يرجا من الأعضاء المشاركين بأبحاثهم المحافظة على التوثيق والأمانة العلمية
"لنعمل على : إرضاء الدَّيان. . . وبناء الإنسان . . . وحماية الأوطان" د.محمود عكام .
يمنع كتابة أي مشاركة بغير العربية الفصحى

شاطر
استعرض الموضوع السابقاذهب الى الأسفلاستعرض الموضوع التالي
avatar
أحمد القدور
المدير العام
المدير العام
الحالة العلمية : مدرس لغة عربية
الدولة الدولة : سوريا
الهوايات : القراءة والبحث
عدد المساهمات : 239
نقاط : 9767
تاريخ التسجيل : 25/10/2009

العودة إلى الذات "دراسة في الوعي الفردي والجماعي"

في 2009-11-04, 20:55
العودة إلى الذات
دراسة في الوعي الفردي والجماعي

بقلم : د . حسين الصديق
المصدر : كتابه : المدخل إلى تاريخ الفكر العربي الإسلامي

تعيش الإنسانية كلها اليوم عصراً جديداً تختلف معطياته عن كل ما سبقه من عصور حافلاً بالمفاجآت والهزات والأخطار؛ دخلت فيه العلوم الإنسانية جميعها في طور جديد يمتاز بالشمول والدقة والعمق. وكان على أمتنا العربية الإسلامية أن تواكب هذا التطور، حتى لا ينتهي أمرها إلى التراجع والاضمحلال بعد ما أصابها من جمود في القرون الماضية. والفكر العربي الإسلامي نفسه يعيش في أيامنا هذه أخطر الأزمات التي مرت به في التاريخ، وما ذلك إلا لأن صورة هذا الفكر قد جمدت من زمان طويل في قوالب لا تتصل بالحاضر إلا من بعيد. وهذا مدعاة إلى إعادة النظر في هذا الفكر، وفتح باب الاجتهاد فيه والنقد، في ضوء المنظومة الثابتة التي يرسمها الكتاب والسنة.
إن معرفة الحاضر لن تكون صحيحة إلا إذا ارتكزت على معرفة الماضي وهي لا بد منها لبناء المستقبل، والفكر العربي الإسلامي زبدة الماضي، ومعرفته هي أفضل وسيلة لمعرفة الماضي معرفة معمقة، فالفكر نتاج العقول وخلاصة تجاربها، وبمعرفته يعمق وعينا أنفسَنا، لنستطيع من ثمّ أن نكتشف قدراتنا الكامنة ونحرر طاقاتنا الإبداعية.
لطالما بهرتني كلمة سقراط (اعرف نفسك)، ولطالما كنت أرددها على مسامع أصدقائي، ومازلت اليوم أكررها أمام طلابي. إلا أنني لم أفكر، في يوم من الأيام، كيف يمكن تحويل فعل الأمر هذا إلى فعل ماض، أو مضارع، حتى طرح علي طالب منذ بضع سنوات السؤال التالي: كيف يمكن أن أعرف نفسي؟
هذه الدراسة ليست في الفلسفة، كما أنها ليست في السياسة، أو الدين، أو الثقافة. إنها في الإنسان، وهو اختصار كل تلك التحديدات. إذ إن الإنسان هو مصدرُ الحياة ومحركُها، وهو في الوقت نفسه عضوٌ فيها، ولعلّ إهمالَ الإنسان أو نسيانَه، في الدراسات العربية المعاصرة، هو الخطأ الذي نتجت عنه كل الأخطاء التي وقعت فيها هذه الدراسات عندما قررت له كيف يجب أن يعيش، وماذا يجب أن يلبسَ، وكيف يفكر، وما الثقافة التي عليه استيعابها، وكيف يتعلم، وما الاتجاهات التي عليه المضي فيها، وقررت له أيضاً متى بإمكانه أن يتزوج، وكم من الأولاد يمكنه أن ينجب. ولكنها نسيت أن تعرف من هو، ولماذا هو موجود، وما الثقافة المحركة له في حياته، وما الحياة بالنسبة إليه. وباختصار لم تهتم بمعرفة ماهيته، وهل يناسبه ما قررته له، بل على العكس من ذلك عملت على تشكيكه في ذاته، وجهدت في محو هويته، وقامت بجهود تبشيرية دعته فيها إلى ذات جديدة من خلال ثقافة غريبة عنه فأصبح غريباً في عقر داره.
هذه الدراسة للإجابة عن السؤال الذي أُنسيناه: من نحن؟ ولماذا نحن؟ وكيف يمكن أن نكون نحن؟ وأعتقد أن السؤالَ ملحّ والإجابةَ عنه أكثرُ إلحاحاً لأننا طالما ترددنا، منذ قرن ونيف، بين أن نكون وألا نكون. إلا أننا منذ العقد الأخير عقدنا العزم على أننا لسنا، وأننا يجب.
العودة إلى الذات عنوان موحٍ ودالٌ في الوقت نفسه، وهو يحدد مخططَ هذه الدراسة ومراحلها. أردت بالعودة أننا اليوم مغرّبون عن ذواتنا، وأنه آن أوان العودة، بل لعلَّ هذه العودةَ ليست اختياراً وإنما هي اضطرارٌ فرضته علينا نتائجُ هذا التغريب، وهي نتائج متفق عليها بين أفراد الأمة بالإجماع تقريباً، لأنه يجب ألا ننسى، دائماً، أنه سيظل في هذه الأمة نفر ضُلل، وأصرَّ على ضلاله لأسباب متنوعة.
وإذا كنا متفقين في ضرورة العودة، فإنّ أكثرنا لا يعرف إلى أين يعود، وما الذات على الحقيقة؟ وأي الذوات نقصد؟ وهل هي ذات واحدة أم متعددة؟ أمّا آلية العودة فهي في اعتقادي الأصعب تحقيقاً، لأنَّ التسليمَ، في نهاية المطاف، بضرورة العودة، والاتفاقَ على تحديد الذات المقصودة سيبقى في إطار الفكر النظري، على حين أنَّ آليةَ العودة، وسبلَ تحقيقها إنما هو فعل يحتاج من صاحبه إلى جهد كبير، يقوم، معاً، على الإرادة والوعي لديه.
لقد استطاع العنوان ببساطة أن يحدد أقسامَ الدراسة وخطواتِها، سيخصص أول هذه الأقسام للبحث في مفهوم العودة وتاريخيتها، والظروفِ التي أدت إليها، على حين أن القسم الثاني سيبحث في مفهوم الذات بين الفرد والأمة، وعلاقة هذا المفهوم بالثقافة الاجتماعية وذاكرتها التاريخية. أما القسم الثالث فهو لتحديد مفهوم الذات الذي تتبناه الدراسة. والقسم الرابع والأخير فسيكون للخطوات العملية المقترحة التي تساعد على تحقيق تلك العودة.
- 1 -
العودة تعني أنك تملك مكاناً تعود إليه بعد فراق، أو اغتراب، أو ابتعاد عنه، وهي هنا تقابل الاغترابَ، أو التغريبَ. فمن جرّب الغربةَ المكانيةَ يبقى فيه حنين إلى الوطن ونزوع إلى البيت الذي ولد فيه لا يفارقه حتى الممات. ومن لا يدرك أنه غريب فكيف يفكر بالعودة إلى وطنه. ولعلّ أغلَبنا، في القرن العشرين، لم يكن يدرك أنه مغرّبٌ،لأن الغربة الجسديةَ المكانيةَ يدركها جميعُنا، ويعاني منها، على حين أنه من الصعب إدراكُ الغربةَ عن الذات، لأننا نعيش بالجسد أكثر مما نعيش بالعقل والقلب. وقد مر زمان طويل على أمتنا، في العصر الحالي، لم تدرك فيه أنها مغرّبةٌ، وما كانت تشعر بضرورة العودة إلى الذات، باستثناء نفر قليل من الواعين من أبنائها، لم تستجب لهم، أو لعلها شُجعت على المضي في غربتها من خلال وسائل كثيرة مادية وفكرية.
وتعود مرحلة التغريب في الأمة العربية والإسلامية إلى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها في النصف الأول من القرن العشرين، وكان، من أبرز عوامل انتشار التغريب في العالم الإسلامي، العاملُ البشريُ، فالإنسان بطبعه يميل إلى الحياة المادية، والمبالغة في الرفاهية والترف، ومتع الحياة. وقد استغل هذا العاملَ عاملٌ آخر خارجيٌ، تمثل في سعي الغرب الأوروبي للسيطرة على الشرق، ولا سيما المسلم، منه، والحفاظ، عليه متخلّفاً، ضعيفاً، لتتمكن الدولة اليهودية التي زرعها في قلب الشرق المسلم من البقاء. وقد اعتمد هذا العاملُ، في استغلال العامل البشري، على عاملين داخليين اثنين هما: سياسيٍ، تمثل بمجموعة من الساسة، والأحزاب، والأنظمة السياسية، أفرز مجموعة من القوانين صُنعت على هوى الغرب، لتنفذ ما يريده من هذه الأمة وبها، وذلك بمساعدة العامل الداخلي الثاني، الذي تمثل في غالبية مثقفي الأمة، من الذين صُنعوا على يد الغرب وثقافته، يدعمهم رأسماليون تابعون في غرائزهم المادية لمصالحهم في الربح، ويضاف إلى هؤلاء بعضُ الأقليات الدينيةِ، والماسونيةِ، وجماعات المبشرين، وأعضاءِ السلك الدبلوماسي الأجنبي في البلاد الإسلامية، ومراكزهم الثقافية، ويضاف إليهم، أخيراً، السياح.
وعمل السياسي والثقافي على ربط نظام التعليم في البلاد الإسلامية بالغرب، فأصبح هدفُه إنتاجَ أفرادٍ قادرين على سد الفراغ الوظيفي والإداري في الدولة، ولم يعد يهتم بالنضج المعنوي والروحي للأفراد، وبخاصة بعد أن فصل بين التعليم الرسمي والدين. كما استعان السياسي والثقافي، في سبيل ذلك بالصحف، والمجلات، والإذاعة، والتلفزيون، والسينما، والمسرح. فكان كلُ ما في الأمة، من عناصر فاعلةٍ وقوى داخليةٍ ماديةٍ ومعنويةٍ، موجهاً في خدمة التغريب.
وقد انعكس التغريب، في الواقع، لدى الحكام والمثقفين، في صورة تقليد أعمى للأفكار والمفاهيم الغربية، واتخاذِ إجراءاتٍ اقتصادية وثقافيةٍ واجتماعية وقانونيةٍ، على طريق التبعية للغرب. وعلى مستوى المجتمع برز هذا التغريب في الحياة اليومية للناس، وفي ملبسهم، وزينتهم، وتقاليدهم الاجتماعية التي كانت تقليداً مبتذلاً لتقاليد الغرب ونمط حياته.
وأدى هذا التغريب إلى نتائج وخيمةٍ على مستويي الحكام والمثقفين من جهة، والناس من جهة ثانية. ولكن تغرُّبَ الحكام والمثقفين، ذا البعد الفكري، كان أخطرَ بكثير من تغرُّبِ الفئة الثانية الذي انحصر في الاستهلاك. إذ إن هؤلاءِ الحكامَ والمثقفين يمثلون فكر المجتمع وإرادتَه، وعندما يشُلُّ الفكرُ والإرادة يشُلُّ الجسدُ، وهذا ما قاد الأمة إلى كارثة وطنية وقومية، وشللٍ اجتماعي حادٍ، جمّد كل ما تملكه الأمة من قدرات إبداعية ذاتية.
كان المتغربون يفتقرون كثيراً إلى أية حيوية فكرية، أو اجتهادية، أو ابتكارية، وكانوا يكتفون باجترار أفكار الغرب، دون هضمها أو فهمها، وهو ما أنتج خَوَاءً في الشخصية وضبابيةً في الهوية. وتحولوا إلى مقلّدين محتاجين غيرهم، وتابعين له، وحقراء وأذلاء أمام متبوعيهم، يسخرون من ثقافة مجتمعهم ودينه، ويمجدون أسيادهم الغربيين، وهم بذلك يخدمون الاستعمار، ويسوغون موقفهم بترديد ما يردده أسيادهم من أنّ الثقافة والحضارة واحدةٌ لا غير، إنسانية، هي ما عند الغرب، ولا بد، لمن يريد التحضر، من قَبُول ما عند الغرب، وإلا فهو متخلف.
العودة إذن هي دعوة إلى العودة من التغرب إلى البيت، بعد طول تشرد في الطرقات، ونوم على الأرصفة من غير غطاء. هي عودةٌ إلى ترك الديانات التي بشر بها أساتذة جامعيون، ومثقفون حزبيون، طالما احتكروا الوصاية على أمتهم، داعين إياها إلى هجر ثقافتها، وتغيير شخصيتها، واستبدالها بما اختاروه لها من ثقافة أعدائها التاريخيين.
والعودة إلى الذات فكرة عمت جميع البلدان التي كانت تخضع للاستعمار الأوربي، وتعرضت لهجمات الثقافة الغربية، وهي في البلدان الإسلامية بدأت في نهاية القرن التاسع عشر أي مع بداية التغريب، فرجالُ مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ومحمد إقبال، وأبي الأعلى المودودي، وكلهم ممن عرف الغرب معرفة جيدة، حاولوا الوقوف أمام التغريب ودعَوا الأمةَ إلى العودة إلى ذاتها. ولكنهم لم يتمكنوا من الصمود أمام المد التغريبي الذي دعمه الغرب، من الخارج، بوسائل من الداخل.
وبعد مرور قرن ونيف، كانت فيها تلك الدعوة محاربة ولكنها مستمرة، وإن كان ذلك بوهن، لم يرض الغرب عن نتائج جهده وأعوانه في تغريب الأمة، إذ رأى أن نهاية القرن العشرين شهدت نتائج عكسية، وردودَ فعلٍ حادةً ضد التغريب، فلم يعد يكتفي بالعمل من وراء الحكام والمثقفين، الذين لم يعد لهم ما يوارون به غربتهم عن أمتهم، كما أنهم باتوا عاجزين عن إصلاح ما أفسدوه من العلاقة بينهم وبين شعوبهم، حتى أصبحوا، في أغلب الأحيان، أعداءَ أمتهم، وإنما جاء بكل قُواه وجبروتِه ليدمر كل ما استطاعت جهودُ أبناء الأمة المخلصين بناءه، وليفرض إرادته بالسلاح، بعد أن فشل في فرضها عن طريق التغريب. واليوم يصحو الناس، ويتلاشى الشك في عقولهم، ويحُل محله اليقين بضرورة العودة إلى الذات.
إن أبرز العوامل المساعدة على تلك العودة هي النظام الحيوي للثقافة الإسلامية الذي استطاع أن يقاوم كل الجهود التغريبية، فالأديان في العالم هي أديان روحية، تركز على علاقة الإنسان بالإله، أما الإسلام فهو يجمع، إلى هذا، نظاماً اجتماعياً شاملاً للحياة الإنسانية، لا يترك فراغاً تسده الأنظمة أو المذاهب الفكرية الوضعية. ولهذا جوبهت الثقافة الغربية بمقاومة شديدة في البلدان الإسلامية، ولم تجد مقاومة كبيرة أمامها في اليابان، أو الهند الصينية، أو إفريقيا. فالإسلام ليس مجموعةَ معتقداتٍ لاهوتيةٍ، وطقوساً دينية فحسب، بل يشمل كل أبعاد الحياة الإنسانية.
أضف إلى ذلك ما شهده القرن العشرون، وبخاصة النصف الثاني منه، من سهولة انتشار الأفكار بفضل سهولة الطباعة والتوزيع، ودخول وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، وهي أوربية، إلى كل بيت، إلا أن أبرزَ تلك العوامل هو أثرُ نتائج التغريب الكارثية في الدولة، والثقافة، والمجتمع.
العودة إلى الذات هي الحل الأمثل بالنسبة إلى كل إنسان يعاني من مشكلات في علاقته مع الواقع، فإذا انطلق الفرد من الذات، وقام بتصحيح علاقتِه بها، بعد تغريبه عنها، وجهله بها، فإن علاقته بباقي مفردات الوجود سوف تبدو أفضل، فالعلاقة بين الفرد والآخر هي صورة العلاقة بين الفرد وذاته. وعلاقة الأمة بالأمم الأخرى هي صورة علاقتها بذاتها.
- 2 -
فما الذات؟ وأي ذات ندعو إليها؟
ذات الفرد أو شخصيته هي مجموعة الآليات التي تنظم حياتَه وعلاقاتِه بالآخر، وبالطبيعة، وبالله. وبناءُ الذات، عند كل فرد، يقوم على السمات الجوهرية الخاصة بثقافة مجتمع معين. وعلى هذا فالثقافة هي نظامُ القيم الأساسية الجوهرية في المجتمع. والذات، أو الشخصيةُ، أو الأنا، هي صورة مصغرةٌ عن هذه الثقافة، أو هي مستودع لها. وثقافة الفرد، التي تشكل ذاته وشخصيته، هي جزء من الثقافة الاجتماعية، وهي أيضاً ما نسميه بالهوية.
وتركز الدراسات الاجتماعية المعاصرة على قدرة المجتمع على نقل ثقافته من جيل إلى آخر، وتَعُد ذلك مصدرَ صحة المجتمع، وضمانَ سلامة استمراره. وكل مجتمع يسعى دائماً إلى تشكيل بِنيَة ثقافيةٍ أصيلة، يحرص على ألا يخرج عليها أحدٌ من أفراده، ضماناً للوحدة الاجتماعية الداخلية، فوظيفة الثقافة الاجتماعية إنما هي تحقيق التوازنِ والتناغمِ بين أفراد المجتمع، ولا يكون ذلك إلا عندما تتمكن، هي ذاتها، من تحقيق التناغم والتوازن بين عناصرها، لتنتظم داخلياً في إطار مجموعة متوازنة من العناصر الثقافية التي يحيا فيها الفرد من جهة، وتشكل مرجعيته، ومعياره في التعامل مع الأشياء والحكم عليها، من جهة أخرى. وكل خلل في النظام الثقافي يؤدي بالضرورة إلى اختلال في حياة الفرد، واضطراب في أحكامه، ينتج عنه فوضى في العلاقات، وشللٌ في القدرات، وضمورٌ في الإبداع.
لا فرق، إذن، بين الهُوِيَّة، والذات، والثقافة على مستوى الفرد، كما أنه لا فرق بين هذه على مستوى المجتمع والأمة. فثقافةُ الأمة هي التي تحدد معنى الوجود الإنساني، وتمنح الإنسانَ شعورَه بالأنا، من خلال انتمائه إلى مجموعة ثقافية. إنّ ثقافةَ الفردِ تتشكل، جوهرياً، في ذاكرة الأمة، وهي التي تعلمه من خلال مخزونها الثقافي كيف يتصرف، وتحدد له أفعاله وردودَ أفعاله، وهي بالتالي التي تحدد شخصيته، أو ذاته، أو هويته. والفرد يماثل الأمة في ذلك، فإذا كانت ثقافته هي شخصيتُه، فإن ثقافة المجتمع هي شخصيةُ هذا المجتمع وذاتُه.
إنّ الإنسان يعيش بين ماضٍ، وحاضر، ومستقبل. وهو في الحقيقة لا يعيش إلا في الماضي، فهو يتصوّر المستقبل من خلال تجاربه المتراكمةِ في الماضي، ويعيش الحاضرَ، ويفسّرُه، من خلال تجارب الماضي. كما أنّ الحاضرَ لا يمكن أن يوجد إلا بعد أن يعاش، ليصبح ماضياً نعيشه من خلال الثقافة المتراكمة في الذاكرةِ، مستودعِ تجارب الإنسان وشخصه. وإذا فُصل الحاضرُ عن الماضي فإن الحاضرَ ينهارُ، فوجود الحاضرِ يقتضي وجودَ الماضي، فنحن نفهم أنفسنا من خلال الماضي، أما المستقبل، ويدخل فيه الحاضرُ القريبُ قبل عيشه، فإننا لا نتصوره إلا بمساعدة جهد خيالي، إذ لا دليل على وجوده، وهو قد لا يوجد بالنسبة إلينا كأفراد بالموت، فالماضي موجود في الحاضر، بل إنّ الحاضر هو امتداد طبيعي للماضي، أو للتاريخ.
الثقافة إذاً هي الذاكرةُ، ومن لا ذاكرةَ له لا هويةَ له، ولا شخصيةَ، ولا ذات. وثقافةُ الأمة ذاكرتُها، وذاكرتُها هي التاريخُ، كما أنّ تاريخ الفرد هو ذاكرته. فالثقافة الاجتماعية لا تظهر في الفراغ وإنما هي مجموع تراكمي انتقائي لخبرات عدد ضخم من الناس عاشوا في عصور متعددة تمتد عمقاً في التاريخ.
- 3 -
لا بدّ من العودة إلى الذات بعد التغرب عنها، ولكن أي ذات نقصد؟ وما حدودها؟ وما مقوماتها؟
يمكن الإجابة عن السؤال بتقرير كلية هي أنّ كل جزئية في الوجود تحتاج في تفسير وجودها إلى كلٍّ تنتمي إليه بالضرورة. وإهمال هذا الكلِّ أو نسيانُه، سوف يجعل الجزئية من غير تفسير، لأن أي تفسير لوجودها لن يكون صحيحاً إلا إذا انطلق من الكلِّ الذي تنتمي إليه. ولا شك في أنّ تعدد الكليات في تفسير الذات، وهي جزء من كل، يؤدي إلى عدم انسجام الفرد في المجتمع، وهو ما ينتج عنه خللٌ في الأحكام، وقلقلةٌ في العلاقات، وضبابيةٌ في الوعي.
والعودة إلى الذات شعارٌ لم يطرحه المتدينون، وإنما هو طرحٌ فلسفي إنساني، يتفق فيه المتدينون مع الإنسانيين والعلمانيين، لأنّ الجميع يسلّمون بأن الذاتَ هي الثقافةُ التي تربت فيها هذه الذات، أوهي الكليةُ التي تنتمي إليها هذه الجزئية. فالعودة إلى الذات إنما هي عودة إلى الثقافة التي نشأت فيها الذات وليس الثقافة التي فرضت عليها من خارج، كما أنها عودةٌ إلى الكلّ الذي صدرت عنه .
ولمّا كان وضعُ الذات العربية على ما قدمناه، من تعرض لهجمات الثقافة الغريبة منذ ما يزيد على القرن، فإنّه من الصعب، اليوم، أن ننطلق، في دعوتنا، من الذات العربية المعاصرة التي لم تعد تحافظ على نقائها الأول، ولا بد لنا من إعادة النظر فيها من خلال الاعتماد على الكلية الأولى التي تؤسس هذه الذات.
من المعلوم أنّ الثقافة العربية المعاصرةَ هي خليطٌ عجيبٌ من ثقافةِ الأمة المرتبطة بذاكرتها، والمتمثلة في قيمها، وعاداتها، وتقاليدها المعيشة، ونتفٍ غيرِ متجانسةٍ من الثقافات الأجنبية، وعلى رأسها الأوروبية والأمريكية.
ولا بد، لكي تتمكن الأمة اليوم من العودة إلى ذاتها، من الاحتكام إلى مرجعية هي ثقافتها الأصيلة، لنتمكن من الحكم على ما وردها من ثقافات غريبة عنها، فما انسجم من هذه مع تلك الثقافة قبلناه، وما لم ينسجم وجب طرحه، حتى تنقى الثقافةُ المعاصرةُ، وتنقى بنقائها الذاتُ، فتعودَ إليها ثقتُها بوجودها، وتتفتقَ قدراتُها من جديد.
إنّ دارس الحضارات الإنسانية يلاحظ أنّ ثمةَ مفاهيم ثلاثة تؤسس كل الحضارات الإنسانية: هي الإله، والإنسان، والكون. وبحسب نسبة تغليب واحد من هذه المفاهيم تكون صورة الحضارة، فهي إما حضارةٌ إلهيةٌ، يفسّر أبناؤها الإنسانَ والكونَ من خلال وجود الإله، وإما حضارة إنسانية يفسر أصحابها مفهومَ الإلهِ والكونِ من خلال وجود الإنسان، وإما حضارة طبيعية أو مادية يفسر أصحابها مفهومي الإلهِ والإنسانِ من خلال الطبيعة، وبحسب قوانينها.
والثقافة العربية الإسلامية هي نتاج حضارة غلّبت مفهومَ الله، ففسرت وجود الإنسان والطبيعةَ من خلال وجودِ الله. وهو وجود ترسمه العقيدة الإسلامية المتمثلةُ بالقرآن الكريمِ، والسنةِ النبوية، والعودةُ إلى تلك الثقافة ليست دعوة إلى الإسلام كمجموعة من التقاليد، والعادات، والنظم الاجتماعية، الموجودة بالفعل في المجتمعات العربية والإسلامية، بل كفكر، ووعي وجودي إنساني، ينطلق من مكانة الإنسان، ووظيفته في الوجود.
إن العودة إلى الذات هي عودة إلى الثقافة والهوية الاجتماعية، والثقافة الاجتماعية تمتد عمقاً في التاريخ، وتعتمد على مرجعية كلية تحكمها، هي العقيدة الإسلامية، ولا بد لفهم الذات وتنقيتها مما شابها من كدر أصابها من هجمات الثقافات الأجنبية، من عرضها على المرجعية أو الكلية التي تحكمها.
وعلى حين أنّ الذات عند الأمم الأخرى هي ثقافة مدنية إنسانية، واستبدالها بثقافة أخرى ممكن، وإن كان له تأثيرٌ سلبي، فإن الأمر لا ينطبق على الثقافة العربية التي، لارتكازها على العقيدة الإسلامية، يؤدي استبدالُها أو خلخلتُها إلى نتائج سلبية ذاتِ أثرٍ عميق في قدرة مجتمعاتها على الإبداع. فالإسلام يشكل مجموعة من النظم المختلفة للوجود الإنساني، والذات الإسلامية هي، أولاً، وعي الوجود فرداً مندمجاً في العالم، ومتوحّداً، به بهدف البحث عن الأصالة الذاتية المتفردة، وتحقيقها على مستوى الفعل. وكل فرد مسلم إنما يحقق وجوده ويعرف ذاته من خلال العمل لتغيير العالم، والسعي لجعله أفضل في كل المجالات، وبحسب السنن الإلهية في الأرض.
وقد ألح المفكرون المسلمون على ضرورة إقامة الوحدة الاجتماعية على أساس إدراك الذات، على الرغم من التعدد العرقي، والثقافي، والديني، الذي كان يشكل المجتمعات الإسلامية. وما ينظُمُ هذه الوحدةَ هو اشتراكُ جميعِ المسلمين بلفظ الشهادة التي تجسد ارتباط وجود الفرد والأمة بالله عز وجل. فلفظ الشهادة هو تأكيدٌ على وجود الله، كما أنه في الوقت نفسه تأكيد على وجود الفرد، القادرِ على الحكمِ، العارف بذاته مستقلة عن الله وعن الكون.
فعندما يشهد المسلم بوحدانية الله فإنه يدلل بشهادته تلك على قوة المعرفة، وقوة الحكم، الناتجتين لديه عن معرفة الذات وإدراك قدرتها على المقارنة بين الذات البشرية والذات الإلهية. فكأن المسلمَ يقول لله: أنا أشهدُ بأنك إلهٌ فردٌ، واعترافي بك إلهاً دليلٌ أكيدٌ على وجودي، إذ لو لم أكن موجوداً، وقادراً على المعرفة والحكم، لما شهدت بذلك، فوجودي دليل على وجودك، كما أنّ وجودك دليل على وجودي.
فالشهادة ذات قطبين: عندما يرددها المسلم فإنه يؤكد وجودَ الله، وهي نفسها تقود إلى تأكيد الوجود الذاتي، فهي علاقة جدليةٌ، متصاعدةٌ، لا متناهيةٌ، بين المتسامي والمهيمن، وبين المُحدَث والقديم، والمادي والروحي، والإنساني والإلهي. الإنسان الفرد يعي ذاته في أول الشهادة وفي آخرها، إذ إن قيمة وجوده تكمن فيها، فهي تبدأ بوعي الذات قبل وعي الوجود الإلهي بفعل (أشهد)، الذي يدلل على وجود الشاهد وقدرتِه على الوعي، والإدراك، والحكم، المؤكد بلفظ "أن لا إله إلا الله"، حيث يأتي الوجود الإلهي بعد الوجود الفردي ليكون دليلاً عليه. وهو دليل معكوس، إذ لو لم يكن للإنسان ما يشهد بوجوده لكان وجوده معلقاً، ل يمكن إثباته، ولنفى هذا وجوده، وبخاصة أن ما يشهد الإنسان بوجوده هو موجود مطلق، ليس كمثله شيء، فالإنسان جزء من مفردات الكون الواسع، ولا بد لتفسير وجوده من كلية كبرى يقيس وجوده عليها. وقد كانت هذه الكلية متعددة في تاريخ الإنسانية حتى اكتشف الإنسان الله في ذاته، وبمساعدة الأنبياء، فعرف أنه موجود بوجوده، فأقر بذلك في الشهادة.
والشهادة لا تبني علاقة معزولة بين الفرد والله فقط، وإنما هي تؤسس علاقة اجتماعية بين (الأنا) و(الهو)، وبين (الأنا) و(النحن)، لأن (الأنا) والآخرين يشاركون جميعاً في الشهادة ذاتها، فهم يتمحورون في شهادتهم حول الكلية ذاتها، محققين بذلك وحدة اجتماعية، ولحمة إنسانية، في المجتمع المسلم، تتجسد في انسجامِ وجود الفرد وسلوكهِ مع الآخرين حتى في أشد الظروف التي عاشتها المجتمعاتُ الإسلاميةُ صعوبة في التاريخ.
إنّ الذات عند الفرد المسلم تتجسد في قدرته على التنسيق بين فعله وفعل الآخر، من خلال الوجود المطلق للذات الإلهية. ولكنّ العلاقة بين الفرد والآخر يجب أن تقوم على المعرفة التي تلح عليها العقيدة الإسلامية محرضةً أداتَها العقل على التفكير في كل مفردات الوجود وعناصرِ الكون. ولعلّ ابتعادَ المسلمِ عن المعرفة ووقوعَه في التقليد في الشهادة، وما يتلوها من عبادات، سلبه حريته التي اكتسبها بعبوديته الحقة لله، وبتحقيق معنى استخلافه في الأرض، فأصبح اليوم ليس مستقلاً حراً تماماً من الوجود الإلهي كالماديين، وليس عبداً لله كما أرادته العقيدة، فأصبح متردداً بين الحالين، لا يبرح مكانه، كعربة يشدها حصانان في اتجاهين متعاكسين.
إنّ كل الأفعالِ العظيمةِ، في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، ارتبطت في أذهان أصحابها برغبتهم في معرفة الله، أو نيل رضاه، أو الإحسان إلى عياله.
وفي الصلاة تتجسد هذه المعرفةُ الذاتيةُ في مقابل الله المطلق، إذ لا يكتفي المسلمُ بالشهادة في قلبه، أو على لسانه، بل يؤكد وجودَه عندما يقف أمام الله، وجهاً لوجه، ليقول له جوهراً عرضاً: "إنني موجود أمامك وفيك، وقادر على الحركة منك وبك، فأنا خليفتك في الأرض، منحتني القدرة على الفعل، ففعلت، لأحقق تلك الخلافةَ، فأشعرَ بالتفرد في هذا الكون. يصور الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال الإرادة الإنسانية في مقابل الإرادة الإلهية في حوار بين الإنسان والذات الإلهية:
يقول الله:
خلقتُ هذا العالمَ من الماءِ والتراب
من الترابِ خلقتُ المعدنَ،
وأنتَ صنعتَ السيف، والسهمَ، والبندقية،
وصنعتَ الفأس لشجرة البراري،
وصنعتَ القفص للعصفور المغرد.
ويقول الإنسان:
أنت خلقتَ الليلَ، وأنا صنعت المصباحَ،
أنت خلقتَ المحيطَ، وأنا صنعتُ المركبَ،
أنت خلقتَ الطينَ، وأنا صنعت الإناءَ،
أنت خلقتَ الصحارى، والوديانَ، والجبالَ،
وأنا أبدعتُ الرياضَ، والبساتينَ، ومزارعَ الوردِ،
إنه أنا الذي استخرج الزجاج من التراب،
والترياق من السم.
إنّ وعي الفرد المسلم يشكل حركة دائرية تبدأ، هبوطاً، من المطلق، إلى العالم الكبير، إلى العالم المتناهي في الصغر، المتمثل في الفرد، لتعود، صعوداً، من الفرد، إلى المطلق، المتمثل بالله. إنّ معرفة الذات تمكن صاحبها من إدراك قيمتها، ورسم مسارها، وتحديد علاقاتها بالذوات الأخرى، التي، إذا ما فعلت الشيء نفسه حقق المجتمع لحمة اجتماعية، متمحورة على كلية مشتركةٍ فيما بينها، ناظمةٍ لحركتها الداخلية والخارجية.
عندما يوجد (الأنا) و(النحن) فإن المجتمعَ الإنسانيَ يوجدُ، ووجودُه يعني قيامَ علاقةٍ بينه وبين الكون من جهة، وبين الفرد والفرد فيه من جهة أخرى. وهي، في الحالة المادية، صراع ينشأ عن كون الإنسان يحمل في ذاته أصول الصراع، لأنه في داخله يحمل طبيعة مزدوجة هي العَرَض والجوهر، أو النفس والجسد. وهو خاضع على الدوام للضغوطات المتولدة عن طبيعته المزدوجة. إلا أن علاقةَ الفرد بذاته، وعلاقتَه بالنحن، من خلال الله تقوم على سعي حثيث لتجاوز هذه الازدواجية، التي كثيراً ما تؤدي، في الواقع، إلى خلل في العلاقات، وصولاً إلى وحدة في طبيعتهما وانسجام في وظيفتهما. وهذه الوحدة مطلوبة، وهي ضرورية لتحقيق الوحدة الخارجية مع عناصرالكون ومفردات المجتمع، ولذا فقد اقتضى أن يتدرب الفردُ على تحقيق وحدَتِه الداخلية، فكانت العبادات في الإسلام تدريباً له على إقامة التوازن بين الجسد والذات، أو بين العَرَض والجوهر. فالوضوء حركةٌ جسديةٌ، ومعنويةٌ، في آن معاً، والصلاة لا تقتصر على الوقوف في حالة خشوع، من غير حَرَاك، كما في أغلب الديانات، وإنما هي حركةٌ جسديةٌ متناغمةٌ مع حركة روحية قلبية، وكذلك الأمرُ في الحج، والصيام، والزكاة. وهي أركانُ الإسلامِ الخمسة إذا ما أضيفت إلى الشهادة.
وتحرص هذه العبادات على تحقيق التوازن الخارجي بين (الأنا) و(النحن)، من خلال حرصها على اجتماعية العبادات، فالجميع يشاركون فيها في أوقات محددة، والصلاة مع الجماعة أجرها أضعاف الصلاة الفردية.
إنّ الذات المسلمة إبداع إلهي، خُلِق ليعبد الله، وهو موصول به مباشرة، ولا مكان لوسطاء بينه وبين خالقه ومستخلفه، وهذا ما يؤكد على رفعة الذات الإنسانية، وسمو مكانتها في الوجود. فالله، في العقيدة الإسلامية، عادلٌ، جميلٌ، يحب الإنسان، أعطى جبريلَ النورَ ليسلمه إليه، عن طريق الأنبياء، وهم من البشر، حرصاً منه عليه، وهدايةً له، ودعوةً منه للعودة إليه، على حين أن بروميثيوس، الذي سرق نارَ الآلهة، حكمت عليه هذه الآلهةَ بالعذاب الأبدي، لأنه أعطى الإنسانَ هذه النارَ المسروقةَ التي تحرص تلك الآلهةُ على ألا يستفيد منها الإنسانُ. فالإنسانُ، في الفكر الغربي، يصارع الآلهةَ، ليحظى بوجوده، على حين أنه، في العقيدة الإسلامية، يستمد وجوده من الوجود الإلهي الرحمن الرحيم، وهو لا يضع ذاته ضد الله، أو في صراع معه، كما في الفكر الغربي، بل هو يدرك أنه منه وإليه، وخليفتُه وعبدُه، يستمد حريتَه من عبوديته له.
لقد وحّدت الثقافةُ الإسلاميةُ الكليةَ المرجعيةَ، المفسرةَ لوجود الفرد، فوحّدت بذلك الضمير الجمعي عند الأمة، وأصبح الفردُ جزءاً منها يهمه ما أصابها، أينما كان، على الرغم من الوسط غير الفاضل الذي وضعه فيه التغريب الثقافي، على حين أنّ الثقافةَ الغربية ألغت هذه الوحدةَ، فتعددت الكلياتُ بتعدد الفلاسفة، وأصحابِ المدارسِ الفكريةِ، ومفكري الأحزاب، وأصبح داروين، صاحبُ مبدأ الطبيعة، ونيتشه، صاحبُ مذهب القوة، وفرويد صاحبُ مبدأ اللذة، وماركس صاحبُ التفسير المادي للتاريخ، من أبرز الكليات المرجعيةِ المحركة للثقافة الأوروبية، والمفسرة للوجود الفردي والاجتماعي. وهذا ما أدى إلى تفكك المجتمع داخلياً، وتشظيه بتشظي أفراده.
وتبرز الثقافة الإسلاميةُ حريةَ الذات الإنسانية، وهي حرية ضروريةٌ لنفي الهَمِّ، والحزن، والخوف من غير الله. وكل ذلك يقوم وراء الإبداع الإنساني. وتتركز الحرية في العبودية، فالإنسانُ، إما أن يكون عبداً لله، مطيعاً أوامره، فيلغي تبعيته لجسده بما فيه من شهوات، لا تنتهي، ولا تُحد، ويُسقطُ عبوديتَه للمال، والمنصبِ، والدنيا، وإما أن يكون لا يؤمن بالله، فيكون حراً من هذه الجهة، إلا أنه عبدٌ لجسده وشهواته، والدنيا وما فيها من مغريات، يتم الحصولُ عليها من خلال الصراع مع "الهو" و"النحن"، فلا يحصل عليها إلا الأقوى، والأشرس، والأكثر حيلة. وإذا ما حصل الفرد على شيء ما فإنه لا يكتفي به فينسى أن يستمتع بما بين يديه، لأنه يفكر مهموماً بما لم يمتلكه بعد. فيصبح عبداً للأشياء والدنيا، على حين أن الدنيا في الثقافة الإسلامية ما خلقت إلا من أجله، وسُخركل ما فيها له، ليكون هو سيداً لها، حراً في مقابل عبوديته لله.
فالذات المسلمة ذات حرة، وحريتها تتناسب طرداً مع عبوديتها لله عز وجل، وبقدر تحقيق العبودية تكون السيادة الحقة على الموجودات، ويتحقق الاستخلافُ في الأرض واستعمارُها، وتستمد تلك الذاتُ حريتَها وقدرتَها على الفعل، وتغييرِ العالمِ، من تسليمها بعبوديتها لله الذي شهدت بوجوده في الشهادة، فأكدت وجودها في الأرض. وإذا ما تحقق كل هذا في الذات المسلمة، فإنها تصبح سيدةَ الكون، وما يصدر عنها من إبداع أو صناعة إنما يكون لتحقيق معنى الاستخلاف، فكلما كانت الذاتُ حرةً بالعبودية، كانت أقدرَ على التدخل في مفردات الكون، فتفعل بها ما تريد، وتغير فيها ما تشاء، وكأنها في ذلك تقول لله عز وجل: أنت خلقت الكون وما فيه، وبالخلق تجليت إلهاً، عرفتك مخلوقاتُكَ بك، وأنا صنعت الأشياء، وبالصناعة والإبداع تجليت ذاتاً عارفةً بك خليفةً لك في الأرض.
وتحدد الثقافة الإسلاميةُ مكانَ العقل، آلةِ الإنسانِ في تحقيق معنى العبودية والاستخلاف، فهو عقلٌ مقيدٌ، محدودٌ بالحواس، والزمان والمكان، والتجربة، والوسط، ولذا فلا يجوز إطلاق عمله فيما لا يخضع له من الأمور الغيبية التي يجب التسليم بها، أما الأمور الإنسانية فهو ليس حراً فيها على الإطلاق، وإنما هو مقيد بمرجعية هي العقيدة الإسلامية، فإذا عمل في داخلها قُبِلَ عمله، وإلا فهو مردود على صاحبه.
- 4 -
المسألة واسعة باتساع الكون الذي كان الإنسانُ أكبرَ منه، كما يقول ابن عربي:
أتحسب أنك جِرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ
فالدخول في ذات الإنسان صعبٌ، والخروج منها ليس سهلاً، ولا يمكن، في دراسة واحدة، أو أكثر، الإحاطةُ بهذا المفهوم، المتعددِ بتعددِ الأفراد. وقد حاولت هذه الدراسة أن تضع عدداً من الخطوط العامة التي يمكن أن تكون دعوةً للحوار في مسألة أصبحت، اليوم، هامةً جداً. فثقافة الأمة، اليومَ، تجتاز مرحلةً خطيرةً بعد قرن من التغريب. وأصبحنا، اليوم، بحاجة إلى العودة إلى هذه الثقافة، في نقائها، وجوهرها، لنرى فيها ذاتَنا، فنتمكنَ من العودة إليها عوداً واعياً، هذا يعني أن المثقفين ليسوا، وحدَهم، مسؤولين عن التغيير الاجتماعي من خلال العودة إلى الذات، وهم ليسوا بمثقفين إن لم يعيدوا النظر في الذات، ويربطوها بالثقافة، وإنما يعني أن الناس جميعاً يجب أن يصلوا إلى وعي ذاتي، ينظم إراداتهم، وألا يبقوا في مجال التبعية والتقليد لشخصيات أخرى.
العودة إلى الذات أمرٌ ذاتي، يمكن أن يُعدي، فيصبحَ جماعياً. وهي ليست مسألةً فلسفيةً بحتةً، بل هي مرتبطةٌ بكل الخيوط التي تحرك حياة الفرد والجماعة. والعودةُ إلى الذات ليست نتيجةً طبيعية، وإنما تحصل لدى الأفراد في ظروف معينة، وتنتج عن تأثيرات ثقافية كثيرة. وهي، في اعتقادي، تقوم على ثلاث مراحل: تتأسس الأولى على امتلاك إرادة العودة، بعد أن يكون قد ثبتت، لدى الفرد، الحاجةُ إليها، والمرحلة الثانية تتأسس على معرفة الذات التي تراد العودة إليها، أما المرحلة الثالثة، وهي الأهم، فهي الانتقال من الفكر إلى العمل ومن المعرفة إلى الفعل، وهذا يعني اتحادَ الإرادةِ بالوعي، ليكون الإنسانُ مدركاً وجوده. ولعلّ أهم ما يلجأ إليه الإنسان في سبيل تنفيذ هذه المراحل مجتمعة هو الخلوة التي، وحدَها، قادرةٌ على توفير الفرصة له ليعود إلى الداخل، ولا أقول الذات، وإنما ليتخلص من سيطرة الخارج الذي يعيش فيه. فهو كالمشردين الذين ينامون على الأرصفة، لأنهم لا يملكون بيتاً يأوون إليه عندما يذهب جميع الناس إلى بيوتهم، بل هو في حال أكثر سوءاً، لأنه، في الحقيقة، يملك بيتاً رائعاً في الداخل، ولكنه يفضل النوم في الخارج.
كيف يمكننا أن نعرف ذواتِنا، أو نعود إليها، إن كنا نعيش دائماً في الخارج ؟! ألا نرى أن أغلبنا يعيش بجسده فقط، وبحسب ما يريده الخارجُ منه فقط؟‍‍‍‍‌‌‌‌!. أما آن الأوان لنعيش بالذات، ونحن نعلم أنه لن يموت أحد بالنيابة عنا؟!.
في طريق العودة إلى الذات، علينا أن ندرك أننا لا نستطيع أن نكون مسؤولين عن الآخرين إن لم نكن مسؤولين عن أنفسنا، أوَ يستطيع الذي لا يعرف السباحةَ أن ينقذ غريقاً؟ لو فعل فسيغرقان معاً. فكيف ندعي اليوم رغبة في إصلاح الآخر، أو هدايته، أو مساعدته على معرفة ذاته، أو العودة إليها، ونحن لا نملك ذلك لأنفسنا. لنكن نحن أولاً، وليعدْ كل فرد منا إلى دائرته، إذ إنّ لكل فرد دائرةً خاصةً به، يمكنه أن يعمل فيها بحرية، وهناك دوائرُ الآخرين، ولعلنا نفضل، هرباً من أنفسنا، أن نوجه اهتمامنا إلى دوائر الآخرين، المتقاطعةِ مع دائرتنا، فنبدي حرصاً على ترتيبها لهم، ونظهر اهتماماً بما يعملون فيها، وقد نغضب لأن الأمور ليست على ما يرام لديهم، ودوائرنا تسود فيها الفوضى.
فلنبدأ بالعودة إلى ذواتنا قبل أن نطالب الآخرين بها، وعندها سنكون رواداً، وأدلاء لهم. ولنعلم أن العودة إلى الذات هي أولاً جهد فردي، ولكنه يؤدي إلى خلاص جماعي.
والعودة إلى الذات جهدٌ بشري، لا بد منه لتدخّلِ الذات الإلهية التي وعدت الإنسان بالتغيير، إذا بدأ هو هذا التغيير، عندما قالت له: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". فالتغيير الجماعي لا يحصل إلا بالتغيير الفردي، لأن تغيير النفس لا يمكن أن يكون إلا فردياً، ومسؤوليةُ الفرد فيه مقتصرةٌ على ما يبذله من جهد في العودة، وتغييرُ النفس إنما هو عودةٌ إلى الذاتِ الأصيلة، بعد تنقيتها مما أصابها من هجمات الثقافة الأجنبية والعادات والقيم الدخيلة.
العودة إلى الذات هي عودة إلى المطلق، ولا تتم في الخارج، وإنما في الداخل. إنها عودة من الخارج إلى الداخل، لإعادة بنائه لنكون أقوياء في الخارج. وهذه العودة ليست في ديكور المنازل، وهي ليست ذوباناً في الإنسانية، أو العالمية، كما أنها ليست انسلاخاً عنهما، وهي ليست عودةً إلى ما جربته الأمةُ من مبادئَ ونظمٍٍ، أثبتت سوء نتاجها، وعقم آثارها في الفرد والأمة، إنها عودة إلى ما هو موجود فينا أصلاً، ومترسخٌ، يشكل منبعاً للطاقة، والقوة، والإبداع. إنها القيم الروحية والإنسانية المطلقة، الموجودة فينا، وفي كل إنسان آخر، وهي تتجلى اليوم، في أضعف صورها، في عاداتنا، وتقاليدنا، وسلوكنا اليومي.
هذه الذات تنبع من النبوة الأولى، نبوة إبراهيم، ولا تهتم بالاختلافات التي أنتجتها الظروف السياسية، والاجتماعية، التاريخية، وهي ليست في طقوس العبادات وآلية أدائنا لها، وإنما هي روح هذه العبادات، التي لا تفرق بين العربي وغير العربي، كما أنها لا تقيم وزناً للتسميات التي اتخذها البشر فلا تسأل إن كنت نصرانياً، أو مسلمًا، سُنياً، أو شيعياً، أو وهابياً، أو إسماعيلياً. إنها باختصار الشخصية الإسلامية الكونية التي ما تزال تشكل مصدر القوة الوحيد لدينا.
استعرض الموضوع السابقالرجوع الى أعلى الصفحةاستعرض الموضوع التالي
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى