يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
NOURH
باحث مشارك
باحث مشارك
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سورية
الهوايات : طالبة
المزاج : طيب
عدد المساهمات : 64
نقاط : 8688
تاريخ التسجيل : 16/02/2010

أدباء ولكن

في 2010-11-22, 22:04
أدباء..ولكن !

قال لي _ وقداقبل على عجل_: أتسمح لي أن اتلوا عليك هذا النص لتضبط لي تلاوته وشكله؟..

قلت :تفضل !..واقبلتاليه مستجمعا كل انتباهي وفكري، وأنا أحسب انه سيلقي الي بنص من كلام عامر بنالظرب ، او حمية بن رافع،أو أنمار بن اراش ، أو غيرهم ممن عاشوا في الجاهلية،وتركوا ورائهم تضاريس من الكلام الذي نحسبه اليوم حوشيا مستهجنا، وكانوا يرونهرقيقا فصيحا مشرقا.
ولكنه لميقرأ علي شيئا من هذا الذي توقعته، وانما فاجأني بقراءة بضع آيات من القرآن، منسورة آل عمران!..

وأصغيتاليه،واذا هو لا يهتدي في تلاوتها الى صحة نطق أو سلامة أداء!..

وتأمتله،وهو يعالج لسانه في ابانتها، فرأيته يستجمع من الجهد، لاستخراج الكلمة من تجاويففمه ،ما لو بذل مثله طفل رضيع لتكلم وهو في المهد!..
وسرحت نظريفي وجه ،وهو منهمك ما هو فيه،واذا العرق يكده من جبينه وأطراف وجهه !..

ورأيتنيوأنا أرده في أغلاطه الكثيرة،وأنبهه الى صوابها، أزيده على جهده بلاء آخر، وأحيّرهمن حيث أريد تبصيره!.. فانتظرته حتى انتهى، ثم قلت له: يعطيك الله العافية، فماأنت وهذا النص ، ومن الذي ابتلاك به وحملك على هذا الجهد الجهيد في معالجته؟!..

فأجابني،وهو يمسح العرق عن جبينه: أريد أن ألقي عليه درسا في العربية!!..
فقلت له،وقد خيل الي ان أرض الغرفة بدأت تدور بي : درس في العربية ؟..وأستاذ اللغة العربيةأنت؟!!..

قال: أنامن طلاب الآداب قسم اللغة العربية، وقد عهد الي بتدريس ساعات في العربية فيالمدارس.
قلت :ولكنفي الصغار اللذين تدرسهم من يتقن تلاوة هذا النص أكثر منك!..

فأجابني،وقدبدت دلائل انفعال على وجهه: انني أختص في الأدب العربي، لا في الدين والقرآن !..
فقلت له: انهذا اللذي تقول، هو أصل المشكلة التي تعانيها أنت وأمثالك ..أنت تختص بالعربي لابالدين والقرآن!..حسنا، فما الذي أقحمك اذا في تدريس هذا النص من القرآن، وأنتانما تعلم العربية والأدب؟!..

اسمع ياهذا:ان ثمة حقيقة لا مرية فبها ولا جدال0 هي أن العربية بكل ما لها من قواعدوبلاغة وفقه لغة، مرتكزة على القرآن.
فقواعد النحووالصرف لم توجد الا يوم قام أبو الأسود الدؤلي بشكل القرآن وضبطه.وعندما يختلفالنحاة في اعراب جملة أو فهم كلمة، فان أقوى ما يفصل في الأمر ، آية من القرآنتوضح ما أبهم أو تكشف عما التبس.
وقواعدالبلاغة والبيان لم تؤسس الا على محور القرآن ولم تستنبط الا من أسلوبه وطريقةتعبيره.وعندما وضع علماء البيان أصول الكناية والمجاز والاستعارة ،فانما احتذوا فيذلك حذو القرآن ، وساروا على ضوئه واتبعوا طريقته ، وارجع الى امهات ما كتب فيالبلاغة تجد برهان هذا بأجلى مما أقول واوضح .
والقرآن هوالذي فصل بين عصرين خطيرين للنثر العربي : النثر في العصر الجاهلي ، والنثر فيالعصر الاسلامي ،فجسد في كل منهما ميزاته ومظاهره وخصائصه .ولولا القرآن ، لماانشطر النثر العربي هذين الشطرين ولما استقام النثر الاسلامي على شيء من هذاالرواء والرقة والعذوبة التي تتجلى فيه ، فقد كانت بلاغة القرآن هي اللون الجديدلصبغة النثر خلال العصور الاسلامية كلها.
فكيف يصحلك أن تزعم _ مع هذا .كله _ أو تتخيل، بأنك عندما تسير في طريق دراسة العربية ، تكونبسبيل من ان لاتلتفت الى القرآن وأن لا تعني بشيء من أبحاثه ودراساته ؟!..

وكيف يتأنىأن يترطن الرجل بقراءة القرآن الذي هذا شانه ، ويلتوي لسانه ويتعثر في تلاوتهالعثرات العجيبة المضحكة ، ثم يكون مع ذلك أديب في الأدباء،يحسب واحدا منهم ، ويشقمعهم للأدب سبيل التطور والتقدم والنظر والبحث ؟!.

وعندما صح _في نظر البعض _ أن تلتقي تلك الرطانه واللكنة بدعوى
الأدبوأمامته ، صح لنا أن لا نعجب من أن ننتهي الى نهاية نجد فيها الأديب وهو لا يفرقبين ((ال))الشمسية والقمرية ، ولا يدرك فرق ما بين الجملة الأسمية والفعلية !.وصحلنا ان لانسخر أو نعجب اطلاقا ممن يفخم الراء في نطقه العربي حيث ينبغي أن ترقق،ويرققها حيث يجب أن تفخم ولايدرك أي فرق بين أحرف الاستقالة والاستعلاء!!..
فالرجل منهؤلاء انما يختص بالادب العربي !.ومعنى ذلك في نظره أن لكل أن ينطق هذا الاسم علىما يشاء من الأبحاث ويصرفه عما يشاء .وليس ((الأدب العربي))شيئا آخر وراء ذلك !!..

وعندماأصبحت قواعد الأداء العربي في فقه اللغة ،مظهرا يتجلى أول ما يتجلى في تلاوةالقرآن عند من يتقنون تلاوته _ حق عليها القول أن تستبعد من قواعد فقه اللغة ، بلمن الدائرة العربية كلها ، فقد تحولت بذلك إلى شيء آخر .تحولت الى شيء من خصائصالمقرئين ، لا مما يحتاجه الأدباء وعلماء العربية والبيان !..وخير للأديب العربياذا أن يدير بين فكيه ،لدى نطقه العربي ،لسانا أعجميا يتلعثم ولا يكاد يبين، من ان يحمل لسانا يسوقه الىانضباط بقواعد أصبحت تسمى(( تجويدا))وغدت من مستلزمات تلاوة القرآن !!..
***
ثم قلتللمدرس ((الأديب )):ذلك هو أصل المشكلة أما سببها فشيء آخر!..

ان سببهاهو الافراط في الحساسية تجاه الدين ،لدى كثير ممن يخططون للأدب وتطويره ورعايته !..

ان هؤلاءيتطلعون الى عربية مجتثة عن أصولها ، عارية عن لبوسها ، لا شأن لها بما يذكر بدين، ولا سبيل لها الى شيئ من مصادره ونصوصه!..
وهميستنجدون لتحقيق ذلك بمزيد من الاغراق في محاولة تغريبه وصبغه بالمذاهب والأفكارالأجنبية عن منشئه وأصوله ، ((ولو استطاعوا أن لألبسوه هو الآخر قبعة وحلة أوروبيةوشدوا عنقه برباط أفرنجي ))!.
والقرآن_ كماتعلم_ له وجه عربي ، به استمسكت اللغة العربية ، وعليه استقام وجودها وبقائها ونموآدابها 0وله مع ذلك وجه ديني ،به قامت شرعة الاسلام وثبتت حجته ودخلت الى الأفئدة قيمه وأصوله 0
فهؤلاءالناس ،بهم حاجة الى الوجه العربي من القرآن ،ولديهم انكماش عن وجه الدين الثاني؛وبودهم أن لو استلو من القرآن كل خصائصه الأدبية واللغوية ،دون أن يجدوا أنفسهموجها لوجه مع مواضيعه وحقائقه الدينية !..
ولكن هذاالفصام لا يمكن أن يتم ..فماذا يفعلون ؟
لقد شاءفرط الحساسية تجاه الدين ،عند هؤلاء ،ان يكون هو المتغلب في هذا الصراع.فآثروااستمرار الضعف في العربية على المغامرة في اقتحام سبيل قد تفوح من بعض جنباتهروائح دين هم في غنى عن التعرض له والنظر فيه !..وآثروا الركة العامية والرطانةالأعجسية ، على دراسة طبائع الأحرف العربية والتزام أصول النطق بها (وهي فرع أصيلمن اصول فقه اللغة )وذلك بعد أن أصبحت خاصة من خصائص القرآن وتلاوته ،وأصبح له اسمديني آخر ))التجويد ))!!.
فكان أنوجد ، بسبب ذلك ،هذا الذي يأبى الا أن يتصدر على عرش العربية والبيان ويتمطى فوقهبكل من عرضه وطوله ،وهو لا يقيم لسانه على نطق بالعربية سليم ،ولا يملك ذوقا فيصياغة الجملة العربية أو تحليل بلاغتها !!.
وكان أنوجد في المجتمع ،بسبب من ذلك ،واحد مثلك يدرس العربيةوآدابها في المدارس ، فيالوقت اللذي يطوف بنص من القرآن على من يضبط له تلاوته وشكله !!..

ثم قلت له :ولوسمع أصحاب هذه الحساسية نصيحتي لهم ،وأصغوا الى رأييفي هذا الأمر ، لطلبت اليهم أنيحيطوا حساسيتهم هذه بقوة من ثبات الرأي والاعصاب . فيقبلوا على القرآن يتعلمونويفيدون من وجهه الأدبي الزاهر العجيب ،ويحافظوا _ في الوقت نفسه _على نفوسهموعقولهم من ان يمسها طائف من افكاره ومواضيعه الدينية المختلفة ،
وليكن لهمفي ذلك أسوة بالمستشرقين الذين يدرسون من علوم الاسلام ومصادره كل ما يفيدهمويعنيهم ،دون أن يتحولوا بذلك عن عقائدهم وأفكارهم والسبل التي أرتضوها لحياتهم .فهميحبسون أنفسهم وأفكارهم ، خلال دراساتهم هذه ضمن حصون من قوة الارادة والثبوت علىالنهج ، ثم يولصلون سيرهم العلمي الى الغاية التي يرمون اليها باطمئنان ودون أيقلق أو خوف .

وطلابالمعهد العالي للتمثيل والموسيقى ، يدرسون فيما يدرسونه ، قواعد التجويد ،يدرسونهاباسمها الديني الثاني لا باسمها العربي الاول.
وذلك شعورامنهم بضرورة المراس على النطق بالعربية كما ينطق بها الرجل العربي الأصيل ..والافكيف يستقيم ان يتقمص أحدهم شخصية القعقاع ابن عمروا مثلا ،وهو لا يملك لساناكالذي ينطق به القعقاع ؟!..

أجل..انطلاب المعهد العالي للتمثيل يتعلمون التجويد ،دون أن تثور عوامل الاشمئزاز عند أحدمنهم ، ودون أن يفترسه تخيل أنه قد تحول بذلك الى مقرئ يتلوا القرآن على مسامعالناس في حفل عزاء .

فنحن نقوللهؤلاء الناس : كونوا فبما تحتاجون للحصول عليه ، مثل جماعة المستشرقين وطلاب معهدالتمثيل ؛ولا يقعدن بكم عن تحصيل العلم الذي لا بد من تحصيله ،فرط حساسية لا معنىلها الا الدلائل المتثائب خلف ضباط ثقيل من الكسل !..

ونقول لهم :ليس كل من درس آداب القرآن وعلومه وتاريخه أصبح فريسة للدين .ولكن ما من شك أن كلمن طوى النظر في هذا الكتاب العظيم أصبح بذلك فريسة جهل بلغته التي يزعم أنه يفخربها ويدفع عنها .
ان كتابالكامل ، والبيان والتبيين وعيون الأخبار ، وزهر الآداب كلها أمهات كتب الأدبوعيونها . وفي كل منها فصول ضافية طويلة عن القرآن واعجازه وبلاغته ، وعن البلاغةالنبوية وخصائها ، ولم يقل أحد فيمن جاء أو غبر ان هذه الكتب قد غدت بذلك فريسةللدين ، وأنها كتب دينية ينبغي للأديب ((العصري ))أن يطويها عن نظره ويبعدها عنفكره .ولا شك أن الذي يقرأ هذه الفصول منها ، دون أن يفقه ويتذوق حديثها عن القرآنوالبلاغة النبوية ، كاذب في دعوى الأدب وفهمه ، يزور من نفسه على الناس شكلا فارغاعن حضارته ومضمونه .
***
ان لهؤلاء _اذا شاءوا _ أن يعترفوا بجهلهم هذاويقتنعوا به ، وليبتعدوا عندئذ عن القرآن ما طاب لهم ذلك ، وليتحرجوا منه كمايحبون وكما تحبه لهم حساسيتهم .
ولهم اذاشاءوا ، أن يأتوا البيوت من أبوابها ويسلكوا الى الغايات سبلها فيعكفوا على دراسةالعربية وأصولها و آدابها من منابعها ومصادرها ، كما درسها سائر من قبلنا من الناس. وعندئذ لا بد لهم من العكوف على دراسة القرآن في تاريخه وعلومه وخصائص أسلوبهودلائل اعجازه ، وكيفية انبثاق فنون البلاغة من صياغته ومنهجه في البيان والتعبير .
أما أنيجعل أحدهم من الدراسة العربية اسما للذي يشتهيه من المباحث والفنون ، ثم يمضييسمي الجهل علما ، ويفصل في الأمور حسما يوحي اليه هواه ، ويصبغ الحقائق كلها بلونالحساسية التي تعتلج في نفسه فذلك هو السخف العجيب !!..

وقلت لمدرس((العربية )) :
ان الذييضع منظارا ملونا أمام عينيه ،لا يستطيع أن يزعم أنه صبغ بذلك الدنيا كلها بلونمنظاره ، ولا يستطيع أن يقود الناس كلهم وراءه تبعا لهذا
الذي خيل اليه. وحتى أصحاب نظرية النسبيةالبالية ، لا ينظرون الى هذا الصنيع بأكثر من نظرة سخربة واشفاق .

***

ثم قلتلمدرس((العربية ))أخيرا :
ذلك هوالسبب في أصل المشكلة !..
أما السرالجاثم وراء هذا السبب ، فشيء آخر ..
قال :فماهو ؟.. قلت حسبك اليوم من هذه المسألة ما قد سمعت ، وعليك أن تستدرك ما بقي لديكمن الوقت في ضبط هذا النص واتقان تلاوته .فاذا كان صباح الغد ، وفرغت من القاء درسك ،فعد الي لأحدثك عن السر!..
من كتاب "من الفكر والقلب"د.محمد سعيد رمضان البوطي
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى