يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
avatar
رقية
باحث مشارك
باحث مشارك
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : المطالعة
المزاج : سعيدة
عدد المساهمات : 63
نقاط : 9205
تاريخ التسجيل : 02/09/2010

المحاضرة الرابعة الأدب العربي في القرن السابع حتى العاشر الهجري

في 2010-11-13, 16:31

بسم الله الرحمن الرحيم
عفيف الدين التلمساني610هجري--- 690هجري
1291--1213 ميلادي

إِذَا مَاسَ مَنْ يَهْوَاكَ تِيهاً فَلاَ عتْبُ وَمَنْ ذَا يَرَى ذَاكَ الجَمَالَ فَلاَ يَصْبُو
ومَنْ ذا الَّذي يُسْقَى بِذِكْرِكَ قَهْوَةً وَلاَ يَنْثنِي تِيهاً وَيَزْهُو بِهِ العُجْبُ
سَبَيْتَ الوَرَى حُسْناً وَأَنْتَ مُحَجَّبٌ فَكَيْفَ بِمَنْ يَهْوَاكَ إِنْ زَالَتِ الحُجْبُ
وَأَصْبَحْتَ مَعْشُوقَ القُلُوبِ بِأَسْرِهَا وَمَاذَرَّةٌ فِي الكَوْنِ إِلاَّ لَهَا قَلْبُ
إِذَا سَكِرَ العُشَّاقُ كُنْتَ نَدِيهُمْ وأنتَ لَهُمْ سَاقٍ وَأَنْتَ لَهُمْ شُرْبُ
وَإِنْ زَمْزَمَ الحَادِي وَمَالُوا صَبَابَةً فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ سِوَاكَ وَلا أَرْبُ
وَلِمْ لاَ يَذْوبُ العَاشِقُونَ صَبَابَةً وَوَجْداً وسُلْطَانُ المِلاَحِ لَهُمْ حِبُّ
عفيف الدين التلمساني :ولد الشاعر في حاضرة تلمسان المغربية لأسرة تنحدر من قبيلة بربرية تلقى ثقافته في هذه المدينة في عصر بلغت فيه قمة مجدها ثم توجه وهو شاب الى القاهرة فأقام في خانقاه (كلمة غير عربية وهي سعيد السعداء )عند شيخها شمس الدين الأيلي ,قصد بلاد الروم ليتابع رحلته الصوفية وذكر المؤرخون أنه عمل أربعين خلوة واستغرقت كل واحدة منها أربعين يوما وقالوا عنه انه كان يدعي العرفان ويتكلم في ذلك على اصطلاح القوم
حط رحاله في نهاية المطاف في دمشق فعاش في قصر أقامه في سفوح جبل قاسيون ومازال هذا المكان يعرف عند أهل دمشق بالعفيف ,وافته المنية بعد سنتين من وفاة ابنه الشاب الظريف وذلك سنة 690 هجري ودفن في مقابر الصوفية بدمشق
له آثار في علوم مختلفة وله مصنفات كثيرة جدا في الشعر والتصوف وعلم الكلام والنحو والفقه والأصول من أهم الأغراض التي تناولها / النسيب الصوفي ,الخمريات الصوفية ,وصف الطبيعة ,المديح النبوي/ا
ان النص الذي بين أيدينا ذو مذاق صوفي غني بمعاني الحب والجمال والشوق والصبابة والحسن والعشق والوجد والملاحة والهوى فالنفس الانسانية التي طالعت أنوار الجمال الالهي المشرق على زجاجتها الشفافة انطلقت معربة عن معاني هذا الجمال من خلال مظاهر وجدانية متنوعة شكلتها هذه المطالعة النورية ,لذلك راينا شاعرنا التلمساني ذا النفس العارفة يفتتح نصه بالحديث عن الحركة الناشئة عن الطرب الروحاني والتأثر الشعوري ويصور هذا الانفعال من خلال قوله :(ماس)وماس ميسا,وميسانا,تبختر واختال فهو مائس ,ومياس ولعل هذا الاحساس بالتيه ناجم عن الغبطة الروحية الناشئة في ذات العارف عن ادراك أذواق الهوى العلوي وفعلها المؤثر ,واذا كانت الحركة لدى العفيف التلمساني متجلية بالتبختر فاننا نرى لدى بعض أدباء الصوفية الآخرين كجلال الدين الرومي مثلا نموذجا أعلى للحركة عبر عنه بالرقص وفي ذلك يقول :لقد سما الجسد الترابي من العشق حتى الأفلاك وحتى الجبل بدأ في الرقص ) (أيها العاشق لقد حل العشق بروح سيناء فثمل الطور وخر موسى صعقا )وهناك مصطلح صوفي يقول :الفناء في المشاهدة
ولعل رقص الجبل فيه اشارة الى نشوة الجسد الترابي الذي تعتريه الهزة الروحانية الناشئة عن العشق وما يتعلق به من أسرار الوصال ,والشاعر العاشق يرفض لوم اللائمين لهذه الحركة الانفعالية المرتبطة بالنشوة لأن حضرة الجمال ذات مؤثرات فعالة تحرك الكيان وتستثير الحنين والشوق من أعماق النفس فتنجذب بقوة عشقية نحو صاحب البهاء الأرفع والجمال الأكمل بحثا عن مقومات كمالها
ان الانتشاء الحاصل في الروح منذوق الخمرة الالهية مرتبط بالشهود المنفي للأوصاف الذاتية نتيجة مطالعة أوصاف الحبيب ومن هنا قال الصوفية في حقيقة الذكر :أن تنسى ماسوى المذكور في الذكر
والاشارة بالحجاب الى قوله عليه الصلاة والسلام :(حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه مانتهى اليه بصره من خلقه
وهذا المشهد كما يقول ابن عربي:عظيم نزيه لايبقي أثرا ولا عيناولا كونا فما احتجب الا رحمة بنا لبقاء أعيانا فانه في بقاء عين الكون ظهور الحضرة الالهية وأسماؤها الحسنى وهو جمال الكون المسمى بالحسن في مجالي الظهورات فلو ذهب الوجود الكوني لم تعلم الحضرة الحسنى بظهورها فيه.
ان جاذبية العشق في الموجودات تجاه الوجد ناتجة عن حنينها الى الأصل الذي أشرق نوره عليها فكساها حلة وجودها وهذا العشق الملازم لها تجاه معشوقها ناتج عن الصلة الوثيقة التي تربطها بالكمال الذي تفتقر اليه كما تربط أفئدتها بملهم العرفة فتسجد لبهائه وتسبح بحمده وفي هذا اشارة الى قوله تعالى :
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (44) سورة الإسراء
وقوله عز وجل :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (41) سورة النــور
وقوله سبحانه :{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (1) سورة الجمعة
وقوله عزوجل:{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1) سورة التغابن
وقوله تعالى:{ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (24) سورة الحشر
يقول القيرواني في العشق /وهو صوفي/:ولا شك أن نسبة العشق أم جميع النسب العلوية والسفلية ولولاها لم يكن في العالم حركة ولا متحرك ولا كامل ولا مكمل فان كل جوهر نوراني في العالم العلوي اما عاشق أو معشوق ,فسرت من ذلك نسبة العشق في جميع الكائنات حتى في لاأجسام الحجرية فانا (اننا)نجد بعضها يجذب بعضا بقوة عشقية خفية عن أذهان البشر واعلم أنه ليس في العالم شيء الا وله مغناطيس يجذبه لطيفا كان أو كثيفا ومغناطيس النفوس شعاع نور الجمال .
ويرى الصوفية أن المحب في حال سكره يغيب عن التمييز بين الأشياء ولا يغيب عن الأشياء فان غلبات وجود الحق تسقطه عن التمييز بين مايؤلمه ويلذه وهو في حضرة الجمال يشهد الشراب في الساقي فهو الجميل والجمال فيه
وان زمزم الحادي :
فالزمزمة : هي الصوت الخفي وقولهم :زمزم الحادي فيه اشارة الى قافلة الأرواح السائرة نحو الحبيب الذي هو قبلة أشواقها ومقصد هممها ان قلوب العاشقين دخلت في مقام العشق لما تجلى لها خالقها بالاسم الجميل فذاقت معنى الذوبان والفناء لما اقتضاه ذلك الجمال الأعلى من الهيبة
وهكذا رأينا كيف وفق التلمساني في نقل أذواقه الينا وهو الشاعر العارف الذي تألق في عباراته الشعرية مثلما تألق في اغناءها بالمعاني العرفانية التي هي ثمرة معاناة روحانية أكسبته خصوصية في التأليف بين المعنى والمبنى على نحو جليل.
انتهت المحاضرة
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى