والمعنوية عمومًا دال على قرار معنوي روحي، ولهذا نحن نلهو بالشكل؛ أي نهتم اهتمامًا مطلقًا بالشكل، وذلك عندما لا يكون لدينا شيء داخلنا نقوله، لا يشدنا في داخلنا الآخر فنحاول شده بالشكل، وهذا نلحظه في الشعر والفن وفي كل ظواهر الحياة، في الإنسان وفي الفنون، فعندما يكون لدينا ما نقوله أو نكون أغنياء في دواخلنا يكون اهتمامنا بالشكل متوازنًا، معبّرًا عن غنانا الداخلي، وهذا لا يعني أن الاهتمام بالشكل هو فراغ، كمن يقول: غدًا صباحًا لن أقف أمام المرآة ولن أرى وجهي كي لا يُقال حلمت بالشكل لأني فارغ أو لأني فارغة، لا، وإنما الاهتمام بالشكل هو تعبير عن الغنى الداخلي، أما الإفاضة غير العادية في الشكل دلالة على فراغ في المضمون.

من هنا الشاعر لم يقع في منزلق المحسنات، لكن المحسنات جاءت عفو الخاطر، ونكتفي بالإشارة إليها، من مثل: جفا الكرى أجفاني: جناس، شقاء/نعمى: طباق، هادم/باني: طباق، فلوات/تغص [هنا ليس طباقًا، وإنما هنا شيء من التناقض، فكيف تغص الفلوات؟ أي هنا استخدام للمفردات عبر التناقض]، الأيد/الضعيف: طباق، جارح الطير/ دم الكروان: مقابلة، والمقابلة أوسع من الطباق لأنها عبر الجمل وليست عبر المفردات.

وبهذا تكون أمام نص لم يكثر فعليًا من المحسنات اللفظية، وهذا ليس دال على سموه، بل هذا دال على مدرسيته الجديدة, هذا دال على كونه شاعرًا ينتمي إلى الكلاسيكية المُحدثة التي خرجت على أساليب عصور الدول المتتابعة، أو العصر المملوكي والعثماني، أو عصور الانحطاط -بحسب موقفنا- خرجوا من الاهتمام بالشكل إلى الاهتمام بالمضمون، والنص يهتم بالمضمون اهتمامًا كبيرًا، فهو يهمه المضمون ولكن اهتمامه بالمضمون لا يعني أنه خفف من اهتمامه بالشكل. فلاحظوا كيف يردد مدودًا وحروفًا عامة حيث يبدو النص وكأنه يتراقص، والنص في واقع الحال بسبب حركته الصوتية، وحركته الصرفية، وحركته والنحوية؛ أي أن هذا التكرار وهذه المدود والحروف أشبه بالتراقص، أو هذا النص هو أشبه بالرقص اللغوي الفني، حتى إنك يمكن أن تغنيها دون اللجوء إلى زياد الرحباني أو رياض السنباطي. فقوله:

أَسْعِدَانِي بِعَبْـَرةٍ أَسْعِدَانِــي وَارْثِيَا لِي يَا أَيُّهَـا الفَرْقَـَدانِ

لماذا ينتظر أن تغنيها بينك وبين نفسك؟ لأن النص كما قلنا- يتكرر فيه حروف أو مدود وصيغ متقابلة ومتشابهة وجمل متقابلة وتراكيب كذلك, فالنص مَجدُول بقوة شديدة بحيث يبدو متراقصًا ومتحركًا وحيويًا.

سؤال من أحد الطلاب: عندما قال: أسعداني بعبرة أسعداني: الإسعاد يكون ببسمة، فكيف هنا الإسعاد بعبرة؟

طبعًا، هنا لا يقصد دموع الفرح، مثال: أنا حزين، وحدثت فتاة ما في حزني، وهي لا يرف لها جفن، ولا تتفاعل مع كلامي، هويريد التفاعل معه، فالقصد أن الشاعر يطلب التفاعل، تفاعل الفرقدين معه، فلا يقبل أن يشكو همه لهما، وهما كجلمود صخر واقف في العالي، لا يُعقل، ولذلك لا بد له من أن يُسعد بـ عبرة، أن يحس بأن بداخله يتفاعل معه كونيًا.

واللغة المستخدمة لغة أقرب إلى الفخامة أو الجزالة -والجزالة[5] تعني الفخامة- والفخامة اللغوية أو الجزالة اللغوية هنا تتناسب مع أمرين في واقع الحال؛ أي عندما قال: أسعداني, نبئاني, ماثلان, عيان, ولا تغربان, هي تراكيب متماسكة، وهذا يعبر عن أمرين:

الأول: قيمة السّامي، والتي تتطلب لغةً تلائمها، ولا لغة تلائمها أكثر من اللغة الفخمة الجزلة. والثاني: أن الشاعر كلاسيكي محدث، وهو ميال عمومًا إلى التعابير الفخمة والمفردات الفخمة وما شاكل ذلك؛ لأنه يحاول أن يماثل شعراءنا القدامى بقوة تعبيرهم وتماسكهم هذا من جانب، ومن جانب آخر، أن قرَّاءه أو مستمعيه هم معظمهم من الخاصة وليس العامة.

وتذكروا أن هذا النص كتب تقريبًا في العُشر الأول، أو تقريبًا في العشرين أو الثلاثين من القرن العشرين، عندما كانت الأمية تشمل المجتمع العربي كله. والأمية كما تعلمون كانت عامة، والشاعر صحيح أنه يكتب الشعر للناس كافة، ولكن من يقرؤه، من يسمعه؟ خاصة الخاصة في حقيقة الأمر. ولا نعتقد أنه سيخطر في باله أن نصه هذا سوف يُحلل أمام ملأ من الناس، فكانت تكفيه خاصة الخاصة لتسمعه، ولذلك بما أن الخطاب للخاصة فمن الطبيعي أن تكون اللغة راقية، ومن هنا أيضًا نفهم لماذا يميل الكلاسيكيون المحدثون إلى لغة فخمة ومعتمدة في شعرنا القديم، فشعرنا القديم هو الذي سبقهم إلى مثل هذا.

التراكيب:

التركيب يمكن أن يكون أكثر من كلمة، ويمكن أن يكون أكثر من جملة، ويمكن ألا يحتوي إلا على المضاف والمضاف إليه.

ونتساءل: هل الفخامة بالمعنى أو باللفظ؟

الفخامة غالبًا في اللفظ، وغالبًا ما نراها عبر المدود من جهة، وعبر الجموع كذلك من جهة أخرى, حيث نجد أن الشاعر يميل إلى لغة الجمع، والمثنى جمع في نهاية المطاف.

سؤال من أحد الطلاب: ما دلالة الحروف كالضاد أو الظاء أو القاف....؟

هذه الحروف لها تسميتها في علم الصرف، كالحلقية واللثوية و ما شابه ذلك، ولكن نحن هنا لا نُعنى بهذا الجانب، ولكن نحن نُعنى بالجانب الفني من الصوت، وعندما يستطيع الصوت أن يتحوّل إلى ظاهرة أسلوبية فنية نتوقف عنده، وهنا لا نجد مثل هذه الأصوات.

الآن: يقول الشاعر:


أَمْ خَلَاءٌ وَمَا إِخَـالُ خَـلَاءً
أَمْ بَقَاءٌ وَمَنْ يُرَجِّـي بَقَــاءً
أَمْ تَسَاوٍ وَلَا أَرَى مِنْ تَسَـاوٍ
ج


................................
.................................


.................................



لاحظوا أنّ هذه تراكيب احتمالية متكررة.

وأريد أن أشير إلى أن الفرق المقطع الأول والمقطع الأخير، هو أن المقطع الأول يسعى باتجاه السمو، والمقطع الأخير تظهر فيه قيمة المُعذَّب والقلق في الوقت نفسه، ولهذا كَثُر فيه التّردد والتساؤل، يقول:


هَلْ يُرَى فِيْكُمَا شُعُوْبٌ كَهَذِي
هَلْ تُرَى فِيْكُمَا الجُيُوْشُ تُبَارَى
أَكَذَا فِيْكُمَـا الحَيَـاةُ شَقَــاءٌ
أَمْ بَقَاءٌ وَمَنْ يُرَجِّـي بَقَــاءً



فَرَّقَتْهَــا مَذَاهِـبُ الأَدْيَــانِ
فِي عِدَاءٍ تَؤُمُّ سَاحَ الطِّعَــانِ
إِثْرَ نُعْمَى وَهَـادِمٌ إِثْـَر بَانِـي
وَخُيُوْلُ الزَّمَـانِ فِي وَخَـدَانِ؟



لاحظوا الجمل الإنشائية القائمة على السؤال والتعجب، كثرَت عندما راح يعبر عن عجبه بهذا الألم أو بهذه الفرقة الموجودة على هذه الأرض؛ أي يعبر عن قيمة المُعذَّب, في حين أنه في المقطع الأول و الثاني كذلك نجد فعل الأمر فيأتي على سبيل الأمر من جهة، و على سبيل التوكيد من جهة أخرى، يقول:


أَسْعِدَانِي بِعَبْـَرةٍ أَسْعِدَانِــي
أَنْتُمَا المُؤْنِسَانِ ....................


أَنْتُمَا حَادِيَـا حَيَاتِـي فَجِـدّا
أَمْتَطِي كَاهِلَ الفَضَـاءِ اخْتِيَالًا
فَأَخُوْ الُّلبِّ مُذْ عَرَفْنَـا قَدِيْمَـًا



وَارْثِيَا لِي يَا أَيُّهَـا الفَرْقَـَدانِ
......................................


.....................................
.....................................

.....................................



لاحظوا، هي جمل أو تراكيب توكيدية، أو قائمة على التوكيد، تلائم هذا السمو الذي يطرحه الشاعر، مثلما أن المقطع الأخير قائم على التراكيب والجمل الإنشائية والاحتمالية التي تدلل على تقاطعه مع قيمة المُعذَّب.

الآن، لو سألنا عن الحقل الدلالي المهيمن فماذا نقول؟



تابعوا الجزء الثاني
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 8901
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

رد: المحاضرة الرابعة شعر عربي حديث د. سعد الدين كليب

في 2010-12-06, 15:03
الآن، لو سألنا عن الحقل الدلالي المهيمن فماذا نقول؟

الحقل الدلالي المهيمن:

الحقل الدلالي هو المفردة الأساسية التي نجد لها صدىً أو تكرارًا أو ترددًا في عدد كبير من المفردات التي تتقاطع معها

مثلًا: لو قلنا البحر, البحر يذكرنا بالنهر, بالماء, وبالساقية, وبالنبع، أيضًا يذكرنا بالزورق, وبالسفينة, وبالغريق, وبالسباحة......

لاحظوا أن هناك عددًا كبيرًا من المفردات، لكن في نص ما، يبدو صدى البحر عبر الماء، وفي نص آخر يبدو صدى البحر عبر السفر، البحر والشراع, وفي نص ثالث يبدو صدى البحر في كوارثه، كالعواصف والغرقى و....... إلى آخر ما هنالك.

فالحقل الدلالي الواحد لا يعني أن وراءه نمطًا نفسيًا أو نمطًا ذهنيًا واحدًا، بحسب هذا النص أو ذاك، لكن نلاحظ كيف يهيمن الحقل الدلالي على المفردات أو على النص بكامله.

ما الحقل الدلالي المهيمن في النص؟

النص يهيمن عليه حقل الحركة والسير المتواصل، يقول:


أَنْتُمَا المُؤْنِسَانِ فِيَ وَحْشَةِ الليـ
أَنْتُمَا حَادِيَـا حَيَاتِـي فَجِـدّا
قَدْ مَلَلْتُ المقَـامَ فِي هَذِهِ الأَرْ
لَيْتَ لِي فِي ذُرَاكُمَا كِسَر بَيْتٍ
لَوْ وَجَدْتُ الطَّرِيْقَ أَوْ وَجَدَتْنِي
أَمْتَطِي كَاهِلَ الفَضَـاءِ اخْتِيَالًا
فَأَخُوْ الُّلبِّ مُذْ عَرَفْنَـا قَدِيْمَـًا



ـلِ إِذَا مَا جَفَا الكَرَى أَجْفَانِي
وَاحْدِيَا بِي يَا أَيُّهَـا الحَادِيَـانِ

ضِ وَشَوْقِي إِلَيْكُمَا قَدْ بَرَانِـي
فَيَقِيْنِـي مِنْ طَارِقِ الحَادِثَـانِ
لَسَعَتْ بِي إِلَيْكُمَـا القَدَمَــانِ
وَعُيُـوْنُ الأَقْوَامِ نَحْـوِي رَوَانِ
لَيْسَ يَرْضَى السُّكْنَى بِدَارِ الهَوَانِ



فهنالك جفوٌ للكرى، وهنالك محاولة للسهر، وحركة باتجاه السهر في وحشة الليل.

أنتما حاديا: أي قائدا حياتي في أية حال، وليس قائدا حياتي وأنا قاعد. فجدّا, واحديا بي يا أيها الحاديان, قد مللت المقام: أي سعي باتجاه السير. وشوقي إليكما قد براني: والشوق حركة نفسية، وهذا يعرفه المتصوفة وتحدثوا فيه كثيرًا، وهو أن الشوق حركة نفسية باتجاه الآخر، والآخر عند المتصوفة هو الذات الإلهية، ولذلك فالعبد في حالة شوق دائم للذات الإلهية، أي في حركة دائمة.

لو وجدت الطريق, سعت: مشت, القدمان: آلة السير, أمتطي، روان: ناظرات، وفيها شكل من أشكال الحركة؛ أي رنا باتجاه الأعلى. ليس يرضى السكنى بدار الهوان: والسكنى هي نقيض الحركة، لكنه ليس يرضى السكنى.

أما المقطع الثاني فكله حركة، مثلًا: تنهبان, تبغيان, لا تسأمان, لا تغربان, لا تزالا على كرور الليالي, تخطران, تمشيان... أما عنفوان فهي حالة نفسية وسلوكية أكثر منها حالة حركية، و الفحوى في عنفوان أنه تعبير مجازي، ولكن يمكن الاستفادة منه في هذا.

وَإِلَى أَيْنَ تَنْهبَانِ فَضَاءَ الكَوْنِ, هَلْ ثَمَّ بَرْزَخٌ تَبْغِيَانِ: لاحظوا هذه السرعة وهذا التواصل في السير.

فلاحظوا كيف تهيمن مفردات الحركة والسير.

أما في الأبيات الأخيرة، يقول:

اتْرُكَا السَّيْرَ وَاسْتَرِيْحَا قَلِيْلًَا فَإِلَى كَمْ وَأَنْتُمَـا تَجْرِيَانِ

فهو لا يطالبهما بذلك، هو فقط يطالبهما أن يتفاعلا معه، وعندما قال: اتركا السير: هنا نوع من التحبب مع الفرقدين.

إذًا، فالنص يهيمن عليه حقل الحركة أو السير وهذا ما يدلل على أن الشاعر في حالة سير دائم باتجاه السمو، ويدلل على أن هذه الحركة الموّارة التي لا تتوقف تعبير عن نزعة جمالية لا يتوقف عنها الشاعر وهي السعي باتجاه الأفضل وباتجاه الأسمى.

أحد الطلاب: بداية القصيدة فيها شيء من الحزن؟

نعم، وهذا ما جعل الزملاء جميعًا في الأسبوع الفائت يتحدثون عن المُعذَّب في النص، ولكن في واقع الحال قوله (أسعداني بعبرة أسعداني)، هذه لو استخدمنا لغة تقنيات الرواية، فهذا ما يسمى بـ: (الخطف خلفًا)؛ أي بسبب ما جرى في المقطع الأخير (المقطع الثالث)، أو بسبب الإشكاليات والعذاب القائم في هذا الكون الذي ظهر في المقطع الثالث دفع الشاعر لأن يقول (أسعداني)؛ أي ما عبّر عنه الشاعر في المقطع الأخير وهو العذاب والألم المستشري في هذا الكون وهذه الأرض هو ما جعل الشاعر يقول في البداية أسعداني, ولكننا ما عرفنا لماذا يطلب منهما الإسعاد (أسعداني بعبرة أسعداني) إلا في الأخير، لماذا؟ بسبب ما رآه من عذابات يعانيها البشر بين قوي وضعيف، وجائع ومُتخم.

وفي بداية القصيدة يقول الشاعر (أسعداني) و(ارثيا لي) فهذا له علاقة بالطباق، ففي البداية يطلب الإسعاد، وفي الوقت نفسه يطلب أن يُرثى لحاله.

أحد الطلاب: الفعل أسعداني جاء في النص بمعنى ساعداني، وقد جاء في نصوص أخرى على هذه الشاكلة؟

الجذر هو (س ع د)، وليس ( س ا ع د)، إلا إذا كان ساعد أصلها سعد، أما أسعد من الإسعاد، وساعد من المساعدة، وأنت تقول لي أن العرب استخدموا ذلك، ولكن هل استخدموا ذلك في نص نثري علمي أم استخدموه في نص شعري؟ فإذا كانوا قد استخدموه في نص شعري فهذا مجاز وهذا موقف بلاغي يمكن لآخر أن يستخدمه بطريقة أخرى، أما إذا استخدم في المعجم، وقيل لك في المعجم أسعده بمعنى ساعده عندها سأقول لك شيئًا آخر[1]، فعليك أن تأتي لنا بنص دقيق يفحمنا فنقول: معك الحق.

نتابع:

وهنالك حقل آخر وهو حقل (الارتفاع والامتداد)، وهذا موجود في النص ولا داعي لأن نذكره لأننا لا نستطيع أن نمثل بأمثلة على كل شاردة وواردة.

ملاحظة: إذا جاء هذا النص في الامتحان وقلت لكم حددوا لي البنية اللغوية في هذا النص الدالة على قيمة السّامي، فيجب على الطالب أن يعطي الفكرة (الارتفاع والامتداد) ويدلل عليها بالشاهد، بكذا وكذا وكذا.

وقد نجد في قوله (أسعداني بعبرة أسعداني) تخفيفاً لشحنة انفعالية كبيرة[2].

نكتفي بهذه النقاط التي ذكرناها في الحركة الفنية عبر اللغة، لكن لا بأس من الإشارة إلى أن الشاعر في هذا النص قلما يميل إلى التصوير فابتدأ في النص على نحو مجازي معهود -مألوف من قبل- في شعرنا القديم، وهو أن يخاطب الشاعر النجم أو الفرقد أو الفرقدين أو القمر أو الشمس، واكتفى بهذا الخطاب المجازي.

أما على صعيد التصوير الفني، فالشاعر غالبًا ما مال إلى القول المعنوي أو الفكري ولم يمل إلى التصوير الفني، وهذا الأمر أيضًا يتقاطع مع الكلاسيكية المحدثة، فالكلاسيكية المحدثة تميل غالبًا إلى التعبير بالقول لا التعبير بالصورة، فالصورة غالبًا ما تأتي تزيينًا أو توضيحًا أو تعميقًا أو توسيعًا.

مثلًا: قالت الخنساء:


وإنّ صخرًا لتأتمُ الهداةُ به



كأنه علمٌ في رأسه نارُ



فعندما قالت الخنساء: وإنّ صخرًا لتأتمُ الهداةُ به: انتهى المعنى تمامًا، ثم قالت: كأنه علم في رأسه نار: وهذه الصورة جاءت تزيينًا وتوضيحًا وتوكيدًا وتعميقًا وتوسيعًا للفكرة المطروحة في الشطر الأول. وكذلك قول المتنبي:


ما كل ما يتمنى المرء يدركه



تجري الرياح بما لا تشتهي السفن



ففي الشطر الأول نرى أن المعنى قد تمّ، فنقول ما كل ما يتمنى المرء ولا نكمل الشطر الثاني، فالشطر الأول والشطر الثاني هما بنفس المعنى, غير أنّ الشطر الأول جاء معنويًا و الشطر الثاني جاء صُوريًا، وهذه عادة لدى شعرائنا القدامى وهي أنهم يميلون إلى التعبير بالقول أكثر مما يميلون إلى التعبير بالصّورة, وقد التزمت الكلاسيكية المحدثة عبر شوقي، والبزم، والبارودي، وبدوي الجبل،.... بالتعبير بالقول ثم بالصورة إلى حدّ طفيف.

إذًا، فشاعرنا لم يمل كثيرًا إلى التصوير وإنما اكتفى بموقفه المجازي الأول في خطابه للفرقدين. ونرى أن هناك أنسنة في النص، فالشاعر جعل من الفرقدين بشرًا يحاوره ويتحدث إليه.

ومن الصور الفنية في النص، قول الشاعر:

أَمْتَطِي كَاهِلَ الفَضَـاءِ اخْتِيَالًا, وَعُيُـوْنُ الأَقْوَامِ نَحْـوِي رَوَانِ، وَخُيُوْلُ الزَّمَـانِ فِي وَخَـدَانِ, لَوْ وَجَدْتُ الطَّرِيْقَ أَوْ وَجَدَتْنِي [وهي استعارة مكنية هنا].... ولكنّ هذه الصور هي صور مكرورة، وصور معهودة من قبل ولا جدة فيها، وكأننا لو بحثنا عنها في شعرنا القديم لوجدناها متكررة. فالشاعر فنيًا لم يُعن بالتصوير بقدر ما عني بالتعبير بالقول، واكتفى بأتن يتخذ موقفًا مجازيًا من البداية بمخاطبته للفرقدين.

وهناك الكثير من الجوانب التي يمكن أن نقف عندها في النص، ولكن لا يعقل أن نتوقف عند كل شاردة وواردة في النص لأننا سنتحول إلى نص آخر في الأسبوع المقبل.

v الحركة الذاتية:

الانفعال عند الشاعر هو انفعال إيجابي لأنه يسعى إلى الأفضل، وهو انفعال ليس مأزومًا، لا يقوم على التأزم النفسي، والشاعر لو تأزم نفسيًا يبقى محاصرًا نفسه في حالة واحدة لا يغادرها، فالتأزم النفسي أشبه بالمكان الضيّق الذي لا يغادره المرء. فالشاعر هنا في حركة دائبة، والكون من حوله في حركة دائبة، وهو في واقع الحال في انفعال مستمر إيجابي وليس مأزومًا، هو انفعال سامٍ أيضًا لأنه يتسامى على الاختلافات القائمة على البغضاء.

ونتساءل: هل بدأ الشاعر من عَلٍ أو كان في حالة مستمرة دائبة؟

بدأ الشاعر بصيغة الأمر الانفعالية.

وفي الحقيقة، أن النص يطرح حركة ذاتية دائرية من أول النص إلى آخره، بحيث يبدو أن أول النص يسلمنا إلى آخره وآخره يسلمنا إلى أوله. فهو يقول منذ البداية:

أَسْعِدَانِي بِعَبْـَرةٍ أَسْعِدَانِــي وَارْثِيَا لِي يَا أَيُّهَـا الفَرْقَـَدانِ

وجواب هذا البيت يكمن في البيت الأخير:

أم تساوٍ ولا أرى من تساوٍ بينَ هذي الأجرامِ والأكوانِ

أي مهما رثيتما لي فلن يتغير شيء، فالأمور هي هي. ولذلك قلنا قبل قليل أن الشاعر في البداية يتحدث عن الفرقدين ويطالبهما بإسعاده ومساعدته بأن يخففا عنه آلامه. وهذا الأمر أساسه في المقطع الثالث (المقطع الأخير) فلو لم يكن ثمة شقاء وتفاوت واصطراع وقتل وأكل وما إلى ذلك لما طالب الشاعر الفرقدين بأن يسعداه.

إذًا، الشاعر يدور في حركة ذاتية لا تخرج عن مسارها, وهو أنه متألم لما يراه في هذه الأرض، وأنه يسعى إلى السمو والتخفف من أشكال الشقاء تلك، وأنه لا خلاص للبشرية عمومًا إلا بالتسامي فوق البغضاء، والتسامي فوق الحروب، والتسامي فوق التفاوت، سواء أكان ذلك على الصعيد الاقتصادي بين الفقير والغني، أو على الصعيد الديني بين مذاهب الأديان.

فنحن أمام حركة دائرية ذاتية تتعمق هذه الحركة وتتوتر في مكان وتتراجع في مكان آخر، فتبدأ قوية (أسعداني بعبرة أسعداني)؛ بمعنى أن هذا خطاب من إنسان ضاق ذرعًا بكل ما يحيط به من شقاء واصطراع، لذلك ما وجد من يخاطبه على هذه الأرض فخاطب الفرقدين، وفي الحقيقة هو خاطب الكون في نهاية المطاف، وخاطب الوجود الإنساني. يقول: كفى شقاءً، كفى تفاوتًا، كفى اصطراعًا, كفى قتلًا,..... لذلك هو في حالة انفعالية عامة قوية، واستمر النص على هذا النحو من قوله: (عيا القول، والحديث شجون، أنتما المؤنسان...) ثم يأتي في بداية المقطع الثاني ليعيد الكرّة نفسها. فيقول: (نبئاني وأنتما ماثلان لعياني), وهنا عدنا للنقطة ذاتها (أسعداني)، ثم إنّ ذاك الإسعاد وهذا التنبيء بالدرجة الانفعالية نفسها، وكذلك (حدثاني)؛ أي في كل مقطع يبدأ به الشاعر يعود إلى الحالة الانفعالية نفسها، وفي الحقيقة أن بؤرة النص هو المقطع الأخير؛ أي أن محور النص عمومًا هو المعاناة مما يجري على هذه الأرض، لكنها ليست معاناة قائمة على الاكتواء بنارها، فهو لا يعاني من أنه فقير، أو أنه صاحب طيلسان، هو مستقل عن هذه الأمور، فبؤرة النص هي المقطع الأخير؛ لأنه هو الأساس الأول في الكتابة، فلم يقل الشاعر أسعداني بعبرة أسعداني إلا تعبيرًا عن هذا المقطع، ولكن رغم ذلك فإن الحركة الذاتية دائرية، فهو من قوله أسعداني إلى قوله:

أم تساوٍ ولا أرى من تساوٍ بينَ هذي الأجرامِ والأكوانِ

وكأنه قال: مهما أسعدتماني لن تخلصاني من هذا التفاوت الكبير, ولذلك يمكن أن نقرأ النص على هذه الطريقة:


هَلْ يُرَى فِيْكُمَا الفَقِيْرُ المُعَرَّى
أم تساوٍ ولا أرى من تساوٍ
أَسْعِدَانِي بِعَبْـَرةٍ أَسْعِدَانِــي
ج


فِي خُضُوْعٍ لِصَاحِبِ الطَّيْلَسَانِ
بينَ هذي الأجرامِ والأكوانِ
وَارْثِيَا لِي يَا أَيُّهَـا الفَرْقَـَدانِ



فلو أعدنا قراءة البيت الأول في الأخير لكان الأمر متواصلًا تمامًا، أي بأنه لا تساوٍ إطلاقًا لذلك فأسعداني بعبرة أسعداني. لاحظوا الحركة الذاتية الدائرية، فالشاعر لا يهبط في شعوره أو في انفعاله، إنما يسير على وتيرة واحدة, إنه سامٍ، متسامٍ، لا يهبط، ولا يعلو، ويسير على وتيرة واحدة، ولا يهدأ شعوره، ولا يرتفع، إنما يدور في حركة مستمرة بين المقاطع والأبيات والحالة الانفعالية، وهذا ربط للحركة الذاتية بالقيمة الجمالية.

أحد الطلاب: لماذا لم نركّز على بيئة الشاعر، والوسط المحيط به؟

أنا ذكرت أن الشاعر كلاسيكي محدث، وأنه تقريبًا في بداية القرن العشرين، وذكرت أنه في عشرينيات أو ثلاثينيات القرن العشرين. ولكن إذا كانت القصيدة لا تُفهم إلا بذكر الأحداث التي عبرت عنها القصيدة فهي ليست قصيدة، فالقصيدة التي لا تُفهم إلا بربطها بالأحداث التي عاصرتها هذه قصيدة فاشلة إذا لم نقل إنها ليست قصيدة؛ لأن النص كينونة قائمة بذاتها، أو كائن حي فيه كل أسباب الحياة الداخلية، فإذا ما استطعنا أن نفهم امرئ القيس مثلًا- إلا بذكر الأحداث التي مرّت به فنصه لا قيمة له، فنحن أساسًا احتفلنا بامرئ القيس لأن نصه هو الذي قدّم لنا تلك الذات وليس العكس، فالنص هو الذي قال لنا: أنتم أمام شاعر كبير، وليست حياته. فمثلًا: نجيب محفوظ لم يغادر [القاهرة] في حياته، وأنه دار الكون برواياته، وكان ملتزمًا التزامًا صارمًا بعمله الوظيفي من الساعة الثامنة صباحًا حتى الثانية والنصف في وزارة الأوقاف، فكان موظفًا عاديًا إلى أن خرج على التقاعد، وطلب منه أن يعمل في صحيفة الأهرام، وفي ذلك الحين أعطي مبلغًا كبيرًا لهذا العمل وكان ملتزمًا به، وحتى عندما نال جائزة نوبل للآداب رفض أن يغادر القاهرة وإنما ذهبت ابنته لاستلامها. ولذلك فالمهم هو العمل الأدبي وبنيته المتراصة، فلا نسترشد بوعي الشاعر أو مذهبه أو حياته عامة، ولكن نستطيع أن نستشهد استشهادًا بسيطًا بذلك وليس بشكل أساسي. تمت بعونه تعالى


[1] وقد عُدت (معدّ المحاضرة) إلى قاموس لسان العرب ووجدت فعلًا أنّ الإسعاد يأتي بمعنى المعونة، والمساعدة تأتي بمعنى المعاونة، وقد دلل القاموس على هذا ببيت شعري للنابغة وهو: قامَت تَراءى بَينَ سَجفَي كِلَّةٍ كَالشَمسِ يَومَ طُلوعِها بِالأَسعدِ.

كما تقول العرب: لبيك وسعديك، ومعنى سعديك: أي إسعادًا لك بعد إسعاد. وعندما قال الزميل أن العرب استخدموها في الشعر، فهذا صحيح، والدليل على ذلك قول أبي العتاهية: أَسعِداني بِالدَمعِ يا عَينَيّا أَسعِداني عَلَيهِ ما دُمتُ حَيّا / أَنَ أَولى بِما بَكَيتُ عَلى نَفـ ـسي مِنَ الباكِياتِ يَومًا عَلَيّا ، فالبيت الثاني يؤكد أنه يطلب مساعدة الدمع إياه، لا يطلب السعادة من الدمع. ولم يستعمله فقط القدماء، بل المحدثون أيضًا من مثل خليل مطران إذ يقول: يَا لَعَزْمِي مِنَ الأَسَى وَلِحِلمِي أَسْعَدانِي عَلَى الْخُطُوبِ الغَوَاشِمْ . إذًا، فقد ورد الإسعاد بمعنى المعونة في الشعر، ومن ذلك أيضًا قول المجنون: خَليلَيَّ هَيّا أَسعِداني عَلى البُكا فَقَد جَهَدَت نَفسي وَرُبَّ المَثانِيا. والكثير غيرها.....


[2] فهناك من يرى راحة في البكاء، وتفريجاً للهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى