يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 10694
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

المحاضرة الثالثة شعر عربي حديث د. سعد الدين كليب

في 2010-11-25, 18:49

بسم الله الرحمن الرحيم

حمل من هنا
يرجا الإخبار عن وجود أي خلل أو نقص في عدد الصفحات

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
ميار حسن
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالب جامعي
الدولة الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 24
نقاط : 8814
تاريخ التسجيل : 22/10/2010

رد: المحاضرة الثالثة شعر عربي حديث د. سعد الدين كليب

في 2010-12-07, 21:43
بسم الله الرحمن الرحيم


كنا قد درسنا في المحاضرة السابقة آلية التحليل، واليوم سنطبّق تلك الآلية على نص لشاعر حديث.

قال الشاعر محمد البزم:


أسعداني بَعبرةٍ أسعداني
وعِيا القولَ فالحديثُ شجونٌ
أنتما المؤنسان في وحشةِ الليـ
أنتما حاديا حياتي فجدّا
قد مَلِلْتُ المقامَ في هذه الأر
ليتَ لي في ذَراكما كِسْرَ بيتٍ
لو وجدتُ الطريقَ أو وجدتني
أمتطي كاهلَ الفضاءِ اختيالًا
فأخو اللبِ مذ عرفنا قديمًا



نبئاني وأنتما ماثلانِ
ترعيانِ الغبراء لا تسأمانِ
لم تزالا على كرورِ الليالي
أفهماني ولا تطيلا عذابي
وإلى أين تنبهان فضاء الـ
أتركا السّيرَ واستريحا قليلًا
حدّثاني، أفيكما مثل هذي
يأكل الأيّدُ الضعيفَ ويُغْذى
أم خلاءٌ وما إخال خلاءً
هل يُرى فيكما شعوبٌ كهذي
هل ترى فيكما الجيوشُ تبارى
أكذا فيكما الحياةُ شقاءٌ
أم بقاءٌ ومن يرجِّي بقاءً
هل يرى فيكما الفقير المعرَّى
أم تساوٍ ولا أرى من تساوٍ




















*******

و ارثيا لي يا أيُّها الفرقدانِ
و اصغيا لي إن كنتما تسمعانِ
ـل إذا ما جفا الكرى أجفاني
و احديا بي يا أيُّها الحاديانِ
ض وشوقي إليكما قد براني
فيقيني من طارقِ الحدثان
لسعتْ بي إليكما القدمانِ
وعيونُ الأقوامِ نحوي روانِ
ليس يرضى السّكنى بدارِ الهوانِ



لِعَيَاني أأنتما حارسان؟
في حفاظٍ لها ولا تغربان
تخطرانِ في حلّتي عنفوانِ
عن مصيري يا أيّها الأخوانِ
ـكون، هل ثمَّ برزخ تبغيانِ
فإلى كمْ وأنتما تجريانِ
فلواتٌ تغصُّ بالحيوانِ
جارحُ الطير من دمِ الكروانِ
خبّراني، وخفّفا أحزاني
فرّقتها مذاهبُ الأديانِ
في عداءٍ تؤّم ساحَ الطعانِ
إثر نُعمى وهادمٌ إثر باني
وخيول الزمان في وَخَدَان؟
في خضوعٍ لصاحب الطّيلسانِ
بين هذي الأجرامِ والأكوانِ


نحن أمام نص للشاعر محمد البزم، وهو شاعر سوري. ولو أردنا أن نعطي فكرة موجزة عن حياته، نقول:

هو الشاعر محمد البزم عاش ما بين (1884-1955م)، ولد في دمشق، وهو من أصول عراقية، وفي دمشق تعلّم أصول النحو والبلاغة وعلم الكلام والمنطق، عمل مدرسًا للغة العربية، ثم انتخب عضوًا عاملًا في المجمع العلمي العربي في دمشق (وهو الاسم القديم لمجمع اللغة العربية الحالي)، تولى رئاسة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، صدر ديوانه بعد سنتين من وفاته في مجلدين، وكان صدوره عن المجلس الأعلى لرعايا الفنون في دمشق.

والمعروف أن محمد البزم شاعر كلاسيكي محدث من الطراز الرفيع، بمعنى أنه يلتزم التزامًا صارمًا بالأصول الجمالية العربية القديمة، سواء أكان ذلك على صعيد الديباجة (اللغة) أو الأسلوب أو الموضوعات أو وحدة البيت لا وحدة القصيدة؛ أي كان مثله الأعلى هو ذاك الشعر العربي الأصيل من الجاهلية إلى العصر العباسي ، وهذه المرحلة نطلق عليها مصطلح الكلاسيكية القديمة؛ أي أن الشعر العربي القديم من جاهلي أو أموي أو عباسي يدخل تحت مصطلح الكلاسيكية. ونقول كلاسيكية قديمة تمييزًا لها عن الكلاسيكية الحديثة التي جاء بها البارودي و شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران ومحمد البزم وآخرون.

فالقصد أن محمد البزم هو كلاسيكي محدث من الطراز الرفيع يلتزم التزامًا صارمًا بتلك الأصول التراثية المتوارثة نقرأه اليوم في قصيدة ونحلله؛ لنرى كيف يمكن أن نحلل القصيدة هذه، وقد أصبحت طرائق التحليل بين أيديكم؛ لنرى ماذا يريد الرجل أن يقول، وذلك عن طريق قراءتنا لههذه القصيدة.

نتساءل: ما هي القيم التي يحاول الشاعر أن يطرحها النص؟ ما هي القيمة الرئيسة؟ ما هي القيمة الثانوية؟ما هي القيمة المهيمنة على النص؟ أو القيمة الأساسية في النص؟ أي ماذا يحسّ الشاعر في داخله تجاه العالم؟

مشاعر الشاعر تجاه الكون محددة، لكن هل هو مندمج بهذا الكون أم مستقل عنه؟ هل يتحدث حديث المتأمل المنعزل عن هذا الكون المتسامي عن إشكالاته أم يتحدث حديث من اختبر الكون وعاناه، حديث المتعذّب المنكوي بنيرانه وهو ما يزال ينكوي بهذه النار؟

موقف النص من العالم هو موقف المتأمل المتعاطف؛ أي نحن أمام ذات راحت تتأمل في هذا الكون متعاطفة معه لكنها مستقلة عنه، عبر التأمل وليس عبر الاحتراق بنار التجربة، وليس عبر وقوع الأزمات والإشكالات عليه كما نجد عند الشاعر الرومانسي، فالشاعر الرومانسي يتحدث من داخل التجربة ولا مستقلًا عنها، فنجده يكتوي بنيرانها.

بعض التوضيحات حول الأبيات:

الفرقد: نجم يُهتدى به، ولكن في الشعر غالبًا ما يستخدم الشعراء (الفرقدان)، فهو يتعامل مع الفرقد تعامل المثنى شأنه شأن الشعراء القدماء. ثم نراه في حالة تأمل تجاه معاناة البشر وتجاه حركة الكون كلها، فهو يتحدث متأملًا بالفرقدين ويطالبهما بأن يعيا قوله، وقوله ذو شجون، قول حكيم، قول خبير، وهو يعي جيدًا أن الكون [وما فيه من ظواهر وأشياء..] لا تعيه، لكنه مضطر بسبب الخبرة التي وصل إليها أن ينفث أو يقدّم حكمته. وذو شجون: ذو جوانب كثيرة وليس الشجون هنا الحزن.

وعلينا أن نعرف أن الحزين المحبط لا يطالب بالسعادة بل يُطالب بتخفيف الحزن عنه، فالشاعر هنا ليس حزينًا وليس معذّبًا، بل هو متأمل بالعالم من حوله ومتعاطف معه، ليس محبطًا، هو يتأمل متأمل السامي المترفع عما حوله.

إذًا، موقف النص هو موقف التأمل والتعاطف، ولهذا نرى آثار التأمل واضح منذ البداية عندما يطالب من الفرقدين أن يعيا قوله فالحديث شجون. ثم لحظة تأملية في قوله:
أنتما المؤنسان في وحشةِ الليـ ـل إذا ما جفا الكرى أجفاني


إنه يقف وجهًا لوجه أمام الفرقدين اللذين يؤنسانه في وحشة الليل، فهو في حالة تأمل وليس في حالة حزن يقول: إذا ما جفا الكرى أجفاني، وجفاء الكرى ليس بسبب الأحزان وإنما بسبب التأملات، ثم يقول:
أنتما حاديا حياتي فجدّا و احديا بي يا أيُّها الحاديانِ


أي أنتما أيها الفرقدان تقودا حياتي فقوداها، فعينه معلقة بالسماء (بالشيء السامي) ثم يقول:
قد مَلِلْتُ المقامَ في هذه الأر ض وشوقي إليكما قد براني


فهو يحلم بأشياء علوية روحانية. ثم يقول:
ليتَ لي في ذَراكما كِسْرَ بيتٍ فيقيني من طارقِ الحدثان
لو وجدتُ الطريقَ أو وجدتني لسعتْ بي إليكما القدمانِ


أي لاستطعت أن أتخفف من أعباء الأرض لجئت إليكما أيها الفرقدان وسكنت عندكما في كسر بيت ليقيني من حوادث الزمان.

إذًا، هو يرى أن الحياة العلوية السامية هي الهدف الأسمى بالنسبة إليه؛ ولأنه يسعى إلى السمو فلا يرى في الأرض إلا صراعًا وتكالبًا عابرًا...كما سنلاحظ فيما بعد أديان تتصارع.. وجيوش تتقاتل... وأغنياء يستلبون فقراء.....إلخ. فهو استقل عن معاناة الناس وراح يتأمل فيها، لكنه عايشها وتأملها وسما فوقها. فالقيمة التي يتأسس عليها النص هي:
قيمة السامي المتعالي والمتعاطف في الوقت نفسه


مع المعاناة أو المأساة الإنسانية عامة. سؤال من أحد الطلاب: لماذا لا نرى أن الشاعر قد عانى الغربة مما حوله فراح ينزح إلى ما هو أرقى؟

هذا الكلام صحيح، ولكنه ليس المؤسس لبنية النص، فقيمة المعذَّب نلحظها في النص ولكنها جاءت تعاطفًا مع المأساة الإنسانية، فهناك قيمة أساسية وهي السامي، وقيمة فرعية هي المعذب أو العذابي، وتوكيد هذا سنجده في مفردات النص، فسنلاحظ المفردات التي لها علاقة بالفضاء والارتفاع والاتساع هي التي تشكل النص، في حين أن بقية المفردات هي مفردات عابرة عرضيًا.

فالقيمة التي يريد الشاعر إيصالها إيانا هي قيمة السمو، هو متسامٍ ويدعونا أيضًا إلى التسامي، فهو تسامى على كل الخلافات وقال لنا أنا تساميت على كل هذه الخلافات، فيدعونا إلى أن نتسامى معه دون أن يقول تساموا، فمجرد أن يؤكد لنا مطمحه فهو يدعونا إليه (إلى أن نتسامى أيضًا).

الآن: دعونا -أولًا- أن نبحث عن ملامح السمو في النص؟ أين نجد السمو وفي أي بيت وأي صورة؟

عندما يناجي الشاعر في البداية النجم قد لا يبدو لنا أهو سامٍ أم غير سامٍ، فالشاعر الرومانسي والتراجيدي والمعذب.... يناجي الفرقدين، ولكن هدف المناجاة هو أن يقول: إنني فرقد أناجي فرقدًا، ثم يقول:
أفهماني ولا تطيلا عذابي عن مصيري يا أيّها الأخوانِ


والأخوان ها هنا- قد يقول بعضكم: إن الأخوان هما الفرقدان، ولكن قد يكون المعنى: يا أخويّ، أي يمكن أن نفهم من هذا النداء أنه يخاطب به أخويه، فيكون عندها هو (فرقد) مثلهما. يقول:
أمتطي كاهلَ الفضاءِ اختيالًا وعيونُ الأقوامِ نحوي روانِ


جاء الاختيال هنا وهو الكبرياء والعنفوان، والتالي فهو فرح بأنه سيمتطي كاهل الفضاء، أي سوف يصعد وكل البشر ينظرون إليه، فلو كان معذَّبًا ما خطر بباله أن يقول بذلك؛ أي أن يصعد مختالًا ثم يقول وعيون البشر تنظر إليه بإعجاب و تقديس.

فالفكرة الرئيسة هي السمو والتعالي، وليست فكرة الإنسان المعذّب الذي يحلم بالتخلص من عذاباته، وهو في الحقيقة متخلص من عذاباته؛ لأنه متعال عليها. ثم يقول:
فأخو اللبِ مذ عرفنا قديمًا ليس يرضى السّكنى بدارِ الهوانِ


أي أن أخا العاقل لا يرضى أن يسكن في دار الهوان، وإنما في دار العزّ. نتساءل: من ليس هو أخ للناس، هل يرضى أن يعيش في دار الهوان؟ لاحظوا هنا التمييز في قوله: أخو اللب، فأخو اللب لا يرضى أن يسكن في دار الهوان، وهنا تفريق بين البشر، وكأنه يقول: إن العاقل الحكيم هو الذي لا يرضى أن يسكن بدار الذل، أما من ليس حكيمًا فهو الذي يرضى بذلك؛ أي أن حياة الذل تليق بعاملة الناس.

وهنا تمييز ثقافي عقلي يقوم على الحكمة وغياب الحكمة، فأما الحكماء فلا يرضون إلا بالفرقد سكنى لهم، وهنا التمييز قائم على أن البشر منقسمون إلى قسمين:

1- الخاصة: ولا يسكنون في دار الهوان.

2- العامة: ويمكن أن يسكنون في دار الهوان.

إذًا: السامي هو المتعالي، ولكنه المتعاطف معهم تعاطف السيد القوي لا متعاطف الابن أو الأخ أو القريب... فإما أن نتعاطف تعاطف محبط لمحبط، أو إنسان لإنسان، أو سعيد لسعيد... فالتعاطف له الكثير من الجوانب، ولذلك نجد أمامنا قيمة سامية مترفعة متعالية. وعندما قال: فأخو اللب...، بعد أن قال ذلك أصبح من الطبيعي أن يرى هذه الأرض بكلمة (هذي)، مطلقة، إذ قال:

حدّثاني، أفيكما مثل هذي فلواتٌ تغصُّ بالحيوانِ

أي كل هذه الفلوات كلها حيوان، والفلوات هنا بمعناها الفلسفي لا بمعناها العامي؛ أي كل ما يعيش هو حيوان [من الكائن الحي]. ثم نلاحظ الحديث الفوقي؛ أي يتحدث من فوق الأرض، وفوق معاناتها، ثم يقول:


يأكل الأيّدُ الضعيفَ ويُغْذى
أم خلاءٌ وما إخال خلاءً

هل يُرى فيكما شعوبٌ كهذي
هل ترى فيكما الجيوشُ تبارى
أكذا فيكما الحياةُ شقاءٌ
أم بقاءٌ ومن يرجِّي بقاءً



جارحُ الطير من دمِ الكروانِ
خبّراني، وخفّفا أحزاني

فرّقتها مذاهبُ الأديانِ
في عداءٍ تؤّم ساحَ الطعانِ
إثر نُعمى وهادمٌ إثر باني
وخيول الزمان في وَخَدَان؟



هذا كله حوار مع الفرقدين عن حياة تعالى فوقها الشاعر، لماذا تعالى فوقها؟ هو تعالى فوقها لأنها ممتئلة بما هو سلبي ورديء ولا إنساني. فالأيد يأكل الضعيف ويغذى جارح الطير من دم الكروان. فالذي جعله معذّبًا والذي جعله في الوقت نفسه متساميًا هو أن القوي يأكل الضعيف، والطيور الجارحة تأكل الكروان. يقول:
هل يُرى فيكما شعوبٌ كهذي فرّقتها مذاهبُ الأديانِ


فالأديان جاءت توحيدية لتوحّد البشر، ولكن شريحة منها راحت تمزق الآخرين، فأصبحت وكأنها غطاء لكل المآسي التي تحدث في الأرض. فهذه الأديان هي من المفترض أن تكون مجتمعة متآخية موحدة بين البشر، بينما البشر حولوها إلى أسباب للفرقة وليست هي من فَعَلَ ذلك. ثم يتابع ويؤكد البيت السابق: هل ترى فيكما... وكذلك قوله: أكذا... كلها جعلت الشاعر يحسّ بالعذاب ويغترب عن هذه الأرض ولكنه تسامى، فبدلًا من أن يغترب ويعاني من نار الغربة، تسامى فوق هذه الأرض وراح يعيش بطريقة السمو المتعالية.

إذًا، نحن أمام شخصية مترفِّعة، أمام قيمة تؤكد مسألة الترفع على كل هذا الكون. مثال: كل منا في موقف من المواقف ينظر إلى شخص ما أو شعب ما فيقول: ما هذا الشعب؟ نحن عندما نقول هذه العبارة نقولها في لحظة ترفع وتنصّل من هذا الذي قلناها، أي تنصلنا من الشعب وترفعنا عن سلبياته. وهنا الشاعر يتنصل من سلبيات الحياة الاجتماعية ويترفع عنها.

سؤال من أحد الطلاب: ثمة تناقض في النص ما سببه؟

كل نص فيه طبيعة ذاتية اجتماعية قد تقوم على التناقض، وقد تقوم على التآلف؛ أي يتعاطف الشاعر مع هؤلاء البشر، فكيف يتعالى عليهم في آن معًا؟

مثال: إذا مرّ شحاذ يشحذ مالًا فإنك تتعاطف معه، ولكن عندما تعطيه المال فإنك تترفع عليه. إذًا، هناك تعاطف إنساني مع الشحاذ ولكن في الآن نفسه أرفض أن أكون كذلك، وليس ثمة تناقض في ذلك. والذي يكشف هذا الأمر (التناقض) هو القيمة المهيمنة، لأنها تحدد الرسالة الثقافية التي يريد أن يوصلها المبدع. فالمبدع هنا ضد الشقاء الإنساني، هو ضده ولكنه ما اكتوى بناره، كما يبدو في النص الذي أمامنا، فنحن يجب أن نضع في حسباننا أننا يجب أن نحلل النص ولو لم نعرف صاحبه، فلا يهمنا إذا كان الشاعر قد عانى حقيقة أم لا. فالحطيئة مثلًا- هو أفقر من في الأرض وأكثر من عانى عليها، وهو نفسه صاحب القول:
وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ بِتيهاءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما


فهذه القصيدة هي أنموذج للكرم العربي، وكأن حاتم الطائي هو الذي كتبها، إذ همّ ليذبح ابنه ليضيف الطارق أو الضيف الذي جاءه ليلًا. إذًا، علينا أن نهتم بما هو داخل القصيدة، لا بما هو موجود خارج القصيدة[1].

الآن نحن إذا اعتبرنا القصيدة ردة فعل تجاه العالم، فنحن ندرس طبيعة ردة الفعل هذه. و-هنا في النص- ندرس طبيعة ردة فعل المتسامي، المتعالي، فهو عانى ولكنه تسامى على العناء والشقاء.

ملاحظة: في مرحلة نهاية القرن (19) وبداية القرن (20) ارتفعت الدعوة إلى التآلف والتآخي بين الأديان، إذ كان هناك إثارة للنعرات الطائفية والدينية في تلك المرحلة، فإذا عدتم إلى شعراء تلك المرحلة ستجدون أن الشعراء يدعون إلى هذه المسألة في ذلك الحين (جميع الشعراء) ففي عام 1860 كانت هناك حرب طائفية طاحنة في لبنان، وفي كل فترة تأتي مثل هذه المرحلة.

الآن: القيمة المهيمنة هي قيمة السامي المتعالي، ولذلك راح الشاعر يتأمل ما حوله تأملَ المتعاطف لا تأمل المتكوي بنار الشقاء. والقيمة الثانية في النص هي قيمة المعذَّب أو العذابي، وهي بادية من البداية من خلال قوله: (وارثيا لي)؛ لأن (أسعداني بعبرة أسعداني) فهو في واقع الحس يحسّ بحزم ما، بألم ما، غير أن هذا الألم لا يرتفع إلى مستوى الألم الطاغي أو الألم الرومانسي، هو ألم على طريقة الكلاسيكيين، إذ يبقى الشاعر الكلاسيكي عاقلًا في التعامل مع الألم ويتعامل مع الألم بوصفه مرحلة زائلة، ولا يقع ضحية الألم فهو لا يسمح للألم أن يطحنه وإنما يتعامل معه تعامل المرحلة الزائلة.

وليس ثمة شاعر كلاسيكي محدث راح يتغنى بالألم، بل كان دائمًا يسعى إلى إثبات رجولته في الصراع مع الألم. فالثقافة الذكورية تقتضي أن يكون الرجل رجلًا لا يبكي، لا يدمع، لا ينهار، لا يتراجع..... فمفهوم الرجولة بالنسبة إلى الثقافة العربية القديمة -على الأقل- هي أن الرجل هو الذي لا يبكي ولا يتعذب ولا يدمع... ومنذ الطفولة نعلم أبناءنا هذه الثقافة، فمفهوم الرجولة الذي نعلمه لأبنائنا هو نفسه الموجود ها هنا في النص.

ففي النص مفهوم الرجولة لدى (محمد البزم) نرى أنه أساسًا من أسس البطولة. لذلك لم يبكِ (محمد البزم) ولكن الرجولة بالضرورة تقتضي التعاطف. والرجولة قيمة ثقافية، بينما السمو فقيمة جمالية.

إذًا، نحن أمام نص يؤكد على مفهوم الرجولة، وهذا المفهوم يتناغم تمامًا مع مفهوم السمو الجمالي. والنص بكامله يؤكد مفهوم الرجولة مثلما يؤكد مفهوم السمو. فلاحظوا مثلًا التعابير التالية: اختيالًا، ليس يرضى السكن... فالرجولة تقتضي على عدم رضاه، والرجولة تشتمل على مفهوم الحرية؛ أي أن يكون المعنى الشخصي لا الطبقي الاجتماعي، فثمة حرّ وثمة عبد، فعندما نقول إن فلانًا حرّ فإن غيره يقتضي أن يكون عبدًا، وهذا تقسيم اجتماعي للبشر، مثلما وجدنا تقسيمًا معرفيًا ذهنيًا من خلال قوله: (أخو اللب)؛ أي من خلال الحكيم وغير الحكيم أي الخاصة والعامة.

أيضًا، هناك قيمة ثقافية في النص، وهي قيمة إنسانية، وهي قيمة الإخاء الإنساني تحديدًا، وهي قيمة ليست عبر إزالة الفوارق بين البشر، وإنما عبر التآخي بينهم، فالأخوة لا تنفي التمايز بين البشر إنما تنفي التكالب فيما بينهم. مثلًا: الأيّد والضعيف، والجارح والكروان... يجب ألا يأكل بعضهم البعض وإنما يجب التآخي بينهم؛ لأنه سوف يبقى هناك قويٌ وضعيف، وسوف يبقى هناك طيرٌ جارح وطير مغرد، وسوف تبقى هنالك مذاهب الأديان، فلن تنتهي لكن ينبغي أن تتأخى ولا تتفرق، والجيوش هي الأخرى كل يوم تَؤّمُ ساحَ القتال، فينبغي عدم ذلك.

فالقصد أن الشاعر في دعوته إلى الإخاء الإنساني يطالب بأن يبقى كل منا على ما هو عليه، ولكن أن يحترم بعضنا؛ أي أن نتسامى فوق اختلافاتنا الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية..... إذًا، هنا قيمة ثقافية أخرى في النص، فالنص يطرح قيمة ثقافية هي الرجولة بمعناها القديم، ويطرح قيمة الإخاء الإنساني عبر اختلاف الآخر عني، أو عبر التسامي بيني وبين الاختلافات الآخرين.

و لا بدّ أخيرًا من أن نشير إلى قيمة ثالثة مهمة أيضًا وهي قيمة الجليل، وهي قيمة نراها في الكون. فالسامي المتعالي نراه في ذات الشاعر في النص، وقيمة المعذَّب نراها في جانب من جوانب الشعر وأيضًا في الحياة الإنسانية؛ أي تتوزع بين الشاعر بشكل جزئي وبين الحياة الإنسانية، أما قيمة الجليل فهي في الكون، من مثل: الفرقدين وما يرمزان إليه.

إذًا، نحن في النص أمام ثلاث قيم:

1- قيمة جليل طبيعي.

2- قيمة معذّب إنساني، ونراها في جزء من شخصية الشاعر.

3- قيمة السامي، وهي القيمة الأساسية في النص للشاعر.

ملاحظات متفرقة:

ý الرجولة والإخاء هما قيمتان ثقافيتان في النص وهما أساسيتان فيه، وإذا كان من رسالة ثقافية للقصيدة فتكمن أولًا في تعميق مفهوم الإخاء الإنساني عبر احترام الآخر، وهذا الإخاء مطروح من خلال مفهوم الرجولة التراثي العربي القديم.

ý الجلال الموجود في النص بمعنى الارتفاع والاتساع الدائم، مثلًا: الفرقدان، الجريان الدائم، فضاء الكون، أتركا السير...... فهناك امتداد في الزمان والمكان، وارتفاع، وسمو،..... يدلل هذا على رحابة الكون واتساعه؛ أي يدلل على جلاله.

ý القيمة الجمالية قيمة متحركة غير أن حركتها أبطأ من حركة القيمة الثقافية، فالمدى الذي تطور فيه الفرد يختلف عن المدى الذي تطور فيه المجتمع؛ لأن التطور فيها يمرّ ببطء.

ý القيمة الثقافية قيمة معنوية بحتة، فالقيمة الجمالية قيمة حسية وجمالية ومعنوية، فعندما أقول هذا الشيء مفيد، جميل، يغني علميًا... كل التعبيرات هذه يمكن أن تدخل في الجمال إذا كانت محسوسة، فالقيمة الجمالية تقال في شيء محسوس ذي معنى وليس محسوسًا بلا معنى. مثلًا: الوردة: هي شكل جمالي، إذا رأيناها في الحديقة، وإذا رأيناها موضوعة في كأس، ولكن عندما نقدّم الوردة في مناسبة ما، فإنها تعبر عن قيمة ثقافية -في عيد الحب مثلًا-، فالوردة في ذاتها يمكن أن نقومها تقييمًا جماليًا، فطريقة التعامل مع الوردة هي الدالة على القيمة الثقافية، ولكن هي في الحقيقة لا تمتلك قيمة.
تمّت بعونه تعالى



[1] هذه الدراسة تُعرف بالدراسة البنيوية.
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى