يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
اذهب الى الأسفل
ملك
باحث جديد
باحث جديد
الحالة العلمية : طالبة
الدولة الدولة : سورية
الهوايات : طالب
المزاج : هادئ
عدد المساهمات : 3
نقاط : 8705
تاريخ التسجيل : 07/09/2010

بحث ,آية الكرسي , دراسة نحوية صرفية بلاغية

في 2010-10-30, 01:29


آيَةُ الكُرْسي
دِراسَةٌ نحويَّةٌ صرفِيَّةٌ بلاغيَّةٌ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ


)اللهُ لا إلهَ إلا هوَ الحيُّ القَيُّومُ لا تأخُذُهُ سِنَةٌ و لا نوْمٌ لهُ ما في السَّماواتِ و ما في الأرضِ مَنْ ذا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بإذنِهِ يَعْلَمُ مَا بيْنَ أَيْدِيْهِمْ و ما خلْفَهُمْ و لا يُحِيْطُونَ بشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ و الأرْضَ و لا يَؤُوْدُهُ حِفْظُهُمَا و هُوَ العَلِيُّ العَظِيْمُ ( البقرة / 255.

الآيةُ و مُنَاسبَتُهَا :

سُمِّيتْ هذه الآيةُ بآيةِ الكرسي لذِكرهِ فيها . و هي كما وردَ في صحيحِ مُسلمٍ أعظمُ آيةٍ , لِمَا ذُكِرَ فيها من توحيدِ الله و تعظيمهِ . ومن يقرؤها حين يأوي إلى فراشِه لن يزالَ عليه من اللهِ حافظٌ على نفسِهِ و جارِه و جار جارِه ... (1) .

أما مناسبةُ هذه الآية فهي أنَّ اللهَ تعالى ذكرَ قبلها الرُّسلَ و تفضيلَ بعضهِم على بعضٍ , و ما أحدثَهُ اليهودُ و النصارى مِن بِدَعٍ و نسبوا للهِ ما لا يجوزُ , و ما فعلهُ العربُ في جاهليَّتِهِم مِن اِتخاذِ الآلهةِ و الإشراكِ به سبحانه... ففسدت عقائدُهم. و ذلك في قوله تعالى :ِلكَ الرُّسُلُ فضَّلْنَا بعضَهم على بعضٍ ... و لو شاءَ اللهُ ما اقتتلَ الذينَ مِنْ بعدِهِمْ مِنْ بعدِ ما جاءتْهُمُ البيِّنَاتُ و لكنِ اختلفوا فمنهُمْ مَنْ آَمنَ و مِنْهُمْ مَن كفرَ ...يا أيُّها الذينَ آمنوا أنفقوا مِّمَّا رزقناكُمْ مِنْ قبلِ أنْ يأتيَ يومٌ لا بَيعٌ فيه ولا خُلَّةٌ و لا شفاعةٌ و الكافرونَ هُمُ الظّالمون ) البقرة / 253-254 . فأتى الله بهذه الآيةِ للدلالةِ على وحدانِيَّتِهِ , و ذكرَ فيها صفاتِه العُلا لتنبيهِهِمْ على العقيدةِ الصَّحيحةِ التي هي محضُ التَّوحيدِ (2) .

التَّفسِيْرُ و الإِعْرَابُ :

اللهُ لا إلهَ إلا هوَ : تدلُّ على حصرِ الإلهيةِ فيه سبحانهُ(3). اللهُ : عَلَمٌ لا يطلقُ إلا على المعبودِ بحقٍ ,مُرتجلٌ غيرٌ مشتقٍ عند الأكثرين , و قيل : مشتقٌ ,ثُمّ اختلفوا في اشتقاقهِ (4). لفظُ جلالةٍ مبتدأٌ مرفوعٌ . خبرُه جملةُ ( لا إله إلا هو ) (5) . لا :نافيةٌ للجنسِ تعملُ عملَ (إنَّ) . إلهَ: اسمُها مبنيٌّ على الفتحِ في محل نصبٍ ( لأنه مفرد غير مضاف ولا شبيهٍ بالمضاف ) . و الخبرُ محذوفٌ لأنهُ كونٌ عام يُفهم من السّيَاق _بخلافِ الكونِ المقيّدِ الذي لا بُدَّ مِنْ ذِكرِه _ " و لذا ساغَ حذفُهُ كما ساغَ بعد قولِهِم : لولا زيدٌ لأكرمتُكَ , إذ تقديرُه : لولا زيدٌ موجودٌ ... و لذا نقلوا أنَّ الخبرَ بعدَ (لا) إذا عُلِمَ كَثُرَ حذفُه عند الحجازيِّيْنَ و وجبَ حذفُهُ عند التميميِّينَ " (6) , أما الضَّميرُ ( هو ) لا يُمكنُ أن يكونَ خبرًا على الرأيينِ المُخْتلفينِ في الاِسمِ المرفوعِ بعد لا النافية للجنسِ وهما :

الرأيُ الأوَّلُ لسيبويهِ إذ يرى أنَّ ( لا ) و الاسمَ بعدَها ( أي اسمَها ) في موضعِ رفعٍ على الابتداءِ , و الاسمَ المرفوعَ بعدها هو خبرٌ لذلك المبتدأِ ,أي ( لا ) النافية للجنس لم تعملْ إلا في الاِسم . و عليه يكون ( لا إله ) معاً مبتدأ , خبرُه هو الكونُ العام المحذوفُ , تقديره (كائنٌ ) أو ( موجودٌ ) . و لم يَجُزْ أنْ يكونَ الضميرُ ( هو ) في قوله : ( إلا هوَ )خبرًا لذلك المبتدأِ لأنّ ذلك يقتضي جعلَ المبتدأِ نكرةً و جعلَ الخبرِ معرفةً , و هذا عكسُ ما استقرَّ في اللسانِ العربيّ (7) .

الرأيُ الثاني للأخفشِ إذ يرى أنّ ( لا ) تعملُ في الاسمِ و الخبرِ معًا ,أي تنصبُ و ترفعُ .و عليه يكون خبرُ ( لا ) محذوفٌ أيضًا , و لا يجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ ( هو ) خبرًا ل ( لا ) أيضًا لأنها لا تعملُ في المعارفِ , إذْ مِن شروط عملِها أنْ يكونَ اسمُها و خبرُها نكرتين (Cool.

إلا : حرفُ اِستثناءٍ , و الاستثناءُ هنا تامٌ منفيٌّ يجوزُ فيه النّصبُ على الاستثناءِ و الرفعُ على البدليّةِ .هُوَ :بدلٌ مرفوعٌ من الضميرِ المستترِ في الخبرِ المحذوف . و هو الرأيُ الذي رجَّحَهُ أبو حيّان . أما أبو البقاء العُكْبُرِيِّ فرأى أنه بدلٌ من موضعِ ( لا إله ) المرفوعةِ بالابتداءِ و لا يجوزُ عنده ،أنْ يكونَ في محل نصبٍ على الاستثناءِ لأنه لو كان في محل نصبٍ لكان (إلا إيّاه ) (9). و عرضَ أبو حيانَ عِدَّةَ أقوال منها أن يكونَ بدلاً من اسمِ ( لا ) , لكنَّ هذا القولَ فيه إشكالٌ "على قولهم : إنّه بدلٌ من ( إله ) , لأنّه لا يُمكِنُ أنْ يكونَ على تقديرِ تكرارِ العامل , لا تقولُ : لا رجلَ إلا زيدٌ . و الذي يظهرُ لي فيه أنّه ليس بدلاً من ( إله ) و لا مِن ( رجل ) ... إنما هو بدلٌ من الضميرِ المُسْتَكِنِّ في الخبرِ المحذوف ... فالتقديرُ : لا رجلَ كائنٌ أو موجودٌ إلا زيدٌ كما تقولُ : ما أحدٌ يقومُ إلا زيدٌ , فزيدٌ بدلٌ من الضمير في ( يقوم ) لا مِن ( أحد ) ... و إنَّما هو بدلٌ مرفوعٌ من ضميرٍ مرفوعٍ , ذلكَ الضميرُ هو عائدٌ على اسمِ (لا ) "(10) .

الحيُّ القَيُّومُ : الحيُّ : وصفٌ لِمَن قامتْ بهِ الحياةُ .و هو مِن صفاتِ الذّاتِ للهِ تعالى , فهو حيٌ بحياةٍ لم تزلْ و لا تزولُ (11) .و قيل : الذي له الحياةُ الدائمةُ و البقاءُ , الذي لا أوّلَ له يُحَدُّ و لا آخرَ لهُ يُؤْمدُ ( من الأمد ) , و قيل : هو حيٌّ بالتدبيرِ , و قيلَ : هو اسمٌ من أسمائه عزّ و جل (12).أما إعرابُه فقيل فيه :

1- صفةٌ للمبتدأِ ( الله )

2- خبرٌ ثانٍ له بعد خبر

3- بدلٌ من ( الله ) أو ( هو )

4- خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه ( هو ) , أي هو الحيّ

5- مبتدأٌ , خبرُه ( لا تأخذه ) .

و أجودُها لدى أبي حيّانَ الوصفُ مُستدِلاً بقراءة ( الحيَّ القيُّومَ ) نصبًا بالقطع على إضمارِ ( أمدحُ ) , إذ لو لم يكنْ وصفاً ما جاء فيه القطع . أما الفصلُ بين الصّفة و الموصوفِ بالخبرِ فعلّلَهُ بأنه جائِزٌ حسَن مثل : زيدٌ قائمٌ العاقلُ (13) . و ذكر أبو البقاء وجهاً آخر و هو أن يكونَ بدلاً من محلِّ ( لا إله ) (14).القيُّومُ : القائمُ على كُلِّ شيءٍ بما يجبُ له و ( فَيْعُوْلٌ ) مِن صيَغِ المُبالغة (15). و إعرابهُا كسابقتها.

لا تأخُذُهُ سِنَةٌ و لا نَومٌ : السِّنة : مصدرٌ مِن وَسَنَ يسِن سِنة و وسنًا , و المعنى أنّه تعالى لا يغفلُ عن دقيقٍ و لا جليلٍ , إذ عبَّر بقوله هذا عن الغفلةِ لأنه سببُها, مطلقًا اسمَ السببِ عن المسبَّب , و قيل :من لا يقهرُهُ شيءٌ , و أضافَ الزّمخشريّ أنه توكيدٌ للقيُّوم لأنه مَن جازَ عليه ذلك استحالَ أن يكونَ قيُّومًا (16) . ووردَ في الطبريّ : " لا يأخذُهُ نعاسٌ فينعس ولا نومٌ فيستثقل نومًا , و الوسَنُ خثورةُ النّومِ , و منه قولُ عديِّ بنِ الرِّقاعِ :
وَسْنانُ أقصَدَهُ النُّعاسُ فرنَّقَتْ في عينِه سِنَةٌ و ليسَ بنائمِ


......و النّومُ شاغلٌ المدبِّرَ عن التدبيرِ , و النُّعاسُ يمانعُ المُقَدِّرَ عن التقديرِ بوسنه " (17).

و لا نومٌ : أفادَ تكرارُ ( لا ) انتفاءَ الوسَنِ و النّومِ على كل حالٍ , فلو أُسْقِطَتْ ( لا ) احتملَ الكلامُ انتفاءَهما بقيدِ الاجتماعِ إذ يجوزُ أن تقولَ : ما قامَ زيدٌ و عمروٌ بل أحدهما , و لا يقال : ما قام زيدٌ و لا عمرو بل أحدهما (18). فالجملةُ الأولى نفتْ اجتماعَ قيامهما معًا دون نفيِ قيامِ أحدِهما , و الثانيةُ نفتْ قيامَ كلٍّ منهما سواء كانا مجتمعين أم متفرقين . فنفت( لا ) كلاً من النعاس و النوم منفردين كانا أم متفرقين . جملةُ ( لا تأخذُهُ سِنَةٌ ) :

1- خبرٌ ل (الله) (19).

2- خبرٌ ل ( الحي ).

3- حالٌ من الضميرِ المستترِ في ( القيُّوم ) , أي قيومٌ بأمرِ الخلقِ غير غافل و الرأيان الأخيران لأبي البقاء (20).

لهُ ما في السّماواتِ و ما في الأرضِ :خبرٌ مقدّم و مبتدأ مؤخر , و هذه الجملة أيضًا تحتملُ أن تكونَ خبرًا كسابقتها و أن تكون استئنافيةً (21) . ما : تفيدُ العمومَ و تشملُ كلَّ موجودٍ و خُصَّ المظروفُ ( ما ) دونَ الظَّرْفِ فلم يقُل : له مُلك السماواتِ لأن المقصود نفي الإلهية عن غيرِ الله , فكلّ ما عُبِدَ من دونِ اللهِ ممّا في السماواتِ و الأرضِ هو مُلكٌ له سبحانه لأنّ اللام هنا للملك (22), و هو مناسب لما ذُكِرَ قبل آيةِ الكرسيّ من اختلافِ الناسِ في الدّينِ . ِ

مَنْ ذا الّذي يشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بإذنِهِ : جاءَ هذا الاستفهامُ الإنكاريُّ الذي يفيدُ النفيَ ردًا على زعمِ المشركينَ بأنَّ الأصنامَ تقرِّبُهُم إلى الله زُلفى ,فبيَّن سبحانه أنّ هناك شفاعةً لكنّها ممّن يرضى و يأذن) لا يتكَلَّمُونَ إلا مَنْ أذِنَ لهُ الرَّحْمَنُ و قالَ صَوابًا( النبأ/38. و الإذنُ : الأمرُ أو العلمُ أو التّمكينُ إنْ شفعَ أحدٌ دونَ أمرٍ (23) . مَن ذا الّذي :قيلَ فيها:

1- مَن : مبتدأ . ذا : اسمُ إشارةٍ خبرٌ . الذي : صفةٌ ل ( ذا ) أو بدلٌ منه .

2- مَن ذا : كلمةٌ مركّبةٌ مبتدأٌ . الذي : خبرٌ لها .

و نرى رأيينِ متناقضينِ فأبو حيّانَ يُضعِفُ الرأيَ الأوَّلَ و يرى فيه بُعدًا , لأنّ ( ذا ) إذا كانَ اسمَ إشارة و كان خبرًا عن ( مَن ) استقلت بهما الجُملة , بينما هي هنا محتاجةٌ إلى الموصول بعدها هنا , و يرجِّحُ الرأيَ الثاني فالخبرُ هو الاسمُ الموصولُ لأنّ به يتمُّ معنى الجملةِ (24) .أما أبو البقاءِ فعلى العكسِ , إذ يذكرُ الرأيَ الأولَ ثم يرفضُ الثاني , و السببُ عنده أن ( مَن ذا ) لا يجوز أن تكونَ بمنزلة اسمٍ واحد كما هو الحال في ( ماذا ) المركّبةِ , لأنّ ( ما ) أشدُّ إبهامًا مِن ( مَن ) فالثّانيةُ لِمَنْ يعقلُ فقط (25) .و لعل هناك وجهًا آخر , و هو أن تكون ( من ) خبرًا مقدمًا , و ( ذا ) مبتدأً مؤخرًا , لأنّ اسم الإشارة أكثر تعريفًا من اسم الاستفهام فمن حقه أن يكون هو المبتدأ على رأي بعضهم .

عندَهُ : ظرفُ مكانٍ قيلَ فيه :

1- معمولٌ ل ( يشفعُ ) , أي يُعَلّقُ به .

2- حالٌ من الضميرِ في ( يشفع ) و التقديرٌ : يشفع مستقرًّا عنده , و يُعلّق بحالٍ من الفاعلِ المستترِ في الفعل . و اُختُلِفَ في هذا الوجهِ فقيلَ : هو ضعيفٌ لأنّ المعنى ( يشفعُ إليه ) , و قيلَ : بل وجهُ الحال أقوى , لأنه إذا لم يشفعْ مَن هو عندَه و قريبٌ منه فشفاعةُ غيرِهِ أبعدُ (26) .

إلا بإذنِهِ : إلا : حرفُ حصْرٍ . بإذنِه : الباءُ للمُصاحبة , و هي التي يُعَبّرُ عنها بالحال , أي لا أحدَ يشفعُ عنده إلا مأذونًا له أو إلا و معه إذنٌ (27) . و علّقَهُ أبو حيّان بالفعل نفسِه (28) . و ما اعتدناه هو أنْ نُعلِّقَ بحالٍ من الضميرِ المستترِ في الفعل أي بحال من الفاعلِ إذا كانت الباءُ للمصاحبة لأنّنا قدّرنا حالاً . و يُضيفُ أبو البقاء : " و يجوزُ أنْ يكونَ أن مفعولاً به , أي بإذنهِ يشفعونَ , كما تقولُ : ضربَهُ بسيفِه , أي هو آلةُ الضَّربِ " (29). لعلّهُ يريد بذلك أنْ تكونَ الباءُ للاستعانة , أي الإذنُ آلةُ الشفاعة , و على ذلك تكونُ شبهُ الجملة متعلقةً بالفعل , و قصدُه من المفعول به أنّ الفعلَ قد تعدّى إلى معمولِهِ بحرفِ الجرّ , لأنَّ الفعلَ إمّا أن يتعدّى إلى مفعوله مباشرَةً أو بحرفِ الجرِّ .

يعلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيْهِم و ما خَلْفَهُم : يعودُ الضّميرُ على الخَلْق و غُلِّبَ مَن يعقل , و قيل : عائدةٌ على من يعقلُ ممّن تضمَّنَه قولُه : ( له ما في السماوات ) , و قيلَ : للملائكة و الرُّسل المقصودين بقوله : ( من ذا الّذي يشفع ) . ما بينَ أيْديهِم : قيل : أمرُ الآخرة , و ما خلفَهُم : أمرُ الدنيا , و قيل : ما أظهروه و ما كتموهُ , أو ما قبْلَ خلقِهِم و ما بعده ...(30) " و الذي يظهَرُ أنَّ هذا كنايةٌ عن إحاطةِ علمِه تعالى بسائر المخلوقاتِ مِن جميع الجهات , و كُنِّيَ بهاتين الجهتينِ عن سائرِ جهاتِ مَن أحاطَ علمُه به كما تقولُ : ضُرِبَ زيدٌ الظهرُ و البطن , و أنت تعني بذلك جميعَ جسده , و اُستُعِيْرَتِ الجهاتُ لأحوالِ المعلوماتِ , فالمعنى : أنّه تعالى عالمٌ بسائرِ أحوالِ المخلوقات ..."(31) . ما : اسمٌ موصولٌ , مفعولٌ به . بينَ : مفعولٌ فيه ظرفُ مكان , متعلِّقٌ بفعل الصِّلَةِ المحذوف ( استقرَّ ), و كذلك إعرابُ ( خلفَهم ). و الظاهر أن الجملة ( يعلم ...) على الاستئناف .

و لا يُحِيْطُونَ بشيْءٍ مِنْ عِلْمِه : الإحاطةُ تقتضي الحفوفَ بالشيءِ من جميعِ جهاته , و المعنى : لا يعلمونَ مِن الغيبِ الذي هو معلومُ اللهِ شيئًا إلا ما شاءَ اللهُ أنْ يُعلِمَهم إيّاه (32) .و الظاهرُ أنّ الجملةَ على الاستئناف أيضًا . بشيءٍ : متعلّقان بالفعلِ المنفي . مِنْ علمِه : متعلّقان بصفة محذوفة ل ( شيء ) , و التقديرُ : بشيءٍ كائنٍ مِن علمه .

إلا بما شاءَ : إلا : حرفُ حصر . بما : ما : اسم موصول , و الجار و المجرور بدلٌ من الجار و المجرور ( بشيء ) لا يحتاجان إلى تعليق " كما تقول : ما مررتُ بأحدٍ إلا بزيدٍ " (33). شاءَ : معمولُه محذوفٌ " و الأولى أنْ يُقَدَّرَ ... أنْ يحيطوا به , لدلالة قولِه : ( ولا يحيطون ) على ذلِك " (34) أما إذا كانت ( ما ) حرفًا مصدريًا فيكون التقدير : إلا بمِشيئته , و عليه تكون الباء إما للاستعانة فيعلق الجار و المجرور بالفعل المنفي ( يحيطون ) , أو للمصاحبة أي (لا يحيطون إلا حالة كونهم مصحوبين بمشيئته ) و التعليق بحال محذوفة للفاعل . و جاز هنا تعليق أكثر من جار و مجرور بالفعل لاختلاف المعنى في كل منها .

وسِع كُرْسِيُّه السَّماواتِ و الأرضَ : و فيه قراءةٌ ( وسْعُ كرسيِّهِ السماواتُ و الأرضُ ) . الكُرسِيُّ : قيل فيه : موضعُ قدمي الرُّوح الأعظم , أو السلطانُ و القدرة , و العربُ تسمي أصلَ كلِّ شيءٍ الكرسيَّ , و يُسمى الملِكُ بالكرسيّ , لأنّ الملِك في حال حُكمه يجلس عليه , فسمي باسم مكانهِ مجازًا , و الكرسيّ العِلْمُ إذ سُمِّيت صفةُ الشيءِ باسم مكانه مجازًا , و لذا قيل للعلماء كراسي لأنهم المعتمدُ عليهم , و منه الكُرَّاسة بينما كان رأيُ الزّمخشريّ أنه تصويرٌ لعظمةٍ و تخييلٌ فقط (35) .

و لا يَؤُوْدُهُ حِفظُهُمَا : لا يشقُّه و لا يثقلُ عليه , أو لا يشغَلُه حفظُ السماوات عن حفظ الأرضينَ , و لا حفظُ الأرضينَ عن حفظ السماواتِ (36) .

و هوَ العَلِيُّ العظيْمُ : أي عليٌّ في جلالِه عظيمٌ في سلطانه , و نُقِلَ عن الماورديّ أنّ العالي هو الموجودُ في محلّ العلوِّ , أما العَلِيُّ فهو المستحِقُّ للعُلُوِّ , و العالي هو الذي يجوزُ أنْ يُشارَك , أما العليّ فهو الذي لا يجوز أنْ يشارَك , و قيل : العليّ هو القاهرُ الغالبُ , ومنهُ ( إنَّ فرعونَ علا في الأرض ( القصص/4 (37). ووردَ في الطَّبري : " ..العليُّ ذو العُلُوِّ و الارتفاعِ على خلقهِ بقدرته , و كذلك قولُه : العظيمُ ذو العظمة الذي كلُّ شيءٍ دونَه " (38). و المرادُ علوُّ الرُّتبة و عظمةُ الشَّرَفِ لا الحيِّزُ و الجهة لأنّه مقيمُ الزّمان و المكان (39). و قيل : العظيمُ المُعَظَّمُ كما يقال : خمرٌ عتيقٌ و معتَّقةٌ , و رُدَّ عليهم بأنه لو كان كذلك لوجبَ أنّه ليس عظيمًا قبلَ أنْ يخلقَ الخلق و بعد فنائهم إذ لا مُعَظِّمَ له في هذه الأحوال , بل هو وصفٌ مِن نفسِه بالعِظَمِ (40) .العظيمُ : خبرٌ ثانٍ للمبتدأ ( هو ) , و لا مُشكِلةَ في تعدُّدِ الأخبار عند الجمهور . أما على رأي من لا يجيز التّعدُّدَ فيكونُ ( العظيم ) صفةً للخبر الأول أي ل ( العلي ) , أو خبرًا لمبتدأٍ محذوف و التقدير : هو العظيمُ .

الأدوات :



اللهُ : ال: زائدةٌ لازمة للتّزيين ,لأنّ هذا اللفظ لا يُطلق إلا على المعبود بحقٍ على عكس (إله ) إذ يطلق على المعبود بحق و المعبود بغير حق (41) , و هو بذلك أعرفُ المعارف , فاللام فيه ليست للتعريف , لأنّه لم يكنْ نكرةً فأتت اللام فأكسبته تعريفًا.

لا :للتنصيصِ على نفي الجنس .................... إلا : للاستثناء .

الحي القيوم : ال: حرفيةٌ موصولة للعاقل ,لأنها دخلتْ على مشتق .

لا تأخذه : لا : نافية , للحال اللازِمة , لأنها صفةٌ دائمة ملازمةٌ له سبحانه . و : عاطفة لمطلق الجمع .

لا نوم : لا : زائدةٌ لتوكيد النفي ................. له : اللام: للمُلك-لأنها بين مالكٍ و مملوك- , أو للاختصاصِ- لأنها بين اسمي ذات – (42) ......................................ما : اسمية موصولة للعاقل و غيره .

في : ظرفيةٌ مكانية .................................السماوات : ال : للاستِغْراق الحقيقيّ .

و ما في : الواو : عاطفة لمطلق الجمع .............. الأرض : ال: عهديةٌ ذهنية , لأنها معهودةٌ ذِهنيًا بين المتكلم و المخاطب.

من : اسمية موصولة للعاقل..........................الذي : ال: زائدةٌ لازمة للتزيين , لأنها اسمٌ موصول معرف أصلاً.

إلا : استثنائية للحصر ,لأنها وقعت في الاستثناء المفرغ.بإذنه : الباء :تكون للمصاحبة باعتبار الشفاعة مصحوبة بالإذن أو للاستعانة على تقدير كونِ الإذنِ آلةَ الشفاعة وذلك على المجاز كما في : استعينوا بالصبر .

ما بين أيديهم :ما : اسمية موصولة لغير العاقل........ و لا يحيطون : و : استئنافية .

لا: نافية , للحال اللازمة ..........................بشيء : الباء :للإلصاق المجازي .

من علمه : من : لبيان الجنس , لأنها سُبقت بمبهم ... إلا : استثنائية للحصر .

بما : ما : اسمية موصولة لغير العاقل , وعليه تكون ... الباء : للإلصاق المجازي .

أو حرفية مصدرية , وعليه تكون ......... الباء : للمصاحبة أو للاستعانة .

و لا يؤوده: الواو : للاستئناف .................لا : نافية , للحال اللازمة .

و هو : الواو :للاستئناف ........................العلي العظيم : ال : حرفية موصولة للعاقل .

[size=18]

يتبع بالدراسة الصرفية و البلاغية




ِ


[/size]
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 10502
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

رد: بحث ,آية الكرسي , دراسة نحوية صرفية بلاغية

في 2010-11-01, 22:54
بسم الله الرحمن الرحيم
آنسة ملك أقف بإجلال أمام هذا الموقضوع العظيم وأما هذا الجهد الواضح
وأحمد الله تعالى على أن حظي هذا الموقع بمثل هذا البحث
وأشكر لك إبداء الرأي في بعض النقاط
وأتساءل عند قوله تعالى "له ما في السماوات .." ألا يمكن أن تكون "أل" تفيد الاستغراق

وجزاك الله كل خير

***************************
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى