يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 9096
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

المحاضرة الثانية شعر عربي حديث د. سعد الدين كليب

في 2010-12-06, 14:39
بسم الله الرحمن الرحيم[/font">[/font">[/font">
مكتبة الفرقان ترحب بكم

كنت قد وعدتكم أن أقف في هذه المحاضرة عند خطوات تحليل الشعر، و ها نحن نتوقف عندها الآن، ولهذا لن يتاح لنا أن نحلل أي نص اليوم، إنما ننصرف إلى الجوانب الكبرى والصغرى المحتملة والمؤكدة التي يمكن أن نتوقف عندها في أثناء التحليل. وهذه الخطوات هي خطوات موسعة هدفها أن تلتقط أنت ما أمكنك أن تلتقط، يعني لو تحدثنا بإيجاز شديد حول التحليل لما تخطينا إلا إيجاز الإيجاز.

إذًا، سنتوسع في الجوانب المؤكدة والمحتملة في التحليل لعلك تستطيع أيها الطالب- أن تدخل إلى النص من عدة زوايا في الوقت نفسه فلا يلتاث الأمر عليك، كيف ستدخل إلى هذا النص، وبين يديك شريحة واسعة التي يمكنك بها أن تدخل بها إلى النص.

وسأشير إلى أننا سوف نتوقف عند نصوص من عدة تيارات في الشعر، سنتوقف عند شوقي، ومحمد الماغوط، والشابي، وعلي محمود طه...

وحتى هذه اللحظة ليس ثمة نصوص جاهزة للتحليل بين يدي، وإنما لكل أسبوع سيكون هناك نص مباشر للتحليل؛ أي سأحضّر نصًا لكل أسبوع، فليس في ذهني ما هي النصوص التي سأعطيها، ومن هم الشعراء الذين سنحلل لهم، ولكنما سنأخذ واحدًا منهم في هذه المحاضرة أو تلك.

§ خطوات التحليل الجمالي للشعر:

معنى ذلك أن خطواتنا هذه تنطبق على الشعر دون سواه في المقام الأول، وإذا أردنا أن نستفيد من هذه الخطوات باتجاه المسرحية أو القصة أو الراوية.... فهذا ممكن، ولكن لا بدّ أن نقيم تعديلًا ما، والتعديل سوف نذكره في حينه، وذلك فيما إذا أردنا أن نحلل قصة أو رواية...

في التمهيد الأول نتساءل ما الشعر، حتى نعرف ما الذي سوف نحلله؟ وثمة إجابات كثيرة، ولكن ما يعنينا من هذا السؤال هو إجابة محددة، تقول:
الشعر: هو موقف جمالي من العالم.


عندما نقول: هو موقف، معنى ذلك أن ثمة من يقف فكريًا أو نفسيًا أو مُتعويًا من الأشياء المحيطة به، موقفًا سلبيًا أو إيجابيًا.

و معنى قولنا (موقف)؛ أي أن الشاعر عندما يكتب نصًا يكون قد ارتبط بشيء ما، فاتخذ منه موقفًا إيجابيًا، أو تأزَّم من شيء ما فاتخذ منه موقفًا سلبيًا، أو رغب في تحقيق مثل ما مثل أعلى- في هذا العالم فكتب سعيًا لهذا المثل، فليس هناك من يكتب بلا موقف. بيد أن هذا الموقف ليس موقفًا فكريًا بحتًا، وإنما هو موقف وجداني كياني، بمعنى أنه كليّة للذات، فكلية الشاعر هي التي تستخرج موقفًا ما، لذلك عندما نقول هو موقف كياني أي هو موقف كلي، كليّة المبدع، نفسيًا وروحيًا ودينيًا وسياسيًا وأخلاقيًا... هذه المواقف كلها مندغمة في شيء اسمه: الموقف الجمالي، وبشيء واسمه: التجربة.

فأنت عندما تقرأ نصًا تعيش تجربة، هذه التجربة قد تكون مرّة أو جميلة أو متأزمة... لكننا ندخلها طوعًا، فالمبدع عندما يبدع، يبدع طوعًا، وأنت عندما تتلقى فإنك تتلقى طوعًا. فنحن نتلقّى بكليّتنا، بكياننا كله، ونتخذ من العالم موقفًا سلبيًا أو إيجابيًا (وفي إطار السلبي والإيجابي هناك تفصيلات لا تحصى بالدرجات، فالموقف إيجابي هو بدرجة ما وبنوعية ما، وكذلك الموقف السلبي). نكمل التعريف:

الشعر: هو موقف كياني من العالم، ويدخل في هذا الموقف الجوانب الحياتية كلها التي أقضّت مضجع الشاعر فراح يكتب أو يدندن الشعر.

هذه الجوانب كلها مجتمعة دفعته إلى الكتابة، فالموقف الجمالي أعمّ موقف ممكن في الحياة، فأنا عندما أصف فلانًا بأنه قبيح مثلًا- أعدّ هذا الموقف موقفًا جماليًا. وأنا لا أقصد بالقبح هنا الشكل، وإنما القبح هنا بكل المعايير الأخلاقية والاجتماعية وبما فيها الشكلية.

والموقف الجمالي يقوم على ما هو حسي قيامًا كبيرًا؛ أي لا يجوز أن أصف قاعة ما بأنّها مريحة، جميلة، قبيحة.... إلا إذا كنت قد عاينتها، فالموقف الجمالي ما لم نعاينه لا نقوّمه، وإذا ما قوّمناه فنقومه بحسب ما سمعنا لا بحسب ما تحسسنا نحن فعليًا. فالمفترض أن يتخذ الشاعر موقفًا جماليًا مما يعيشه هو، مما عاناه، لا مما عاشه أو عاناه شخص آخر، فلا بدّ من المعايشة الحقيقية الفعلية الحسية للحياة التي يكتبها الشاعر.

وأنت لا يمكنك أن تتفاعل فعليًا مع نص إذا لم يتناغم و يتقاطع مع ما قد عشته فعليًا، لذلك من المفترض أن يكون الجانب الحسي حاضرًا في الموقف الجمالي من العالم الذي يجرّبه الشاعر. ماذا يجرّب الشاعر، ماذا يعيش؟ يعيش الواقع المحيط به، أو الواقع المُرتجى الذي يحلم فيه، فالشاعر لا يعيش فقط الحالة الراهنة التي حوله، بل يعيش الحالة الراهنة إضافة إلى الحالة التي يحلم بها ويحياها، وتعلمون أن بعض الأحلام تهيمن علينا أكثر مما تهيمن علينا الكثير من الأشياء التي حولنا.

إذًا ما يعانيه المبدع ليس فقط الطاولة، والرصيف، والشارع، والهم السياسي أو الأخلاقي....، هذا جزء مما يعانيه، لكنّ هذا الذي يعانيه يقضّ مضجعه، يؤلمه أو يغبطه أو..... فإذا آلمه حَلُم بتغييره، فأصبح لديه مثل أعلى في التغيير يعيشه حُلميًا، والقصيدة قطعة حُلمية بامتياز، هي ليست حلمية بمعنى أحلام اليقظة أو أحلام النوم.... لا، حلمية بمعنى أنه يحلم بأن يتمّ كذا، يحلم بإصلاح ما، بتغيير ما، شامل أو غير شامل، المهم أنه دائمًا يحلم بما هو أفضل بالنسبة إليه على الأقل.

ونحن كأفراد والمبدع كفرد نحلم بما هو أفضل بالنسبة إلينا، و لذلك يتفاوت المبدعون في موقفهم مما هو أفضل، وفي موقفهم من نوعية ما هو أفضل، ولذلك أقول: في الجنة لا شعر؛ لأنه في الجنة ليس ثمة شيء يقض مضجعنا، أما في الواقع الذي نحلمه فنحاول أن تكون القصيدة جنتنا الجزئية؛ أي نفرّغ شحنتنا الانفعالية وشحنتنا الحلمية في الوقت نفسه في قصيدة ما، لذلك عندما تكون سعيدًا بكلك، أو مغتبطًا بكلك، لماذا تكتب الشعر؟ فالهدف من كتابة الشعر هو إثارة اللذة، أو المتعة، أو الحلم.. ولكن أنا عندما أعيش في الجنة لست بحاجة إلى كل هذا، فلماذا أكتب الشعر؟

بما أنّ الواقع الإنساني واقع مرّ دائمًا، وثمة ما هو يقضّ مضجعنا ونأمل أن نتجاوزه سواء أكان ذلك على الصعيد الفردي أم كان على الصعيد الجماعي، ولهذا عندما نقول موقف جمالي من العالم، أي نحن نقصد العالم الذي يعايشه، و يجربه المبدع، بأشيائه المحسوسة وبمعانيه الفكرية والأخلاقية وما إلى ذلك.

ولكن الشاعر بسبب نزعة التعميم لديه في الفن عمومًا، [والفنّ هو المُعمِم الأكبر]، فالفن دائمًا يسعى إلى التعميم، فعندما يرسم رسامًا ما امرأة مثلًا- فإنه يقول كلّ النساء يجب أن يَكنّ على هذه الشاكلة..أو عندما يأتي الشاعر فيقول: إن الفساد قد استشرى حتى بأعصاب البشر، وهذا لا يُعقل، وبالتالي هو عَمم على مجمل الواقع، أي عمم على كلّ الحياة، وإلا لماذا نسمع تلك الشكاوى التي لا تعدّ ولا تحصى من الدهر عبر تاريخ شعرنا القديم، ما الذي يجعل الشاعر على الطالع والنازل يتشكّى من الدهر؟ وهذا الوحيد الذي يتشكّى، ولكنه يُعمم، وهذا في الرسم والشعر والقصة والرواية... فالتعميم ميزة من ميزات الفنّ مثلما التحسيس، والتحسيس هو تحويل الأشياء المعنوية إلى أشياء حسية، وهي أيضًا ميزة من ميزات الفنّ.

هذا الموقف الكياني الجمالي من العالم، هو من الواقع الذي يعممه الشاعر فيجعله كأنّه العالم كله. وهذا يتطلب منا الآن مداخل للفهم، والتحليل، ما هي هذه المداخل؟

§ مداخل التحليل الأدبي:

1- المدخل الجمالي.

2- المدخل الفني.

3- المدخل الذاتي.

هذا الترتيب هو ترتيب حر، وليس ترتيبًا مُلزمًا، فيمكن لي أن أدخل مدخلًا جماليًا أولًا ثم فنيًا ثم ذاتيًا أو غير ذلك؛ لأن كل المذاهب يصلح لأن تتقاطع مع بعضها، بيد أن الشعر هو الوحيد الذي يُدرس من خلال المدخل الذاتي؛ لأن القصة والمسرحية والرواية هذه فنون غير غنائية، فالشعر فن غنائي أي تعبير ذاتي عن الذات المبدعة، بينما المسرحية فن درامي، وهناك تعبير موضوعي عن الذات المبدعة.

ولن نشرح هذا الآن، لكن نقول: الرواية و القصة و المسرحية و السيناريو.... كل هذه لا يمكن أن تدرس من خلال المدخل الذاتي، وإنما الشعر فقط؛ لأن القصيدة جزء من موقف اتخذه الشاعر بشكل مباشر، لذلك فالشعر فن غنائي، في حين أن المسرحية فن درامي، والرواية والقصة القصيرة... فن سردي أو موضوعي أو ملحمي.

في حين أن المدخل الجمالي أو المدخل الفني يمكن أن ندخل منهما إلى المسرحية والقصة والرواية... لأنّ المسرحية هي موقف جمالي من العالم.

والأدب عمومًا هو موقف جمالي من العالم، وإنما يحدث هذا الموقف بحسب موقع المبدع من النص الأدبي، أي أن موقع الشاعر [أو موقع المبدع] في النص الأدبي واضح وصريح، ولكن في المسرحية فإن موقع المؤلف ليس واضحًا تمامًا، فلا يمكنك في المسرحية أن تقول: أمسكت بالمؤلف متلبسًا بهذا الموقف؛ لأن الذي يبرز لديك ليس المؤلف وإنما الممثل، ولذلك نحن لا نعرف مثلًا- من هو مؤلف مسرحية مدرسة المشاغبين، ولكننا نعرف من قام بالدور الأساسي أو الثانوي فيه.

إذًا، في المسرحية لا يظهر المؤلف إطلاقًا ويتخفّى تخفّيًا أدبيًا، ولكن في الرواية أو القصة القصيرة يمكن أن نمسك المؤلف متلبسًا بالسّرد أو الوصف أو التعليق، أما في الشعر فيأتينا الشاعر مُسلِّمًا يقول: ها أنا ذا في القصيدة في لحظة من لحظاتي، في آن من آنائي، وليس هذا أنا بشخصي عبر كل الحياة. فالقصائد هي مواقف تعبر عن جزئيات في المبدع أو الشاعر.

أولًا: المدخل الجمالي:

كانت هذه التسمية لأن الشعر هو موقف جمالي بالأساس،أما المدخل الفني فلأن الشاعر فيه ينتج فنًا، لذلك يمكن لنا أن ندخل من باب الفن المباشر، فعلى صعيد الشعر قد ندخل من باب الأسلوب، أو باب الإيقاع، أو باب الصورة الفنية..... هذه كلها أبواب فنية تبرز في الشعر عبر اللغة، مثلما أن الجانب الفني يبرز في الرسم عبر الشكل و الألوان والحظوظ، كذل في الشعر يبرز المدخل الفني عبر اللغة. ولكن كيف تصرف الشاعر باللغة، كيف أعاد إنتاج مشاعره بصور، بمفردات، بتراكيب خاصة به؟ كيف فعل ذلك؟

هذه المداخل سنقترح لها نحن التسميات التالية:

أولًا: الحركة الجمالية.

ثانيًا: الحركة الفنية.

ثالثًا: الحركة الذاتية.

لاحظوا أننا في هذه الحركات الثلاث لن نفرض على الشعر شيئًا من خارجه، لا بد من أن يكون الشاعر قد اتخذ موقفًا ما، انفعل أو عبر عن انفعال ما، فنتحدث عن الحركة الذاتية، فلا بد أن يكون الشاعر قد صاغ مشاعره بطريقة ما، فنتحدث عن الحركة الفنية أو الجمالية.

ولكن لماذا عبّرنا بمصطلح الحركة هنا؟

لأن التجربة الإبداعية في حالة حركة دائبة، لا تتوقف حتى ينتهي النص، لذلك قد تبدأ الحركة الجمالية مُتدفقة حول ما هو جميل، وإذ بها تنتهي أو تنتهي القصيدة- بما هو قبيح. وقد يبدأ الشاعر منفعلًا انفعالًا شديدًا في بداية النص، ثم ما يلبث أن تتراخى انفعالاته ويهدأ، فهذه حركة انفعالية ذاتية جمالية من حيث الموقف، فتُحوّل أو تُغيّر موقفه مما هو جميل إلى ما هو قبيح أو بطولي أو تراجيدي.... بحسب التحولات التي يمكن أن يتحول إليها النص. هذا بالنسبة لما يخصّ الحركة الفنية، ولكنْ بما أن الذات في حالة تحوّل دائم، وبما أن الموقف الجمالي في حالة تحول دائم أيضًا فمن الطبيعي أن نكون أمام حركة فنية لأنّ الفن بحسب حركة الذات والموقف الجمالي معًا، ولذلك غالبًا ما تكون النصوص المُطوّلة تمدنا بإمكانيات التحليل، أكثر من النصوص المُقطّعة؛ فالنص القصير جدًا المُؤلَّف من ثلاثة أو أربعة أسطر يربكنا جدًا؛ لأن الحركة الذاتية فيه حركة محدودة جدًا، فلا يكاد الشاعر يبرز براعته في ثلاثة أسطر، و كذلك لا يكاد يبرز موقفه الجمالي المُتحوّل في ثلاثة أسطر. ولكن هذا لا يعني أن نقول: إننا لا نستطيع أن نحلل مقطعًا قصيرًا.

نحن لم ننفِ أن يعبّر الشاعر عن موقفه في ثلاثة أسطر، إنما قلنا إنّ غنى التحليل الجمالي يبرز في نص مطوّل نسبيًا، أما في نصّ قصير فماذا سيقول فيه سوى الشّذرات؟

طبعًا، يمكن تحليل النّصوص القصيرة، وإظهار ذات الشاعر و موقفه الجمالي والفني فيها، لكنّ هذا يعود للناقد نفسه، فلا يأخذ راحته في التحليل أمام نص قصير جدًا.

الآن: نتوقف عند كل حركة على حدة، وكما قلت لكم: سوف نشرح كل ما يتعلق بالحركات وذلك بالتفصيل الممل، فعلى الأقل لكي تتذكروا في الامتحان أن ثمة تفصيلًا مملًا بقي منه شيئًا كثيرًا سوف يساعدكم في الامتحان، وأنا (د) لا أطالب بتحليل النصوص في الامتحان بكل ما تسمعونه الآن، فالنص الامتحاني قصير بالضرورة، ولذلك سأطالبكم بجزئيات يسيرة.

وانطلاقًا مما قلناه، وهو أن الشعر موقف جمالي من العالم، نقول:

أولًا: الحركة الجمالية:

وفي الحركة الجمالية نتوقف عند:

1- موقف الشاعر جماليًا من العالم [الواقع بمادياته ومعنوياته مجتمعة]:

و أوّل شيء ينبغي أن نتساءل عنه: ما هو موقف الشاعر جماليًا من الواقع أو من العالم؟ هل نحن أمام نص يطالبنا بتغيير العالم؟ يطالبنا بالتواؤم مع الواقع؟ يطالبنا بالتواؤم مع الأمس؟ يطالبنا بالتواؤم مع الغد؟ ما هو الموقف النهائي للنص؟ وأنت كل ما سمعت أو قرأت نصًا تعرف موقف الشاعر، وتحدد لنا ما هو الموقف الذي يتخذه المبدع من العالم.

قلنا الموقف الجمالي ولم نقل الموقف الديني، أو السياسي، أو الاقتصادي، أو الأخلاقي.... هذا الموقف سوف يزداد تعرفنا إليه من خلال:

2- تحديد القيمة الجمالية المهيمنة أو المطروحة في النص:

من مثل: الجميل، أو الجليل، أو البطولي، أو القبيح، أو التراجيدي، أو السامي، الكوميدي... فالقيم التي يمكن أن تطرح هي القيم السابقة، وسوف نتعرف إليها في أثناء التحليل. فعندما تقول الشاعرة نازك الملائكة[1] في مطلع قصيدة "شجرة القمر":
على قمة من جبال الشمال كساها الصنوبر
وغلّفها أفقٌ مخملي وجوّ معنبر
وترسو الفراشات عند ذراها لتقضي المساء
وعند ينابيعها تستحمّ نجوم السماء
هنالك كان يعيشٌ غلام يعيد الخيال
إذا جاع يأكل ضوء النجوم ولون الجبال
ويشرب عطر الصنوبر والياسمين الخضل
ويملأ أفكاره من شذى الزنبق المنفعل


ما القيمة المطروحة هنا في النص؟ هل تتوقف الشاعرة أمام الجلال، أو أمام الجمال، أو أمام السمو؟ هذه ثلاث قيم متناغمة، لكن لسنا أمام قبح بالضرورة، فالشاعرة لا تصّور قبحًا، وربما لو بحثنا عن القبح سنجده في قصيدة أخرى وببساطة، كقصيدة الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة[2] [نهايات] إذ يقول فيها:
يا سيدي.... لا تتعبُ الخيول في الطريق.......
فنحن لا نريد..... أن نملك الأفلاك.......
ستنتهي ولا صديق...... تود أن تراه أو يراك........
وبعد ليلتين لن يكون....... ها هنا سواك.......
يواجه الرعود والبروق.......
وكل ما في الأرض...... حول خطونا شراك....
وهذه الأحلام في قيودها..... تخور في دمائها......
هاوية....... في جبها العميق......
وليس غير صرخة.... الأحزان..... في حديقة الأشواك......


هي قصيدة بكائية واضحة، إذ تحكي عن شاعر معذّب يعاني من قبح سائد في الواقع، فلا صديق، ولا رجاء لديه، وينتهي نهاية محتمة قاسية. إذًا، هنا نستطيع أن نحدد ما هي القيمة المهيمنة على النص. هل هي قيمة الجميل أو القبيح...؟ ففي المرحلة الأولى توقفنا عند موقف الشاعر جماليًا من العالم، ثم في المرحلة الثانية نحدد القيمة ثم نتساءل عن طبيعة تلك القيمة، وهل هي حسية أو نفسية أو روحية....، ثم نحدد نوعية الحسي أو النفسي أو الروحي في علاقته بالقيم الاجتماعية السائدة أو المُثل العُليا المُرتجاة.

ماذا يعني هذا الكلام؟

لتحديد القيمة المهيمنة على النص نحتاج فقط لقراءة مدققة تكشف لنا هل نحن أمام صورة للجمال، أو للقبح، أو للسامي.... لكن بعد أن حددنا مدخلنا إلى الجمال، نتساءل: أيّ جمال هذا؟ فالجمال ليس جمالًا واحدًا مُوحَّدًا ذا طبيعة ونوعية واحدة. هنالك جمال نفسي بحت، وجمال روحي بحت، وجمال روحاني روحي، والفرق بين الجمال الروحي والروحاني، هو أن: الروحي له علاقة بالقيم الإنسانية، بينما الروحاني فله علاقة بالقيم الدينية الإلهية.

إذًا، نتساءل هل نحن أمام جمال روحي أو أمام جمال حسي؟

هنالك شعراء يصفون المرأة وصفًا حسيًا، وهنالك من يصفها وصفًا روحيًا، وهنالك من يصفها نفسيًا، والقباني نفسه لديه الأوصاف كلها، فمرّة يتعامل مع المرأة تعاملًا حسيًا أي يصف صفاتها حسيًا ومرة يتعامل معها تعاملًا روحيًا، فيراها طاقة روحية واجتماعية وثقافية كبيرة، ولكن في أثناء تعامله الحسي مع المرأة يقع فيما هو شهوي، ولذلك علينا تحديد نوعية الحسي، هل هذا الحسي شهوي (جنسي) أو هو حسي بصري، أو حسي سمعي، بحيث نكون أمام صورة جميلة تمتعنا بحسيتها البصرية، أمام مشهد جميل، أو أن الدافع إلى هذا هي نزعة حسية للشاعر، أو روحية لدى الشاعر، أو شهوية لديه، فعلينا تحديد نوعية القيمة. ونتساءل أيضًا في نوعية الحسي، فيما إذا كانت المرأة تعزز حضوري الحسي، فهل تعززه باتجاه القوة أم باتجاه الاستكانة؟ فقد يستكين الشاعر إلى المرأة، وقد يتقوى بها. هذه أسئلة علينا أن نتساءلها في أثناء تحليلنا للنص.

و إذا قلنا إن القيمة المهيمنة على النص هي قيمة الجميل، فهذا وحده لا يحمل لنا شيئًا، إذ لا بدّ من أن نقول: هي قيمة الجميل الحسي، وهذا الحسي هو إما من الحسي البصري أو السمعي.... فمثلًا عندما يقول الشاعر:
عيناكِ كنهري أحزاني
نهري موسيقى حملاني
لوراء وراء الأزمان
نهري موسيقى قد ضاعا
سيدتي...... ثم أضاعني.


عندما يقول ذلك، فقد تحوّلنا بقوله هذا مما هو بصري إلى ما هو سمعي ثم إلى ما هو روحي بل يكاد يكون روحانيًا (لوراء وراء الأزمان). إذًا، علينا أن نحدد هذه القيمة، وعندما نعرفها نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا.

3- بيان العلاقة بين القيمة المهيمنة وبين القيم الأخرى المطروحة أو المُغيَّبة بسبب طغيان القيمة المهيمنة:

فبعد أن حددنا القيمة المهيمنة، وحددنا طبيعتها ونوعيتها، هل هي بصرية، سمعية، شهوية، هل هي روحية ذات طبيعة دينية، أو روحية ذات طبيعة اجتماعية،... نتساءل عن العلاقة بين القيم. فهناك علاقة في النص عمومًا بين القيم، إذ يقوم النص الشعري على قيم جمالية متناغمة أو متصارعة أو متناحرة.. فليس ثمة نص لشعري إلا ويقوم على تلك القيم. فتوالي النص الشعري يعني توالي تلك القيم، إما أننا أمام قيمة واحدة تتوالى بأشكال مختلفة، أو أننا أمام قيم مختلفة تتبادل التأثير، تناغم، تتصارع،.. بحسب طبيعة النص.

فعندما قالت لنا السيدة نازك الملائكة: على قمة من جبال الشمال كساها الصنوبر ، ففي قولها: (على قمة من جبال الشمال) وصف عادي جدًا لا قيمة فيه، أي لا نستطيع أن نقول إن في قولها هذا القيمة الفلانية، و لكن عندما قالت: (كساها الصنوبر) دخلنا هنا في التقويم وهو تقويم إيجابي، ثم قالت: (وغلّفها أفقٌ مخملي) فالتقويم هنا أصبح واضحًا صريحًا، فهذه القمة ليست مغلفة بالسحب مثلًا، وإنما هي مغلفة بأفق مخملي، وفي المخمل شيء من الأبهة وشيء من الوداعة. ثم قالت: (وجوّ منعبر) والجو العنبري، هو الذي تكون به رائحة زكية و جميلة.

فالشعر هنا يقدم موقفًا جماليًا إيجابيًا من القمة، فلو قالت: [على قمة من جبال الشمال سقطت صريعًا] لدخلنا إلى جوّ آخر هو الجو التراجيدي، أما قولها (كساها الصنوبر) فإن الشاعرة هنا تقول بأنها أمام جمال ما. ثم تقول: (وترسو الفراشات عند ذراها لتقضي المساء)، والفراشات لا مكان لها لتقضي المساء فيه! إذًا، نحن أمام جو جميل.

فهذه الأسطر الشعرية تقول إن النص هو توال للقيم، فإما أنها قيم متناثرة، أو قيم متناغمة منسجمة، وفي هذا النص نحن أمام قيم متناغمة منسجمة.

وأحيانًا قد لا نجد قيمة جمالية -وليكن القبح مثلًا- ولكن نحسّ أن الشاعر لم يكثر من مفردات الجمال إلا لكي ينفي القبح عن نصه، تمامًا كما يفعل المتصوفة في شعرهم، ففي شعرهم لا تجد إلا الجمال أو الجلال، وليس ثمة في النص الصوفي قبح، أو تراجيديا، أو كوميديا،... وإنما في النص الصوفي عذاب روحي روحاني، لكنه عذاب مُستعذَب، يقول ابن الفارض:


بِجَمَالٍ حَجَبْتَهُ بجَلاَلٍ
جج


هامَ واستَعْذَبَ العذابَ هُناكا
جج


أي هو استعذب العذاب، إذًا هو ليس عذابًا، وإنما ألم أو حزن أو مجاهدة مرغوبة فيها، ففي النص الصوفي نلحظ استعلاءً كبيرًا لقيمة الجلال أو الجمال، لماذا؟

لأن الذات الإلهية هي الهدف في النص الصوفي، ولذلك فمن الطبيعي ألا يحضر في النص إلا الجمال أو الجلال، لكن الحضور القوي للجمال أو الجلال دائمًا يذكرنا بتساؤل، وهو: أين القبح؟ القبح غائب، إذًا، لدينا تسويغ لغياب القبح عن النص، وهذا لا يعني أن كلّ نص يسأل عن غياب القيمة الفلانية، إنما هناك حضور قوي لقيمة ما تذكرنا بغياب نقيضتها فنتساءل نحن في أثناء التحليل عن ذلك.

4- بيان الأبعاد الثقافية للنص ومدى تمثيله لبعض القيم الثقافية المهيمنة أو المهمّشة:

صحيح أن النص الشعري نص جمالي، لكنه نص ثقافي كذلك، نتعرف به إلى ثقافة مجتمع، فنحن عندما نقرأ نص جدنا الأعلى (امرئ القيس) نتعرف إلى مجتمع (امرئ القيس)، وكذلك عندما نقرأ نصًا صينيًا، نتعرف إلى القيم الصينية أو الجمالية.... فالنص الجمالي نص ثقافي بامتياز، لكن ليس كلّ نص ثقافي هو نص جمالي إطلاقًا، فالنص الجمالي نص ثقافي، لكن العكس ليس صحيحًا بالضرورة. إذًا، في الحركة الجمالية نكون قد تعرفنا إلى القيم التي يحملها الشاعر، أو القيم التي يهاجمها، أو التي يأتلف معها، أو التي يروّجها ويقدمها للآخرين. أما في الحركة الفنية، فالأمر هنا له علاقة بالأسلوب الشعري.

ثانيًا: الحركة الفنية:

في الحركة الفنية نتوقف عند:

1-بنية الصورة الفنية وطرائق تشكيلها ومدى التخييل أو الخَلْق أو المحاكاة فيها، وكذا مدى الجِدّة أو الإدهاش أو التقليد أو الأٌلفة فيها.

إذًا، الصورة الفنية هي مدخل أوّل من مداخل الحركة الفنية، وفي الحركة الفنية لن نتحدث إلا عما هو محسوس وواضح في النص، كتشكيل اللغة، والصورة، و الإيقاع، والتناص... هذه كلها موجودة في النص فعلينا أن نكتشف هذه الجوانب.

والصورة أساس من أسس الشعر بل الفن عامة، فلا فن بلا صورة، فلذلك إذا دخلنا أولًا من خلال الصورة الفنية نكون قد دخلنا من خلال أساس فيها [أي من الشعر].

وهناك صور نحس أننا سمعناها قبل ذلك كثيرًا، فعندما نقرأ مثلًا- شعر مرحلة جاهلية ثم أتينا إلى شعر جرير و الفرزدق والأخطل لوجدنا أن كثيرًا من صورهم تشبه صور الشعراء الجاهليين، ثم إذا دخلنا في العصر العباسي الأول، فإذ بنا أمام تجديد ما في الصورة، ولكن في هذا العصر سنجد أنّ -ذا الرمة- فقط ذهب إلى تصوير مغاير، في حين أننا عندما نصل إلى مسلم بن الوليد وبشار بن برد وأبي نُوَاس نلاحظ أننا أمام صور مختلفة عما هو سابق، فهناك جدّة وإدهاش.

لكن في المقابل هناك شعراء يلتزمون الأصول البلاغية المتوارثة، بل يلتزمون الأبعاد الصورية في الشعر العربي القديم، فلا يفعلون أكثر من إعادة إنتاج لما أُنتج سابقًا، وقد يكون الشعور مهمًا، ولكننا هنا نتحدث عن جانب مفتوح. ولذلك نتساءل: هل الصورة الجديدة المبتكرة هي الأفضل، أو الصورة المحاكية المقلدة؟

أنا الآن لن أعطي الإجابة؛ لأن المسالة محكومة بطريقة التشكيل، فقد يكون الشاعر قد أعطانا صورة مدهشة لكنّ تشكيلها قلقٌ أو مرتبك، وقد يكون الشاعر قد أعطانا صورة قديمة مرّت معنا من قبل لكنه دعّمها تدعيمًا قويًا. فالمسألة هنا بحسب هذا النص تحديدًا، أو بحسب ذاك تحديدًا، يعني أن الحكم على الصورة الفنية بالأفضلية يعود إلى النص نفسه، وإن كانت الجِدَّة و الإدهاش أفضل من التّقليد ومحاكاة الأقدمين، لكن القدامة أيضًا قد تكون جميلة إذا كانت راسخة.

أحيانًا قد نجد شاعرًا يقول شيئًا عاديًا، أو على الأقل ليس غريبًا، مثل قول الشاعرة: على قمة من جبال الشمال كساها الصنوبر ، فهي صورة عادية، فهناك الكثير من الجبال يكسوها الصنوبر، وهناك الكثير من الجبال لا صنوبر فيها، لكن عندما يقول الشاعر: عيناكِ كنهري أحزاني، فهذا إدهاش، هذا شيء غير مألوف لا في الشعر القديم ولا في الحياة التي نحياها. إذًا نتساءل عن ذلك.

2-بنية اللغة الشعرية:

من حيث: التراكيب والجمل (أي دراسة أسلوبية) والأصوات، ومدى الانزياح فيها. ونتساءل عن مدى الجدة، أو الإدهاش، أو الألفة في اللغة، أو الصعوبة، أو السهولة، أو هي لغة من الحياة المتداولة، أو هي لغة تراثية قديمة. لكن أيضًا في اللغة الشعرية نتوقف عند: بيان الحقل الدلالي المهيمن عليها.

والحقل الدلالي المهيمن عليها؛ يُقصد به أن القصيدة لا بد من أن تدور في فلك ما، في فلك نفسي ما، فلك جمالي ما... هذا الفلك يقتضي أن تدور لغة القصيدة في فلك ألفاظ معينة، كأن تكثر فيها ألفاظ الماء، أو ألفاظ الخضرة، أو ألفاظ لها علاقة بحاسة البصر، أو حاسة السمع، أو لها علاقة بالارتفاع، أو الانخفاض، أو الضيق.... فلو دخلنا النص من هذه الزاوية لوجدنا شيئًا من هذا، من مثل ما قالت نازك الملائكة: على قمة من جبال الشمال كساها الصنوبر/وغلّفها أفقٌ مخملي وجوّ معنبر/وترسو الفراشات عند ذراها لتقضي المساء/وعند ينابيعها تستحمّ نجوم السماء/هنالك كان يعيشٌ غلام يعيد الخيال/إذا جاع يأكل ضوء النجوم ولون الجبال/ويشرب عطر الصنوبر والياسمين الخضل/ويملأ أفكاره من شذى الزنبق المنفعل/وكان غلامًا غريب الرؤى غامض الذكريات/وكان يطارد عطر الربى وصدى الأغنيات/ وكانت خلاصة أحلامه أن يصيد القمر/ويودعه قفصًا من ندًى وشذًى وزهر.

ففي هذا المقطع أو إن تفحصتم القصيدة بأكملها في الكتاب[3]- ستلاحظون أن الانفتاح والفضاء هما المهمان. فقمة الجبال مفتوحة بشكل كبير، فتقول: (كساها الصنوبر)، كما أن التغليف يبدو تضييقًا لكن الذي غلّفها هو أفق واسع كبير. (وعند ينابيعها) والينبوع بالصغر، لكن كلمة ينبوع غير الساقية، وغير النهر ، وغير البحر..، لكنها قالت (وعند ينابيعها تستحم نجوم المساء)، هذا يعني أن الينابيع واسعة اتساعًا كبيرًا، والسماء مفتوحة بشكل كبير. ثم تقول: (هنالك كان يعيشٌ غلام بعيد الخيال): أي مفتوح واسع أيضًا، ثم (إذا جاع يأكل ضوء النجوم ولون الجبال): وضوء النجوم واسع جدًا ولون الجبال كذلك. والقصد من هذا أنك إذا دققت في هذا النص القصير ستلاحظ أن الشاعرة تدقق على الأماكن المرتفعة من جهة، والأماكن المنفتحة من جهة أخرى. إذًا، نقول: الحقل الدلالي المهيمن هو الارتفاع والاتساع.

3- البنية الإيقاعية:

من حيث: العَروض، ومن حيث الإيقاع اللغوي، كأن نتوقف عند التسارع أو التباطؤ الإيقاعي في نص ما. فهناك إيقاعات لغوية كثيرة في النص، فحتى في النص العروضي هناك إيقاعات كثيرة، وليس صحيحًا أن في قول امرئ القيس:


مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا
ج


كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ
ججج


بأن سرعة الشطر الأول كسرعة الشطر الثاني، فالشطر الثاني بطيء في إيقاعاته، في حين أن الشطر الأول إيقاعه أسرع من الثاني. نحن إذًا ندرس الإيقاعات العروضية والإيقاعات التركيبية اللغوية في الوقت نفسه.

4- تحديد التناص وبيان وظائفه الفنية والجمالية في النص:

والتناص هو أن يتقاطع نص مُنجَز الآن مع نص سابق أو نصوص سابقة مختلفة، سواء أكان هذا التقاطع مباشرًا وواضحًا وصريحًا، أو كان غير مباشر وبشكل موارب، أو بحيث لا يبدو صريحًا أو واضحًا، لهذا يقال إن كل نص متناص بالضرورة؛ يعني أن كل نص يُكتب اليوم أو يكتب قبل مئة سنة سوف يتناص مع ما سبقه من النصوص، وكأنما النص الجديد يحمل جنيات النصوص السابقة له، فلا نص يولد من فراغ، ولو بحثنا في أي نص مهما كان حداثيًا ومتمردًا على القديم، سوف نلاحظ أثرًا من آثار القديم فيه؛ إذ لا يمكن أن يُعدم أثر القديم في الحديث.

وفي الامتحان قد أقول لك حلل النص من زاوية الحركة الفنية متوقفًا عند التناص، أو عند الصورة الفنية، أي هناك زاوية بارزة في النص سوف أطالبك بها.

5-ربط الحركة الفنية بالحركة الجمالية:

بعد تحديدنا للقيمة المهيمنة في الحركة الجمالية، ننتقل لنحلل الصورة والإيقاع؛ لكي نقول إن النص كان تعبيرًا فنيًا حيًا عن تلك القيمة المهيمنة من الجليل أو الجميل..... وقد يحصل التناقض عند الشعراء المبتدئين بين الحركة الفنية والحركة الجمالية، وذلك حينما يحملون بالجلال ويكون تعبيرهم الفني مؤكدًا على الضيق والضآلة والتفاهة، قد يكون هذا تناقضًا، ولكن عندما يركز النص على قيمة الجميل فإنه سوف يبرزها في النص بأكمله. وأعطيكم مثالًا على ذلك من خلال دراستين لي (د) في الكتاب، الأولى حول (عمر أبو ريشة)، والثانية حول (بدوي الجبل).

فقد لفت انتباهي أن (عمر أبو ريشة) يركّز على قيمة السامي، فكل ما لديه له علاقة بالسمو، حتى الجمال جمال المرأة لديه ينبغي أن يكون جمالًا أخّاذًا، جمالًا ساميًا، وإلا فلا يتوقف عنده. ولذلك حددت القيمة الجمالية لتجربة عمر أبو ريشة، ثم ذهبت لكي أتبيّن اللغة، فشدّ انتباهي أنه ليست ثمة قصيدة واحدة من قصائده تخلو من الأماكن المرتفعة، من الجبال، والتلال، والنجوم، والسماء، والسحاب، والغيوم.... إذًا، فالحقل الدلالي عنده هو حقل له علاقة بالارتفاع والاتساع. والمحلّ الأساسي للسمو هو الارتفاع. إذًا، جاءت البنية اللغوية تعبيرًا عن قيمة السامي للشاعر، مع العلم أنه ابن بيئة سهلية في منبج أو ما حولها، وأن أعلى تلة قد تكون بارتفاع هذه الطاولة التي أمامي (د)، في حين أن (بدوي الجبل) والذي يعيش في الجبل، لم يسعَ إلى قيمة السامي، بل سعى إلى الجميل الحسي، وليس الحسي بمعنى الشهوي، بل جمال البساتين، والحدائق، والزهور،..... وإذ بابن الجبل لا تظهر لديه إلا الحدائق والبساتين وما شاكل ذلك. وبما أن الجميل لديه أشبه أن يكون فردوسيًا فظهرت لديه كل هذه الحدائق والأشجار.... فابن الجبل لم يرصد شموخ الجبل وارتفاعه.... بل رصد جماله فظهرت لديه تلك الحدائق وغيرها من المظاهر الطبيعية. إذاّ، البنية اللغوية تنضح بالقيمة الجمالية ولذلك لا بد من ربط هذه البنية بتلك القيمة.

ثالثًا: الحركة الذاتية:

في الحركة الذاتية نتوقف عند:

1- طبيعة الانفعال النفسي المطروح أو المهيمن مع تحديده وهل هو انفعال إيجابي أو سلبي:

تلاحظون أنني (د) كلّ مرة أقول مهيمن؛ لأن المبدع في موقف معين تهيمن عليه قيمة معينة، هذه القيمة لا تنفي قيمة أخرى، ولكن في هذا الموقف أو هذه اللحظة هيمن عليه كذا، وفي لحظة أخرى سوف يهيمن عليه كذا، فالهيمنة هنا لا تنفي وجود القيم الأخرى، ولكن وجودها وجود محدود أو ضئيل أو مهمّش. إذًا، علينا أن نحدد طبيعة الانفعال المطروح أو المهيمن مع وصفه بالإيجابية أو السلبية. مثلًا: انفعال الحزن، أوالغضب، اليأس..... هي انفعالات سلبية، في حين أن الغبطة، الفرح، السعادة..... هي انفعالات إيجابية. وعندما نقول إيجابي أو سلبي فالغرض هو أن نختصر كثيرًا، فالغبطة إيجابية، والحزن سلبي، ثم نحدد هل كان هذا لانفعال قويًا، هادئًا،.......

الشاعر إبراهيم طوقان، يقول:


عبس الخطبُ فابتسمْ
رابط الجأش والنهى



وطغى الهولُ فاقتحمْ
ثابتُ القلبِ والقدمْ



[font=Calibri]فالواضح أن ا


عدل سابقا من قبل أحمد مقدم في 2010-12-06, 15:49 عدل 1 مرات
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 9096
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

رد: المحاضرة الثانية شعر عربي حديث د. سعد الدين كليب

في 2010-12-06, 15:47
فالواضح أن الغضب في حده الأعلى، فيعبر عن انفعال قوي عنيف، لكن في المقابل عندما يقول نزار قباني:
إذا مرّ يوم ولم أتذكر......... به أن أقول صباحك سكر......


فهذا انفعال هادئ وديع، فعلينا تحديد الانفعالات بين القوة والضعف أو التأزم أو... وما إلى ذلك.

2-تحديد حركة النص الذاتية من خلال الانفعال:

النص يتحرّك انفعاليًا، ولكن هل يتحرك من الأدنى إلى الأعلى، أو هل يبدأ هادئًا وينتهي غاضبًا أم العكس؟ أحيانًا يحصل أنه يبدأ بانفعال هائج ثم ينتهي بانفعال هادئ، ويحصل أنه يبدأ بانفعال هائج ثم يهدأ ثم يهيج مرة أخرى فنقول إنه في حركة دائرية. وأحيانًا يكون الانفعال نفسه في حالة مراوحة في الانفعال، لهذا نحدد الحركات الانفعالية في النص بالحركات الستّ التالية:

1- حركة صاعدة: أي تبدأ بالهدوء وتصل إلى العلو والارتفاع.

2- حركة هابطة. 3- حركة مُراوِحَة. 4- حركة دائرية.

5- حركة حادة. 6- حركة بطيئة.

إذًا، نحن أمام ست حركات للنص، فقد يكون النص هادئًا منسابًا بطيئًا، وقد لا يكون محملًا بالكثير من الشحن العاطفية والانفعالية، وكلما مررنا ببيت ارتفع الانفعال فيه حتى وصلنا إلى الذروة، أو ارتفعت الشحنة فيه وأخذت بالسمو.

3-ربط الحركتين الذاتية والفنية بالحركة الجمالية:

أي نحن في نهاية المطاف أمام نص متكامل الأبعاد، نص يطرح قيمة البطولي مثلًا- مثل قول الشاعر إبراهيم طوقان: رابط الجأش والنّهى... والقيمة البطولية قيمة صِدامية، فعندما يأتي إبراهيم طوقان ويقول قصيدته تلك وفيها كل ذلك الغضب فهذا ينسجم تمامًا كحركة انفعالية- مع قيمة البطولي، والتي هي القيمة الجمالية.

إذًا نحن أمام ثلاث حركات في النص، نحاول في كلّ مرّة أن نتوقف عندها جميعًا في النص حتى تكتمل رؤية النص. وأعتقد أن مثل هذا التحليل لم يمرّ بكم من قبل فأرجو أن تستفيدوا منه في قابل الأيام. وفي الامتحان ستكون هناك نقاط محددة للتحليل، لذلك على الطالب الانتباه والتركيز على صيغة السؤال والتقيد بما هو مطلوب منه.
تمت بعونه تعالى


مكتبة الفرقان
avatar
رقية
باحث مشارك
باحث مشارك
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : المطالعة
المزاج : سعيدة
عدد المساهمات : 63
نقاط : 9313
تاريخ التسجيل : 02/09/2010

رد: المحاضرة الثانية شعر عربي حديث د. سعد الدين كليب

في 2010-12-07, 16:11
بسم الله الرحمن الرحيم
شكرا جزيلا أستاذ أحمد على هذا الجهد العظيم
أسأل الله أن يجزيك خير الجزاء
ويوفقك لما يحبه ويرضاه
بارك الله فيك
آمين
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى