يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
رقية
باحث مشارك
باحث مشارك
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : المطالعة
المزاج : سعيدة
عدد المساهمات : 63
نقاط : 9313
تاريخ التسجيل : 02/09/2010

المحاضرة الخامسة الأدب العربي في القرن السابع حتى العاشر الهجري د. رئيفة

في 2010-11-26, 18:28
بسم الله الرحمن الرحيم
العفيف التلمساني
(690 - 610 هجري)
(1231-1291ميلادي)
وصف الطبيعة
نَدَىً فِي الأَقْحِوانَةِ أَمْ رِضَابُ وَطَلُّ فِي الشَّقِيقَةِ أَمْ شرَابُ
فَتِلْكَ وَهَذِهِ ثَغْرٌ وَكَأْسٌ بِذَا ظَلْمٌ وَفِي هّذَي شَرَابْ
وَخُضْرُ خَمَائلٍ كَسَجُومِ غِيدٍ قَدْ انْتُقِشَتْ وَرَقَّ بِهَا الخِطَابُ
يُريكُ بِهَا الشَّقِيقُ سَوَادَ هُدْبٍ وَحُمْرةَ وَجْنَةٍ فِيهَا الْتِهَابُ
وَوُرْقُ حَمَائمٍ فِي كُلِّ فَنٍ إِذَا نَطَقَتْ لَهَا لَحْنٌ صَوَابُ
لَهَا بِالظِّلِّ أَزْرَارٌ حِسَانٌ وَأَطْوَاقٌ وَمِنْ وَرِقٍ ثِيَابُ
كَأَنَّ النَّهْرَ سَيْفٌ مَشْرِفيِّ لَهُ فِي كَفِّ صَيْقَلِهِ اضْطِرَابُ
تُجَرِّدُهُ يَمينُ الشَّمْسِ طَوْراً وَطَوْراً بِالظِّلاَلِ لَهُ قِرَابُ
يُعَابُ السَّيْفُ إِذْ فِي جَانبِيِهِ فُلُولٌ وَهْوَ مِنْهَا لاَ يُعَابُ
فَإِنْ قُلْتَ الحَبَابُ انْسَابَ ذُعْراً وَرُمْتَ الرَّقْشَ صَدَّقَكَ الحَبَابُ
وَلِلأَغْصَانِ هَيْنَمَةٌ تُحَاكِي حَبَايِبَ رَقَّ بَيْنَهُمُ الحبابُ
تَثَنَّتْ وَالحَمَامُ لَهَا يُغَنِّي كَشَرْبِ مَدَامُةٍ شَرِبُوا وَطَابُوا
يعد وصف الطبيعة من الأغراض الرئيسية في شعر العفيف التلمساني وهناك مظهران لهذا الوصف
أولهما: وصف الطبيعة المحض
ثانيهما : وصف الطبيعة في إطار الأغراض الشعرية الأخرى كالخمريات الصوفية أو الغزل النسيب
ومن نماذج الوصف الأول قول التلمساني في وصف روض
ربّ روضٍ قد بات مرخيّ الإزارِ ضاحك عن مباسم النّوار
مخبرٍ نسمة الصبا بعبارا ت الشذى من مواقع الأمطار
أما من أمثلة الوصف المتداخل مع الأغراض الأخرى قوله
رقّ النسيم ورقّت الجريال فتشابها فكلاهما سلسال
فتلقَ كأسك باليمين فقد سرت ريحٌ على الريح الشمول شمال
إن حُرّمت فعلى الجسوم وللهوى أخرى تُدار على النفوس حلال
هي في الضحى شمس وفي جُنحِ الدُجى بدرٌ وفي شفق العشاء هلال
الرضاب : من معانيه الريق والرضاب: أيضا رغوة العسل والرضاب : قطرات الندى والرضاب: حبات البرد
النص الذي بين أيدينا هو من وصف الطبيعة المحض الذي خصصه الشاعر لهذا الغرض دون غيره فظهر فيه تأثره بمشاهد الجمال بدءً من الأجزاء الصغيرة متجلية في الأقحوانة والشقيقة وورق الحمائم مروراً باللوحلت الكبرى متجلية بالنهر المتدفق وخضر الخمائل
فقد افتتح الشاعر نصه الشعري بصيغة استفهامية جذابة أراد من خلالها أن يلفت نظر المتلقي بل أن يستقطب مدركات حسه وقلبه لتكون باتجاه مشهد الاقحوانة التي تزهو بلونها المميز بصفرته الرائعة أو بياضه الآسر وهي مبللة بقطرات الندى ومرئى الندى في الاقحوانة رحل بخاطر الشاعر نحو الرضاب
والرضاب :هو الريق أو رغوة العسل أو فتات المسك أو قطع السكرأو الرد ولعل الشاعر لم يغب عنه ان من معاني الرضاب قطرات الندى المتناثرة فوق النباتات والزهور ولكن يبدوأنه احب أن يرسم في الذهن صور هذه المعاني ليضفي على الجمال الطبيعي نسمة جمالية تتمتع بروعة الخيال الملون بألوان معانيه ولعل ذكر الشيقة في ظل هذا الاستفهام الرائع أضاف إليها قيمة جمالية إضافية تتجاوز لونها الأحمر القاني وإيحاءاته الحيوية النضرة لأنه وصفها في مشهد يوحي بأذواق اللذة كما يوحي بجاذبية البريق والضياء ,فالطلّ :هو الندى الذي تخرجه عروق الأشجار إلى غصونها وهو أيضا المطر الخفيف الذي ينزل من السماء في الصحو ونحن نعلم أنّ الزهرة الندية المبللة بالقطر ذات مشهد جمالي أقوى في التأثير بسبب البريق واللمعان الذي تضفيه عليها تلك القطع من الندى أما بالنسبة لذكر الشراب فهذا من دواعي اللذة الحاصلة في ذات شاعرنا لدى تأمله عناصر البهاء المترائي بباصرته ولاننسى هنا أنّ الطلة هي الخمرة اللذيذة كما أنّ استدعاء ذكرها دال على الانفعال الحسي الذوقي المتصل بالأذواق الطعمية ولكي يعمق الشاعر انطباع الجمال في ذواتنا أوقع التشبيه بالثغر والكأس ولعل هذا ما يعزز ماذهبنا إليه من رأي حول تركيز الشاعر على الحانب الذوقي فمشهد الأقحوانة المنداة بالقطرات المائية انتقل إلى خياله ثغرا يتراءى من خلاله ماء الأسنان وبريقها اللامع الذي يثير في المخيلة مشهد بياض الثلج وبريقه وقد نقل الشاعر إلينا هذه المعاني في مفردة رائعة وهي (ظلم ) , وأما مشهد الشقيقة الحمراء المبللة بقطرات الطل الناعمة فقد انتقل إلى خياله كأسا مملوءاً بالشراب اللذيذ الأمر الذي يولد في النفس إحساساً بالنشوة ينسجم وتلك المطالعات الجمالية في سفر الوجود
وذكر الاقحوانة يذكرنا باللونين الأبيض والأصفر فهي جزء من المشهد الجمالي المتكامل
/ الخطبة من الألوان : مافيه غُبرة أو صُفرة تخالطها خُضرة أو حُمرة /
/اللُهبَة : اشراق اللون من الجسد و المِلهَب : الرائع الجمال ,و المُلَهّب:مالم تُشبع حمرته من الثياب /
ومن اللون الأصفر والأبيض للاقحوانة والأحمر للشقيقة البهية انتقل الشاعر إلى خضرة الخمائل التي أشبهت في حسها الرقيق ومشهد جمالها الناعم رقة النباتات الغضة الطرية المتثنية من شدة نوعومتها ولطفها وهي تعكس لنا صورا من البهاء المتجلي في نقشها الرائع الذي أبدعته روعة الخلّاق العظيم
وليعمق الشاعر في إحساسنا بحيوية المشهد يضيف لنل لونا آخر إلى حمرة الشقائق يجعله ينسل بلطف ورقة من خلال حديثه عن سواد هدب هذه الشقائق وهي الخطوط السوداء الجميلة المترسمة على حواف كؤوس هذه الزهور الأنيقة التي تشكل جزء كبيرا من مرائي الجمال وبالإضافة إلى ما أضفته الصورة التي أتى بها الشاعر من ألق فإنّ التفصيلات المكنونة فيها زادت في هذه الألق كما في عبارته (وحمرة وجنة فيها التهاب ) فالتهاب النار اتقادها و(اللُهبة ) اشراق اللون من الجسد
و(المِلهبُ) الرائع الجمال
وهكذا فذكر هذه اللفظة جمع بين التوقد والاشراق والروعة ليؤدي لنا الانطباع الجمالي الذي وقع في نفس الشاعر لدى مطالعته لهذه التفصيلات في الحسن
ونحن نلاحظ تدفق الصورؤ الموحية بجماليات اللون والظل لدى شاعرنا من خلال استرساله في تصوير الحمائم الورق الشادية ذات اللون الرمادي التي أضفى عليها الظل لمسة جمالية لطيفة وساحرة فتداخل لون الفضة مع اللون الرمادي في انسجام مدهش بدا في صورة ثياب هذه الحمائم وكسوة الفضة التي لفت جسدها الرشيق وكأن الظل قد رسم لها أزراراُ حساناً وأطواقاً متوجة في ألوانها تزيدها ألقاً وبهاءاً وإذا كان (الطوق )هو كل ما أحاط بشيء خلقة كطوق الحمام أو صنعة كطوق الذهب والفضة يحيط بالعنق فهذا يعني أنّ ذكر الكلمة أضاف لمعانا جديدا يتراءى مع صورة الذهب المتداخل مع الفضة في جاذبية خلابة
وفي هذه اللوحة الرائعة الجمال يبدو النهر المتدفق وكأنه السيف المضطرب في يد الصقال الذي يشحذه فيجعله أشد بريقا ولمعانا وحدة
وبشكل أكثر روعة تندفع إلى مخيلة الشاعر صورة تفيض بالجمال يستكمل من خلالها حديثه عن النهر المشبه بالسيف فكأنه تحت أشعة الشمس وبريقها مجرد عن غمده وكأنه تحت الظلال قد عاد إلى هذا الغمد ( القراب : هو غمد السيف )ولما أوقع الشاعر التشبيه بالسيف انتقل إلى شكل تصوير ثالث بات من خلاله حواف النهر وتعاريجه كفلول السيف وكسوره ولكن إذا كانت فلول السيف تعيبه فإنّ تعاريج هذا النهر تزيده ألقاً وجمالاً ونلاحظ هنا أنّ الشاعر لديه متابعة ذهنية دقيقة تجعله يسترسل في الحديث عن تفصيلات جزئية للصور لكنّ ذلك لايقلل من جمالية التصوير بل يرقى بهذه اللقطات إلى جاذبية أعلى تشدّ الانتباه وتأسر الحواس بما يبدو فيها من طرافة تلامس القلب وتحرك الشعور
وهذه الطرافة التصويرية الآسرة تتبدى من خلال أخيلة تتتالى ويبرز فيها الحُباب على سطح النهر بفقاقيعه وطرائقه التي ترسمها الرياح وكأنها تسرع مذعورة جارية وتتعانق هذه الصورة في مخيلة الشاعر مع صورة أخرى لاتخلو من جاذبية ولطف تظهر فيها الخطوط المرتسمة على وجه الماء كالخطوط الحسنة والنقوش الزخرفية الرائعة
في أكناف هذا الجمال المشاهد الذي يأسر باصرته جاء همس الأغصان خفي ليلامس سمعه بلطف وحنان كما العتاب الرقيق بين الأحبة ولعل هذه الإثارة المشهدية هي التي حركت طاقة الأحاسيس لدى شاعرنا فانعكس ذلك في صورة الحركة التي تعبر عن رقص الغصون وغناء الحمائم في موسم فرح وسرور يحاكي نشوة قومٍ طابت نفوسهم بلذّة الشراب السارية في ذواتهم
أخيراً :وهكذا رأينا أذواق شاعرنا في مطالعته الجمالية لمشاهد الحسن المبثوثة في الوجود هذا الصوفي المرهف الذي وقف يجلو محاسن الطبيعة ويستجدي مكنوناتها ليقرأ في ذلك كله الحكمة المندرجة في أسطر الكون عبر نفاذ البصيرة إلى خلفيات هذه المحاسن المتبدية أمام باصرته , لا بل أمام حواسه كلها وأمام قلبه المحب للجمال هذا الجمال الذي قاده في نهاية المطاف إلى الإحساس بلذّة الشاربين للمدامة ولكن أي مدامة إنها خمرة الحب القديم في الزمان الأول وهي التي قال فيها
مدامة من يغب يحضر بحضرتها ومن يظلُّ بها تهدي السبل
تلك التي كلت الأفهام عن درك الإدراك من عصرها في الأعصر الأول

انتهت المحاضرة
الحمدلله
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 10976
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

رد: المحاضرة الخامسة الأدب العربي في القرن السابع حتى العاشر الهجري د. رئيفة

في 2010-11-29, 10:56
وفقك الله وأدام فضلك ... وسدد خطاك لك خير يرضاه

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى